أدب وثقافة

مملكة الضحك في بغداد: الهامش بوصفه مرآة العراق المعاصر


       

 

الحديث عن العراق المعاصر هو حديث عن دولة قوية ثم منهكة، وعن مجتمع انتقل خلال عقود قليلة من مركزية صارمة إلى تفكك تدريجي في البنية الاقتصادية والاجتماعية، وعن مدينة مثل بغداد عاشت آثار الحروب والحصار والاحتلال والانهيار الإداري.


في مثل هذا السياق لا يعود الكلام عن عالم الهوامش مجرد أطراف بعيدة عن المركز، بل يتحول إلى مساحة كاشفة، إلى مرآة مكبرة يرى فيها المجتمع صورته الأكثر صدقا. حين تتآكل المؤسسات الرسمية، وتتراجع الدولة عن أداء وظائفها الأساسية، تظهر على السطح أنماط حياة موازية، اقتصاد ظل، لغات ساخرة، شبكات تضامن وتحايل، وطرائق مبتكرة للنجاة اليومية.


ضمن هذا المناخ كتب خضير فليح الزيدي مؤلفه الشيق «مملكة الضحك: رحلة من الباب المعظم إلى مستودع الهههاي»، ليرصد من ناحية، نكات أهل بغداد بعد الحرب، ومن ناحية أخرى، يرصد الحياة داخل أحياء هامشية، أخذت تتضخم، وتتحول تدريجيا إلى مركز تحليلي لفهم العراق المعاصر.


«الباب»، أو الباب الشرقي، ليس مجرد نقطة جغرافية في قلب بغداد. إنه فضاء تتقاطع فيه شوارع الرشيد والجمهورية والسعدون وساحة الطيران، لكنه في الذاكرة الشعبية أكثر من تقاطع طرق، إنه سوق، ملتقى، مسرح يومي للفوضى المنظمة، منطقة تختلط فيها البسطات بالعاطلين، والحشاشون بالنسّالة، والباعة بالمتفرجين، وتتحول النكتة إلى لغة مشتركة.

 

ولا يكتفي الزيدي هنا بوصفه الحي، باعتباره حيا شعبيا فقط، بل يتخيله «مملكة» داخل الجمهورية، لها نظامها الخاص وملكها الرمزي وقوانينها الساخرة. هذه الاستعارة ليست لعبا لغويا بريئا، بل إعلان سوسيولوجي بأن الباب يعيش داخل الدولة وخارجها في آن واحد، يتأثر بها لكنه لا يخضع بالكامل لمنطقها، ويعيد تأويل قراراتها وسلطتها عبر الضحك والتحشيش والنكتة. الزيدي في الأصل قاص وروائي، لغته مشبعة بالسخرية والالتقاط الحاد للتفاصيل الصغيرة، لكنه في هذا الكتاب يتجاوز دور الروائي التقليدي. يتحول إلى ما يشبه الباحث الإثنوغرافي الذي يمارس الملاحظة بالمشاركة.

يتجول يوميا مشيا من الباب المعظم إلى الباب الشرقي في بغداد، يرصد الوجوه، يتتبع خرائط السير، يصف المقاهي والأروقة، يسجل الحيل اليومية، يدخل فضاءات اقتصاد الظل، ويستمع إلى النكات بوصفها وثائق اجتماعية.

 وهو هنا لا يكتب تقريرا علميا، ولا يستخدم مصطلحات النظرية الاجتماعية، لكنه ينجز فعلا قريبا من الأنثروبولوجيا الميدانية. يقترب من الموضوع، يحتك بأهله، ويترك لنفسه مساحة للتورط الوجداني، فلا يبدو مراقبا متعاليا، بل عابرا مأخوذا بدهشة المكان. في هذا السلوك ما يذكّر بنقاش أوسع في الثقافة العربية حول تراجع حضور السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا الميدانية في الجامعات، وانكفاء كثير من أقسامها عن الاشتغال العميق في الواقع المحلي، مقابل صعود الرواية بوصفها وسيطا يلتقط التحولات الاجتماعية الكبرى.

