قمة القاهرة.. هل تبدأ من مصر معادلة الامن الاقليمي الجديد؟



تتجه الأنظار اليوم إلى القاهرة، حيث يلتقي الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، في قمة تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها ملفات الحرب في اليمن، وأمن البحر الأحمر، ومستقبل الملاحة الدولية، وتداعيات الحرب الأمريكية على إيران، مع تحولات متسارعة في موازين القوة بالمنطقة.

ولذلك، فإن قمة القاهرة لا تبدو مجرد محطة في جدول العلاقات المصرية السعودية، ولا مجرد قمة ثنائية تبحث ملفات التعاون التقليدية بين البلدين؛ بل تحمل، في توقيتها، دلالات سياسية تتجاوز حدود القاهرة والرياض، خصوصاً مع انتقال الأزمة اليمنية إلى مرحلة جديدة، أصبح فيها البحر الأحمر وباب المندب جزءاً مباشراً من معادلة الصراع الإقليمي والدولي.

وتأتي القمة في أعقاب تصعيد حوثي لافت ضد المملكة العربية السعودية، اليوم الثلاثاء، تزامن مع هجمات طالت عدداً من المدن السعودية وأسفرت، وفق ما أعلنته الجهات المعنية، عن إصابة 13 مدنياً، بالتوازي مع تطورات عسكرية حوثية على ساحل البحر الأحمر وفي محيط باب المندب، بما يرفع مستوى المخاطر على أمن الملاحة والطاقة والتجارة الدولية.

وهنا تتضح أهمية القاهرة، فمصر ليست دولة بعيدة عن معادلة البحر الأحمر؛ بل هي صاحبة موقع استراتيجي يجعل أمن هذا الممر البحري جزءاً أصيلاً من أمنها القومي والاقتصادي، كما أن تاريخها السياسي والعسكري في اليمن والمنطقة يمنحها رصيداً لا يمكن تجاهله عند البحث عن مقاربة عربية أكثر اتساعاً للأزمة.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة زيارة الأمير محمد بن سلمان للقاهرة باعتبارها محاولة لتوسيع دائرة التشاور العربي حول أخطر ملفات المرحلة، وليس فقط بوصفها تأكيداً جديداً على متانة العلاقات المصرية السعودية.


فالرياض، وهي تواجه تصعيداً متنامياً على حدودها الجنوبية وفي محيطها الإقليمي، تبدو أمام حاجة متزايدة إلى بناء شبكة سياسية وأمنية أوسع، قادرة على التعامل مع التحديات الجديدة التي لم تعد محصورة في الجغرافيا اليمنية، بل امتدت إلى أمن البحر الأحمر وطرق التجارة العالمية وأسواق الطاقة.

ويزداد هذا المعنى أهمية إذا وضعنا اللقاء المصري السعودي في سياق التحركات السعودية الأخيرة.

فالأمير محمد بن سلمان التقى قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال براد كوبر في جدة، في أعقاب تصاعد الهجمات الحوثية، وسط تقارير عن طلب سعودي للدعم العسكري الأمريكي، فيما اختارت واشنطن عدم الانخراط بضربات مباشرة ضد الحوثيين، مع استمرار الدعم الاستخباري والمساندة في مجال الاستهداف.

وهذه المعادلة تقول شيئاً مهماً:

السعودية لا تنتظر أن تتولى القوى الكبرى وحدها حماية أمن المنطقة، وإنما تتحرك لبناء شبكة من التفاهمات والتحالفات الإقليمية القادرة على التعامل مع المرحلة الجديدة.

مدركة دور مصر بوصفها رقماً صعباً في تحقيق معادلة الامن الاقليمي.

فالقاهرة تمتلك ثقلاً سياسياً وعسكرياً وتاريخاً طويلاً في التعامل مع الملف اليمني، كما أن أمن البحر الأحمر وقناة السويس ليسا ملفين هامشيين بالنسبة إلى الدولة المصرية. وأي اضطراب طويل الأمد في باب المندب ينعكس بالضرورة على منظومة الملاحة التي تمثل قناة السويس أحد أهم شرايينها العالمية.


ولعل السؤال الأبرز الذي تطرحه قمة القاهرة هو: هل تكون مصر جزءاً من هندسة أمن إقليمي جديد، أم تكتفي بدور الوسيط السياسي التقليدي؟

السؤال لا يزال مفتوحاً، لكن توقيت القمة يمنحه وزناً استثنائياً.

