القاسمي: تمويل الإرهاب وغسل الأموال في النزاعات المسلحة خطر يهدد الأمن العالمي
قال الكاتب السياسي د. هاني بن محمد القاسمي إن تمويل الإرهاب وغسل الأموال في مناطق النزاع المسلح يشكلان تحديًا مزدوجًا للمجتمع الدولي والدول المتأثرة بالحروب، نظرًا لما يحمله هذا الملف من تداخلات بين الأمن القومي والاستقرار المالي وحماية السلم الأهلي.
وأوضح القاسمي أن هذه الجرائم لا تقتصر على حدود دولة معينة، بل تتجاوزها إلى شبكات عابرة للحدود تستغل هشاشة المؤسسات وضعف الرقابة في مناطق الصراع، الأمر الذي يسهم في تغذية الحروب وتمويل الميليشيات وإطالة أمد الصراعات.
وأشار الكاتب إلى أن تمويل الإرهاب يُعد وقودًا لاستمرار النزاعات، حيث تتعدد مصادره غير المشروعة بدءًا من تهريب السلاح والمخدرات والآثار، وصولًا إلى استغلال المساعدات الإنسانية وتحويلها إلى موارد حربية. وتابع قائلاً إن غسل الأموال يمثل بدوره آلية للتغطية والشرعنة، إذ يمكّن الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة من إدماج الأموال غير المشروعة في الاقتصاد الرسمي، بما يقوّض نزاهة النظام المالي ويعزز الاقتصاد غير المشروع.
وأضاف أن الآثار الإنسانية لهذه الجرائم جسيمة، فكل دولار يتم غسله أو ضخه في تمويل الإرهاب يترجم فعليًا إلى مزيد من الضحايا والنازحين وحرمان المدنيين من أبسط مقومات الحياة.
ولفت القاسمي إلى أن المجتمع الدولي واجه هذه التحديات عبر قرارات مجلس الأمن الدولي، مثل القرار 1373 لعام 2001 الذي ألزم الدول بتجفيف منابع تمويل الإرهاب، والقرار 2462 لعام 2019 الذي شدد على تجريم تقديم أي دعم مالي للإرهاب. كما أشار إلى أن الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية الأمم المتحدة لقمع تمويل الإرهاب (1999) واتفاقية مكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (2000) أرست قواعد مهمة للتعاون الدولي، مؤكداً أن التزامات الدول تبقى قائمة حتى في حالات النزاع الداخلي أو ضعف الدولة.
وتابع موضحًا أن مناطق النزاع المسلح تطرح تحديات مضاعفة، مثل غياب مؤسسات الدولة وضعف الرقابة المالية، واستغلال النظام المالي الدولي عبر شركات وهمية وحوالات غير خاضعة للرقابة، فضلًا عن التداخل بين الإرهاب والجريمة المنظمة، وهو ما يجعل إثبات هذه الجرائم وملاحقتها قضائيًا أكثر صعوبة.
وأكد القاسمي أن مواجهة هذه التحديات تتطلب مقاربات متكاملة تبدأ بتشريعات وطنية صارمة تتوافق مع توصيات مجموعة العمل المالي (FATF)، مرورًا بتعزيز التعاون الدولي عبر تبادل المعلومات المالية والاستخباراتية، وانتهاءً بتفعيل دور البنوك المركزية والهيئات الرقابية. كما شدد على أهمية دعم آليات المساءلة القضائية، وتفعيل دور الوقاية المجتمعية من خلال رفع الوعي بخطورة التعامل مع شبكات غسل الأموال أو استقبال تحويلات مشبوهة تحت غطاء إنساني.
وقال القاسمي: "لا يمكن النظر إلى معركة تجفيف منابع تمويل الإرهاب وغسل الأموال على أنها مجرد إجراءات مالية أو أمنية مؤقتة، بل هي معركة وجودية من أجل مستقبل الإنسانية". وأضاف أن وراء هذه المصطلحات التقنية تكمن دماء الأبرياء ودموع الثكالى وأنقاض المدن.
واختتم بالقول إن النجاح في هذه المعركة لن يُقاس بعدد الحسابات المجمدة أو الأحكام القضائية فحسب، بل بمقدار ما يتم إنقاذه من أرواح وأحلام وفرص حياة كريمة. مشددًا على أن الاستثمار الحقيقي في السلام يبدأ بقطع الطريق أمام كل من يحاول تدميره عبر المال الأسود.