 في ظل هذا الفراغ، صار الروائي أحيانا هو من يرث دور السوسيولوجي، ليس من خلال الجداول والإحصاءات، بل عبر التقاط الزوايا الهامشية ومحاولة تتبعها سرديا. الزيدي هنا مثال واضح على هذا التحول. هو لا يقدّم نظرية عن الهامش، لكنه يقدّم مادة خاما غنية لأي قراءة اجتماعية.

أهم ما يكشفه الكتاب، أن الضحك في منطقة ببغداد ليس مزاحا عابرا، إنه آلية بقاء، ففي مجتمع سُحق بالحروب والبطالة والفساد، تتحول النكتة إلى تكنولوجيا نفسية شعبية، إلى وسيلة لتفريغ الألم، وإلى لغة سياسية مقنّعة.

 في إحدى الشهادات الواردة في الكتاب يشار إلى أن أولئك الذين سحقتهم آلة الحرب والإرهاب والبطالة أظهروا قدراتهم الخارقة في نقد الأسرة والسلطة وأرباب العمل من خلال النكات والتحشيش، حتى غدا الضحك غاية ووسيلة للبقاء.

الضحك هنا ليس إنكارا للواقع، بل إعادة ترتيبه رمزيا. فحين تتحول الدولة إلى مادة نكتة، تفقد جزءا من هيبتها الرمزية، حتى لو احتفظت بقوتها المادية. الضحك يصبح شكلا من المقاومة اليومية منخفضة الكلفة، لا يطيح بالسلطة، لكنه يعرّيها ويحوّلها إلى موضوع سخرية.


في الباب أيضا يتجلى اقتصاد الظل بوصفه بنية قائمة بذاتها. لا توجد بطالة صافية؛ هناك دائما «حرفة» حتى لو كانت ضد القانون. السرقة مثلا لا تُقدّم كفعل فردي طارئ، بل كنظام مهارات وتقنيات، كما في «خطة السنارة» التي تُعرض بوصفها ابتكارا عمليا لاصطياد المحفظة وسط الزحام. البسطات في المقابل ليست عشوائية، بل سوق بديل في مدينة تراجعت فيها فرص العمل الرسمي.

عالم الدعارة في بغداد المهمشة
بيت الدعارة لا يظهر كفضيحة أخلاقية فحسب، بل كشبكة تدريب وإخفاء هوية ووساطة اجتماعية، لذلك فهو يستحق وقفة أعمق، لأنه يكشف طبقة شديدة التعقيد من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والجندرية.

 مع الزيدي نكتشف أن الدعارة في الأحياء الفقيرة في بغداد لا تمثل انحرافا فرديا أو سقوطا أخلاقيا مجردا، بل بوصفها بنية منظمة تتضمن تدريبا وتغيير هوية وإدارة مخاطر.

الفتاة، كما يُلمح النص، تُدرَّب على ضبط لهجتها، ويُخفى وجهها، ويُستبدل اسمها. هذه التفاصيل الصغيرة تحمل دلالات سوسيولوجية عميقة، فهناك وعي دائم بخطر الفضيحة، وبالعنف المحتمل، وبالوصمة الاجتماعية.

الهوية هنا ليست ثابتة؛ إنها قناع يُلبس ويُخلع، حسب الحاجة. الوسيط (القواد) لا يظهر فقط كشخص انتهازي، بل كحلقة مركزية في شبكة اقتصادية.

 يعرف من أين يأتي الزبون، وكيف يُسوق «البضاعة»، وكيف يفاوض على السعر، وكيف يحمي الشبكة من المداهمات.

في مجتمع يتراجع فيه القانون، تنشأ قوانين غير مكتوبة، تنظم السوق، وتحدد نسب الأرباح وتقاسم المخاطر. بالتالي، الدعارة هنا ليست فعلا فرديا بين شخصين، بل «سيستم» يتكون من صاحب المكان، الوسيط، الزبون، الفتاة، الحامي، وربما رجل الأمن الذي يغض الطرف مقابل مبلغ معين. إنها اقتصاد ظل متكامل، يعمل في فراغ الدولة أو على هامشها.


سوسيولوجيا، يكشف هذا العالم عن مفارقة قاسية. المجتمع الذي يعلن تشددا أخلاقيا عاليا في خطابه العلني، وبالأخص بعد سيطرة مجموعات شيعية متشددة على فضاء بغداد، يخلق في الوقت نفسه طلبا سريا على هذا النوع من الخدمات.

