العمالقة الجنوبية.. رهان القوة الضاربة لكسر غرور الحوثي في الساحل الغربي



في الحرب اليمنية، هناك قوات صنعت حضورها في الميدان، وقوات صنعتها المعارك نفسها. وبين الفئتين تبرز ألوية العمالقة الجنوبية كقوة ارتبط اسمها بالهجوم أكثر من الدفاع، وبالاقتحام أكثر من الانتظار، وبالساحل الغربي تحديداً حيث خاضت واحدة من أعنف المواجهات مع مليشيات الحوثي.


واليوم، مع عودة الساحل الغربي إلى واجهة الحسابات العسكرية، لا يعود اسم العمالقة الجنوبية باعتبارها قوة إضافية على خطوط التماس، وإنما باعتبارها رأس حربة يمكن التعويل عليها لاستعادة زمام المبادرة وكسر حالة الاستعلاء التي يحاول الحوثيون تكريسها على هذه الجبهة.


فالمسألة بالنسبة للعمالقة ليست دخول معركة جديدة، بل العودة إلى مسرح تعرفه جيداً، وإلى خصم سبق أن واجهته، وإلى جغرافيا خاضت فيها معارك واسعة قبل أن تتوقف الاندفاعة العسكرية بفعل القرار السياسي الذي أفضى إلى اتفاق ستوكهولم عام 2018.


قوة هجومية صنعتها الحرب


لم تولد العمالقة الجنوبية من غرف التخطيط العسكري، وإنما من قلب الحرب. ومنذ ظهورها في خضم المواجهات التي شهدتها محافظات الجنوب عام 2015، راكمت هذه القوات تجربة قتالية واسعة، قبل أن تنتقل إلى الساحل الغربي وتتحول إلى إحدى أهم القوى الهجومية في مواجهة الحوثيين.



هذه التجربة هي جوهر قوتها، فالعمالقة لا تعتمد فقط على السلاح والعدد، بل على تراكم خبرة ميدانية تشكلت عبر سنوات من المواجهة المباشرة. خبرة في التعامل مع تحصينات الحوثيين، والألغام، والكمائن، والمناطق المفتوحة، والبيئات الزراعية والساحلية، والأهم خبرة في تنفيذ عمليات هجومية واسعة في مواجهة خصم يجيد القتال الدفاعي والاستنزاف.


ولهذا، فإن وصف العمالقة الجنوبية بأنها «قوة ضاربة» لا يستند فقط إلى الانطباع العسكري، وإنما إلى سجل ميداني جعلها واحدة من أبرز القوى التي استطاعت فرض إيقاع هجومي على الحوثيين.


الساحل الغربي.. حيث اكتسبت العمالقة وزنها


إذا كان للعمالقة الجنوبية مسرح عسكري ارتبط باسمها، فهو الساحل الغربي. هناك خاضت القوات معارك متتالية، وتقدمت عبر مناطق واسعة، وشاركت في العمليات التي دفعت خطوط الحوثيين باتجاه الحديدة إلى واحدة من أكثر نقاط الحرب حساسية.


وفي معركة الحديدة عام 2018، اقتربت العمالقة والقوات المتحالفة معها من المدينة، ووصلت إلى مواقع استراتيجية، فيما كان الحوثيون يواجهون ضغطاً عسكرياً متزايداً.




لم يكن التوقف نتيجة عجز ميداني بقدر ما كان نتيجة انتقال المعركة من الميدان إلى طاولة السياسة. وجاء اتفاق ستوكهولم ليجمد خطوط القتال ويمنع اكتمال المسار العسكري.


ومنذ ذلك الحين، بقيت الحديدة جبهة مفتوحة سياسياً ومغلقة نسبياً عسكرياً. وهنا تحديداً تتشكل خصوصية العمالقة الجنوبية: إنها القوة التي اقتربت من الحديدة قبل أن تتوقف المعركة، لا القوة التي تتحدث اليوم عن الاقتراب منها للمرة الأولى.