كما أن الحديث عن مصر يجرنا تلقائياً إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان في إطار دفاعي يقوم على مبدأ أن الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث يمثل اعتداءً عليها جميعاً. وقد بدأت الدول الثلاث بالفعل في بناء هياكل مؤسسية للاتفاق، مع إنشاء أمانة له في السعودية.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد أشار إلى إمكانية انضمام مصر مستقبلاً إلى الاتفاق، الأمر الذي يجعل القاهرة حاضرة، ولو بصورة غير مباشرة، في النقاش حول مستقبل المنظومة الأمنية الجديدة.

لكن القاهرة، بحكم ثقلها وموقعها، لن تكون رقماً يضاف إلى معادلة جاهزة؛ فإذا دخلت مصر في أي ترتيبات أمنية إقليمية، فإن دخولها سيكون كفيلاً بإعادة تعريف حجم تلك المنظومة وطبيعة دورها، خصوصاً أن مصر تملك واحداً من أكبر الجيوش في المنطقة، وتطل مباشرة على البحر الأحمر والمتوسط، وتتحكم بقناة السويس، بما يجعلها طرفاً أصيلاً في أي معادلة تتصل بأمن الملاحة الإقليمية.

وهنا تعود القاهرة إلى صورتها التاريخية، في مراحل عربية مختلفة، كمنصة للقمم وصناعة المواقف الكبرى، تجد نفسها اليوم أمام لحظة جديدة قد تستعيد فيها شيئاً من ذلك الدور.

غير أن المرحلة الراهنة ليست مرحلة شعارات قومية بقدر ما هي مرحلة إعادة بناء لمعادلات القوة.


فالمنطقة لم تعد تواجه أزمة واحدة يمكن احتواؤها بقرار سياسي منفرد؛ إنها أمام شبكة من الأزمات المتداخلة: اليمن، البحر الأحمر، باب المندب، إيران، أمن الخليج، الطاقة، الملاحة الدولية، والتنافس الدولي على النفوذ.

وفي هذا المشهد، تبدو الدبلوماسية السعودية وكأنها تتحرك على أكثر من مسار في وقت واحد: تشاور مع واشنطن، تنسيق مع أنقرة وإسلام آباد عبر اتفاق مكة، وانفتاح سياسي على القاهرة، فيما تواصل المنطقة اختبار احتمالات التهدئة أو التسويات الجديدة في أكثر من جبهة.

أما الحديث عن اتصالات أو تفاهمات بين الإمارات وإيران، فيبقى جزءاً من المشهد الإقليمي المتحرك الذي يحتاج إلى تدقيق قبل تحويله إلى نتيجة سياسية نهائية؛ فالمؤكد أن المنطقة كلها تبحث عن مخارج سياسية تقلل كلفة الحرب وتمنع تحولها إلى صراع مفتوح بلا سقف.

ومن هنا، فإن قمة القاهرة لا ينبغي أن تُقرأ من زاوية ما سيصدر عنها فقط، بل من زاوية ما الذي دفع إليها في هذا التوقيت تحديداً؟

فالقمم الكبرى لا تصنع أهميتها دائماً في البيانات الختامية؛ أحياناً تكون أهميتها في الرسائل التي تسبق انعقادها، وفي طبيعة الأطراف التي تتحرك حولها، وفي الملفات التي تجعل عواصم المنطقة تعيد حساباتها.

والقاهرة اليوم تقف أمام واحدة من تلك اللحظات.

فإذا كانت الحرب اليمنية قد تحولت من أزمة داخلية إلى قضية تمس أمن الخليج والبحر الأحمر والملاحة الدولية، فإن الرد عليها لن يكون يمنياً فقط، ولا سعودياً فقط، بل يحتاج إلى مظلة إقليمية أوسع، تكون مصر واحدة من أهم أعمدتها.

ولذلك، قد لا تكون قمة القاهرة مجرد لقاء بين الرياض والقاهرة.

قد تكون بداية السؤال الكبير: من يرسم خريطة الأمن الإقليمي الجديد، ومن يملك مفاتيح المرحلة المقبلة؟

والإجابة، على ما يبدو، لن تُكتب في القاهرة وحدها؛ لكنها قد تبدأ منها.

فالقاهرة أمام اختبار اللحظة.. والرياض تعيد ترتيب أوراق الإقليم.