ما قاله هادي عن مران ليست أمنية
محمد المسبحي
حين قال الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي إن اليوم سيأتي الذي ترتفع فيه راية الجمهورية فوق جبال مران، لم يكن يتحدث عن أمنية عابرة، ولا عن عبارة تصلح للاستهلاك السياسي. كان يتحدث من موقع رجل دولة وعسكري يعرف طبيعة المعركة التي بدأت في اليمن، ويدرك أن الانقلاب قد يفرض أمرا واقعا لكنه لا يستطيع أن يمنح هذا الواقع شرعية الدولة.
الرواية التي سادت خلال سنوات الحرب كانت أكثر تعقيدا من ذلك. قيل إن الزمن طال، وإن موازين القوى تغيرت، وإن الحوثيين أصبحوا واقعا لا يمكن تجاوزه، وإن الطريق الوحيد هو التعايش مع الأمر الواقع والبحث عن تسوية تحفظ ما يمكن حفظه. ومع كل جولة من جولات التفاوض، بدا وكأن فكرة استعادة الدولة تتراجع خطوة، بينما تتقدم فكرة إدارة الانقسام باعتبارها الحل الممكن.
لكن المفارقة أن السنوات الطويلة لم تحول الانقلاب إلى دولة، ولم تمنح الجماعة التي سيطرت على صنعاء مؤسسات الدولة ومشروعها الوطني. ما بقي قائما هو واقع قوة، لا أكثر. والدولة التي غابت عن العاصمة لم تختفِ من الوعي اليمني، كما أن الجمهورية لم تتحول إلى ذكرى.
هنا تكمن أهمية كلام الرئيس الراحل هادي. فالمسألة لم تكن مرتبطة بجبل مران وحده وانما بصورة اليمن التي أراد الانقلاب تغييرها: دولة تستمد شرعيتها من المؤسسات والدستور، في مواجهة سلطة تقوم على القوة والغلبة. ولذلك فإن رفع راية الجمهورية فوق مران ليس مجرد مشهد عسكري، بل رمز لانتهاء مرحلة بدأ فيها السلاح يفرض نفسه بديلًا عن الدولة.
ولهذا فإن استعادة صنعاء، متى أصبحت ممكنة، ستكون بداية اختبار أصعب: ماذا ستفعل القوى التي تقاتل اليوم من أجل استعادة الدولة عندما تصبح الدولة نفسها أمامها؟
هذه هي النقطة التي ينبغي ألا تضيع وسط ضجيج المعارك. فاليمن لا يحتاج إلى تبديل سلطة أمر واقع بأخرى، ولا إلى انتصار عسكري ينتهي بتقاسم النفوذ. القيمة الحقيقية لأي تقدم عسكري ستكون في قدرته على إعادة السياسة إلى مؤسساتها، والسلاح إلى موقعه الطبيعي، والمواطن إلى موقعه كصاحب حق لا كطرف في صراع القوى.
لذلك فإن عبارة هادي بقيت حاضرة رغم تغير الظروف والسنوات. ليس لأنها نبوءة سياسية، وإنما لأنها لامست جوهر الصراع: الانقلاب قد يطيل عمر الأزمة، لكنه لا يستطيع وحده أن يكتب نهاية اليمن.
وقد ترتفع الراية فوق مران ونقم وعيبان في يوم ما، لكن المعنى الأعمق لذلك اليوم لن يكون في ارتفاع قطعة قماش فوق جبل؛ بل في أن تصبح تلك الراية عنوانا لدولة قادرة على البقاء، حتى لا يعود اليمن مرة أخرى إلى السؤال الذي بدأ منه كل شيء.
لهذا لا يكفي أن نقول إن المطلوب هو استعادة صنعاء. السؤال الأصعب.اي دولة ستعود إلى صنعاء؟
دولة تتعدد فيها مراكز القوة، وتبقى المؤسسات رهينة التوازنات، ويستمر المواطن في دفع ثمن العجز؟ أم دولة تستعيد قرارها ومؤسساتها، وتضع السلاح والموارد والسلطة تحت مظلة دولة واحدة؟
أما إذا عادت الجمهورية إلى معناها الحقيقي، فحينها يصبح حديث هادي عن مران أكثر من مجرد ذكرى سياسية. يصبح تعبيرا عن فكرة بسيطة: أن الدولة قد تنكسر، لكنها لا تموت ما دام هناك من يرفض تحويل الانقلاب إلى قدر دائم.
فلا مكان لنصف دولة، ولا مستقبل لسلطة فوق الدولة. الطريق واحد: استعادة الجمهورية كاملة، واستعادة مؤسساتها وسيادتها، ثم إغلاق الباب نهائيا أمام عودة الانقلاب.