لماذا يقلق الحوثي من عودة العمالقة؟


لأن عودة العمالقة إلى الساحل تعني بالنسبة للحوثيين عودة خصم يعرف الأرض ويعرف أساليب القتال التي يستخدمونها.

فالعمالقة تعرف طبيعة خطوط الدفاع الحوثية، وتدرك أهمية المواقع والطرق، وتعرف أن المعركة في الساحل لا تُحسم بالاندفاع وحده، وإنما تحتاج إلى سرعة الحركة، وحماية خطوط الإمداد، وتجاوز حقول الألغام، ومنع الخصم من تحويل التقدم إلى استنزاف.



وفي المقابل، يدرك الحوثيون أن هذه القوات ليست قوة اختبار. لقد واجهوها في معارك سابقة، وشاهدوا قدرتها على الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، وعلى تنفيذ عمليات واسعة في بيئات صعبة.


ولهذا، فإن عودة العمالقة الجنوبية قد تفرض على الحوثيين إعادة حساباتهم في الساحل الغربي، خصوصاً إذا تحولت التحركات الحالية إلى عملية منظمة ذات أهداف عسكرية واضحة.


العمالقة لا تبحث عن معركة.. بل عن تغيير المعادلة


القضية الأهم ليست في قدرة العمالقة على تحقيق اختراق ميداني، فهذه القدرة أثبتتها التجربة. التحدي الحقيقي هو ما إذا كان بإمكانها، بالتنسيق مع القوات الأخرى، تحويل الاختراق إلى تغيير في ميزان القوة.


وهنا يجب النظر إلى العمالقة باعتبارها رأس حربة ضمن منظومة أوسع، لا بديلاً عن هذه المنظومة. فالقوات الموجودة في الساحل الغربي متعددة، ولكل منها أدوارها ومناطق انتشارها وخبراتها.



لكن رأس الحربة تحتاج إلى منظومة تحمي تقدمها وتستثمر نتائجه. ولهذا فإن نجاح أي تحرك عسكري لن يتوقف على شجاعة المقاتلين أو كثافة النيران فقط، وإنما على وحدة القرار، والتنسيق العملياتي، واستمرارية الإمداد، والقدرة على تثبيت المناطق التي يجري استعادتها.


الحديدة.. الهدف الذي يغير قواعد اللعبة


لا يمكن التعامل مع الحديدة كمدينة عادية في خارطة الحرب. فموقعها البحري وموانئها وارتباطها بحركة التجارة والإمدادات يمنحها وزناً عسكرياً واقتصادياً واستراتيجياً كبيراً.


ومن هنا، فإن أي تقدم حقيقي في اتجاهها لن يكون مجرد انتصار ميداني محدود، بل يمكن أن يفرض واقعاً جديداً على الحرب. وهذا ما يجعل الرهان على العمالقة الجنوبية أكبر من مجرد استعادة مواقع.


فالرهان هو على قدرتها على كسر حالة الجمود التي استمرت سنوات، وإعادة نقل المعركة من إدارة خطوط التماس إلى فرض وقائع جديدة على الأرض.



لكن الطريق لن يكون سهلاً. فالخصم الذي يدافع عن الحديدة لن يتخى عنها بسهولة، وسيستخدم ما يمتلكه من تحصينات وألغام وأساليب استنزاف لإبطاء أي تقدم.


وهنا ستُختبر العمالقة ليس فقط في قدرتها على الهجوم، وإنما في قدرتها على الحفاظ على زخم الهجوم.


ما بعد ستوكهولم ليس كما قبله


ثماني سنوات من الحرب غيّرت الكثير. والعمالقة الجنوبية نفسها ليست بالضرورة القوة ذاتها التي دخلت معركة الحديدة عام 2018. فقد تراكمت لديها خبرات جديدة، وخاضت مواجهات أخرى، وتطورت بنيتها وقدراتها، وأصبحت أكثر حضوراً في الملفات المرتبطة بأمن الساحل والممرات البحرية.


