عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل
سمير عطا الله
نواصل حديثنا الأخير عمّا كتبه ماكسيم غوركي عن ليو تولستوي. هكذا يصفه: «إنه عظيم ومبجل لأنه رجل، رجل وسيم بجنون، ومؤلم، رجل البشرية جمعاء»، أحياناً فظ، متناقض، متعصب كواعظ «أولغا»، ولكنه في الوقت نفسه «جرس هذا العالم الرنان»، أعظم الروس. «هناك شيء ما بداخله»، يصرخ مما يجعلني أرغب في أن أصرخ بصوت عالٍ للجميع: «انظروا إلى رجل رائع يعيش على هذه الأرض».
بالنسبة لغوركي، كان صمت تولستوي أكثر أهمية وعظمة من حديثه، لديه «بعض الأفكار التي يخشاها». ولم يتسلل هذا إلى حديثه إلا نادراً، وفي تلميحات، مع أن تلميحات منه كانت موجودة أيضاً في دفاتر يومياته التي أعطاها لغوركي ليقرأها. يبدو أنه كان نفياً لكل الهواجس. أعمق وأشرس العدمية التي انبثقت من تربة يأس لا نهائي لا يهدأ، من وحدة لم يختبرها -على الأرجح- أحد سواه بوضوح مرعب.
يقول غوركي: «كثيراً ما ظننته رجلاً في أعماق روحه لا مبالياً بالناس بعناد، لقد ابتعد عنهم كثيراً إلى صحراء ما». لقد عزل نفسه -كما قال غوركي في مناسبة أخرى- عن حياة روسيا، ولم يعد يستمع إلى صوت الشعب، ولكنه «كان يحوم فوق روسيا على علو شاهق».
لم تكن المسيحية ديانته. في سنواته الأخيرة، ازداد شعوره بوحدة الحقيقة الدينية في التاريخ، وقرب المسيح من سلالة الحكماء: بوذا، ولاوتسي، وأشعياء، حتى أنكر أي ميل لديه للمسيحية.
يفترض غوركي أن هروب تولستوي نابع حصرياً من رغبته في خلق أسطورة، وميل استبدادي إلى «تحويل حياة الكونت ليو نيكولايفيتش تولستوي إلى حياة أبينا المبارك المقدسة بويارد ليو».
الرسالة غير المكتملة، التي كتبت تحت تأثير هروب تولستوي ووفاته، والتي يُختتم بها الكتاب، كُتبت في لحظة غضب، ولا تأخذ في الاعتبار أعواماً حاسمة مثل مكانة تولستوي في بيته، ورغبته الحقيقية في العزلة. كانت رغبته في مغادرة ياسنايا بوليانا تنضج منذ زمن طويل، ففي رسالة إلى زوجته في يوليو (تموز) 1897، ذكر أسباب رحيله: «كما يلجأ الهندوس إلى الغابات في سن الستين، وكما يرغب كل رجل دين مُسن في تكريس السنوات الأخيرة من حياته لله، لا للنكات والألعاب والثرثرة ولعب التنس، كذلك، وأنا أبلغ السبعين من عمري، أسعى بكل قوة إلى الراحة والعزلة، وإن لم يكن الانسجام التام، فعلى الأقل ليس إلى تناقض كاذب بين حياتي».