الصمود في مهب الغدر.. "بحور المآسي"(11)
حسين السليماني الحنشي
عاد "عمر" يخطو فوق تراب لم يعد يأمن شرور السائرين عليه، يقتفي أثره ابن عمه الذي ظل صوته يهمس في أذن القلق: أكان فخاً أُحكمت خيوطه يا عمر، أم هي صدفة عابرة اعترضت سبيلك؟.
استدار عمر، وفي عينيه بريق من بصيرة من اعتاد قراءة وجوه الرجال، وقال بلهجة واثقة: بل كان كميناً رُسم بليل، رجال غرباء لم يخطئ قلبي استنكار ملامحهم.. الحقيقة يا ابن العم أن دماءنا لم تجف، ولنا ثأر قديم في عروق تلك القبيلة لا يمحوه تقادم العهود.
هزّ ابن عمه رأسه ريبة، وقذف في روع عمر سؤالاً كالسهم: إن كان الثأر هو الوقود، فلماذا لم يطاردوا غيرك ممن خاضوا تلك الدماء؟ لماذا كنت أنت الهدف الوحيد في زحام السوق؟ يا عمر.. إني أخشى أنك لم تُبع للأعداء، بل بيعت نفسك من داخل الدار.. فاحذر، فإن طعنة القريب تسبق رصاصة الغريب!.
أجاب عمر، ونظراته تخترق الأفق: منذ اللحظة التي طالت فيها أيديهم عباءة أمي، لم ينم جفني إلا على حد سيف، ولم تخل يدي من قبضة زناد.
بين دموع الوفاء وحلم الشموخ
دلف إلى بيته، فاستقبلته زوجته بدموع كأنها رثاء لرجل حي، بعدما تناهت إلى سمعها أخبار الصدام. لم يكسره البكاء، بل مسح بيده الخشنة دموعها قائلاً: كفكفي دمعك يا أم الأبطال، أريدك شامة في جبين العز، ولقباً يهتز له الخصوم.. الأعمار بيد خالقها، واليوم نحن هنا، وغداً نرحل، لكن الأمانة هي هؤلاء الصغار.. من أجلهم نبتلع الصبر مُرّاً .
وبابتسامة وادعة، حاول كسر حدة الموقف: أعدّي لنا عشاء يعيننا على نوم قصير، فالفجر ينتظرنا لنحرث الأرض.
قالت وهي تداري حزنها: أبشر، فاليوم وليمتنا لحم حمام زاجل .
استغرب عمر: أنى لنا هذا الصيد الثمين؟.
أجابت بفخر: ابنك الصغير.. لقد طارد الريح حتى أمسك بهما بيديه .
تنهد عمر بعمق ونظر لصغيره قائلاً: هكذا نرجوك.. اليوم قنّاصاً للحمام، وغداً صياداً للرجال الذين أعجزتنا الحيل عن لجم غدرهم .
لم يكن نوم عمر غفلة، بل كان استراحة المقاتل. وضع الأثقال خلف الباب كجرس إنذار، وحشا بندقيته بـ"رصاص المنايا"، وشدّ حزامه (الجنبية) على خصره كأنه جزء من جسده، وبات ليله على أهبة الاستعداد، عيناً تحرس الحلم وأخرى ترقب الغدر.
مع تباشير الصباح، استيقظت الحياة؛ رغاء الإبل، وحليب الغنم، وصوت المحاريث. خرج عمر يجر ثوريه نحو الأرض، واليقظة تملأ كيانه. كان يوماً ثقيلاً، يلتفت فيه لكل رفيف طائر أو حفيف شجر.
كان يلتقي بخصومه في الطريق، فيواجههم بوجه طلق مستبشر، لا عجزاً بل ترفعاً، ليشعرهم أن ثباته كالجبال لا تحركه عواصفهم. اقترب منه ابن عمه ثانية هامساً: يا عمر، وجوههم تضمر غير ما تبدي، وما أرى هذا اللين منهم إلا خديعة.
رد عمر بإيجاز بليغ: خللهم مرصود، واستعدادنا ممدود.
مضت الأيام، وعرق عمر يروي الأرض حتى أتمّ حراثتها في أسبوع من الكدح. وما لبثت السماء أن جادت بسيل عرم، سقى العطاش وأحيا الأرض. زرع عمر حبوبه، وانتظر حتى استوى المحصول على سوقه، فغدا الحقل لوحة خضراء تسر الناظرين.
وفي فجر يوم السوق، شدّ عمر رحاله، ووضع أكياس الحبوب فوق ظهر بعيره. انطلق مع الرفاق والقلب معلق بالبيت. ودّع زوجته في غبش الصباح، وكانت كلماته الأخيرة تتردد في فضاء الدار، تحمل وصية العمر وخلاصة الوفاء:
الله.. الله في الصغار.. فهم غرسنا الذي لا يموت .
...................•................