وبالتالي، فإن عودة العمالقة الجنوبية إلى الساحل تعني عودة قوة تحمل معها حصيلة سنوات إضافية من الخبرة.


أما الحوثيون، فعليهم أن يواجهوا سؤالاً مختلفاً: هل يستطيعون الحفاظ على حالة التفوق المعنوي التي حاولوا تكريسها طوال سنوات الهدوء النسبي في هذه الجبهة؟

هنا تحديداً يمكن أن تبدأ المعركة الحقيقية.


كسر الغرور الحوثي يبدأ من الساحل


أحد أخطر ما يمكن أن تنتجه سنوات الجمود العسكري هو أن يتحول الهدوء إلى شعور دائم بالحصانة.

والحوثيون، الذين تمكنوا خلال السنوات الماضية من تثبيت مواقعهم في مناطق واسعة، يدركون أن أي عودة قوية للعمليات في الساحل يمكن أن تضرب هذه الصورة.


فالعمالقة الجنوبية لا تحمل فقط قوة نارية، بل تحمل ذاكرة انتصارات ميدانية سابقة، وتعرف كيف تنتقل من المبادرة إلى الضغط، ومن الضغط إلى اختراق خطوط الخصم.


وإذا نجحت العمالقة في استعادة المبادرة، فإن التأثير لن يكون محصوراً في مساحة جغرافية محددة، بل قد يمتد إلى المعنويات والحسابات السياسية والعسكرية على مستوى أوسع.


الرهان الحقيقي


لذلك، فإن الرهان على العمالقة الجنوبية في الساحل الغربي ليس رهاناً على معركة واحدة، ولا على تقدم تكتيكي محدود. إنه رهان على استعادة مبدأ المبادرة.


فالعمالقة تمثل في هذه الجبهة إحدى أكثر الأدوات العسكرية قدرة على تحويل الجمود إلى حركة، والدفاع إلى هجوم، والضغط الحوثي إلى اختبار مضاد.


لكن القوة الضاربة لا تعمل في الفراغ. وإذا كان المطلوب فعلاً كسر غرور الحوثي وإعادة رسم ميزان القوة في الساحل الغربي، فإن العمالقة تحتاج إلى قرار سياسي وعسكري واضح، وإلى تنسيق حقيقي مع بقية القوات، وإلى إسناد يضمن ألا يتحول أي تقدم إلى مكسب مؤقت ينتهي عند أول محطة تفاوضية.


وهنا تكمن المفارقة الكبرى في معركة الساحل: العمالقة أثبتت سابقاً أنها تستطيع الوصول إلى أبواب الحديدة، لكن الاختبار الجديد سيكون في قدرتها على جعل الطريق إليها مفتوحاً حتى النهاية.


فإذا تحولت العمالقة الجنوبية من مجرد قوة مشاركة إلى رأس حربة ضمن استراتيجية عسكرية موحدة، فقد يصبح الساحل الغربي نقطة انطلاق لتغيير قواعد الاشتباك.


أما إذا بقيت القوة العسكرية منفصلة عن القرار السياسي، فقد تعود الحرب إلى السيناريو ذاته: تقدم ميداني، ثم تجميد، ثم سنوات أخرى من الانتظار.


ولهذا، فإن السؤال اليوم ليس ما إذا كانت العمالقة الجنوبية قادرة على القتال؟ السؤال هو: هل ستُمنح هذه القوة الضاربة هذه المرة المساحة والقرار والغطاء اللازم لتحويل قوتها الميدانية إلى واقع جديد، وكسر غرور الحوثي في الساحل الغربي؟


ذلك هو الرهان الحقيقي.. ليس على العمالقة وحدها، بل على قدرة القوى المناهضة للحوثيين على تحويل قوة العمالقة من رأس حربة في المعركة إلى رأس حربة في تغيير ميزان الحرب.