كما التوتر بين الخطاب الديني/الأخلاقي والواقع الاقتصادي يولّد ازدواجية، إدانة علنية وتواطؤ خفي. عالم (الباب) بوصفه فضاء هامشيا، يصبح المكان الذي يُدار فيه هذا التناقض بعيدا عن أنظار المركز، وكأن المدينة تحتاج إلى هذا «المكب» الأخلاقي كي تحافظ على صورتها النظيفة في أماكن أخرى.

الدعارة هنا أيضا مرتبطة بالبنية الاقتصادية الأوسع. ففي مجتمع ترتفع فيه البطالة، وتتقلص فيه فرص التعليم والعمل للنساء، وتُثقل فيه تكاليف الزواج، يتحول العمل الجنسي إلى مورد أخير.

لا يعني هذا اختزال النساء في الضحية، لكنه يسلط الضوء على أن الخيارات محدودة. حين يغيب الأمان الاجتماعي، يصبح الجسد رأسمالا متاحا لمن لا تملك غيره.

المؤلف لا ينظّر لهذه المسألة مباشرة، لكنه عبر التقاطه لهذه التفاصيل يفتح بابا لتحليل العلاقة بين الفقر، والبطالة، والجندر، والوصمة الاجتماعية.


في الوقت نفسه، يلفت الكتاب إلى أن هذا العالم ليس معزولا عن بقية أنشطة الباب. الدعارة تتقاطع مع السرقة، مع البسطات، مع المقاهي، مع شبكة النكات والتحشيش. كل ذلك جزء من بنية واحدة، حيث تتداخل المهن والوجوه والمسارات. الهامش ليس جزرا منفصلة، بل نسيج متشابك. ومن هنا تبدو الدعارة ليس بوصفها استثناء، بل أحد تجليات اقتصاد الظل في مدينة متعبة.

من اللافت كذلك اجتماع متناقضات أيديولوجية واجتماعية في فضاء واحد. ففي عالم الباب يمكن أن يلتقي ماركسي وبعثي ومتدين وعاطل وسكير وبائع جوال في مقهى واحد.

ليس لأنهم تصالحوا نظريا، بل لأن ضغط الحاجة اليومية أذاب الحدود الصلبة بينهم. هنا يتراجع الانقسام السياسي أمام سؤال أبسط: كيف نعيش اليوم؟ الباب يتحول إلى مختبر اجتماعي، تختبر فيه حدود التعايش في مجتمع منهك، حيث تكون الهشاشة المشتركة أقوى من الانتماء العقائدي.


لا يلتزم المؤلف بخط زمني مستقيم، بل ينتقل بين شخصيات ومشاهد ونكات وأمكنة من دون تسلسل صارم. هذا «السرد السائب» ليس خيارا فوضويا، بل صورة للزمن القلق في الهامش. ففي المدينة المستقرة، الزمن منظم: دوام، مواعيد، مؤسسات. في الباب، الزمن متقطع: حملات أمنية، مفاجآت، انتظار، فرص عابرة، انقطاعات. حين يكتب الزيدي بهذا الشكل، فإنه يحاكي الحياة كما تُعاش، لا كما تُرتّب في التقارير الرسمية.


نحن أمام نص يمنح الهامش البغدادي صوتا، ويحوّل الضحك إلى أداة تحليل، ويجعل من منطقة عالم الباب نموذجا مصغرا، لبلد يتسع فيه اقتصاد الظل وتتمدد فيه ثقافة التحايل والنكتة. أما عالم الدعارة الذي يمر عليه في نصه ليس مجرد تفصيل مثير، بل نافذة لفهم اختلال التوازن بين الخطاب الأخلاقي والواقع الاقتصادي، وبين السلطة الرسمية وشبكاتها الموازية.

في عالم تراجعت فيه أقسام السوسيولوجيا عن النزول إلى الشارع، يبدو الروائي هنا وريثا غير معلن لهذا الدور، يلتقط التفاصيل الصغيرة التي تصنع البنية الكبرى، ويكتب عن «مملكة» تبدو ساخرة، لكنها في العمق تشريح دقيق لمجتمع يبحث عن طريقة للعيش وسط الانهيار.