معركة الوعي في مواجهة التضليل الحوثي



في الحروب الحديثة، لم تعد المعركة تُحسم في الميدان وحده. فقبل أن تصل القذيفة إلى هدفها، قد تصل الشائعة إلى عقل المواطن، وقبل أن تتحرك الجبهة العسكرية، قد تتحرك جبهة أخرى تستهدف المعنويات والثقة والقدرة على الصمود.

ومن هنا أصبحت معركة الوعي واحدة من أخطر ساحات المواجهة في اليمن.

يعتمد الحوثيون في جانب من خطابهم الإعلامي على صناعة روايات مضللة، وتضخيم الأحداث، واجتزاء الوقائع، وترويج أخبار غير موثوقة، بهدف إرباك الرأي العام وإحداث فجوة بين المواطن ومؤسسات الدولة والقوات المسلحة.

فالشائعة بالنسبة لهم ليست مجرد معلومة كاذبة، بل أداة ضغط نفسي تسعى إلى صناعة الخوف، وإضعاف الثقة، وتحويل القلق الطبيعي إلى حالة عامة من الإحباط.

لكن خطورة التضليل لا تكمن في قدرة من يطلقه على الكذب، بقدر ما تكمن في سرعة تصديقه وتداوله.

وهنا تبدأ مسؤولية المجتمع، إذ إن إعادة نشر خبر مجهول المصدر قد تمنح الشائعة عُمراً أطول من عُمر الحقيقة. بينما مشاركة المعلومة الموثوقة يمكن أن تحاصر التضليل قبل أن يتحول إلى قناعة.

المطلوب اليوم ليس تجاهل الشائعات، ولا الانجرار خلفها، وإنما مواجهتها بالوعي والهدوء والتحقق. فالمواطن الواعي لا يكون ناقلاً لكل ما يصله، والإعلام المسؤول لا يتحول إلى مكبر صوت للمعركة النفسية، والمؤسسات المعنية مطالبة بسرعة تقديم المعلومات الدقيقة، لأن الفراغ المعلوماتي هو البيئة الأكثر ملاءمة لنمو الشائعات.

إن دعم القوات المسلحة لا يكون بالسلاح وحده. فالكلمة المسؤولة، والمعلومة الدقيقة، ورفض الترويج للأخبار المجهولة، كلها أشكال من الإسناد الوطني.

وفي اللحظات الفارقة، يصبح الوعي خط الدفاع الأول. ولذلك، فإن مواجهة التضليل الحوثي ليست معركة ضد منشور أو إشاعة، بل معركة من أجل الحقيقة والثقة والمعنويات.

ومن ينتصر في هذه المعركة يحافظ على تماسك المجتمع، ويمنع الخصم من تحويل الفضاء الإعلامي إلى جبهة إضافية للحرب.