القاسمي: الفساد ليس طارئًا… بل معركة وجود بين الدولة وشبكات المصالح
قال لكاتب السياسي، د. هاني بن محمد القاسمي، أن هناك ظاهرةً طارئةً على الدول، ليس الفساد، ولا عيبًا خفيًا يمكن تجاهله أو التعايش معه؛ بل هو بنية موازية تنمو في الظل، وتغتذي على ضعف المؤسسات، وتزدهر كلما غابت الإرادة الحقيقية للمساءلة. ولذلك، فإن السؤال ليس: هل يمكن مكافحة الفساد؟ بل: هل نريد فعلًا مكافحته؟
وأضاف: إن مكافحة الفساد ليست شعارًا يُرفع في الخطب، ولا بندًا يُدرج في البرامج السياسية، بل هي مشروع وطني شامل، يبدأ من أعلى هرم السلطة ولا ينتهي عند أصغر موظف في جهاز إداري.
وأوضح القاسمي: فحين تكون الإرادة السياسية صادقة، تتحول القوانين من نصوص جامدة إلى أدوات حية، وتصبح المؤسسات الرقابية فاعلة لا شكلية، ويغدو القانون سيدًا لا تابعًا.
وأشار: وفي السياق اليمني اليوم، تبدو معركة مكافحة الفساد أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، لا لأنها قضية أخلاقية فحسب، بل لأنها شرط وجودي لبقاء الدولة نفسها.
وأضاف: فالدولة التي تُستنزف مواردها عبر شبكات الفساد، لا يمكنها أن تبني اقتصادًا، ولا أن تحقق عدالة، ولا أن تحافظ على ثقة مواطنيها.
وأوضح: لقد أفرزت سنوات الصراع واقعًا معقدًا، تداخلت فيه المصالح السياسية مع الاقتصادية، وتشكلت مراكز قوى جديدة تستفيد من غياب الشفافية وضعف الرقابة؛ وفي مثل هذا المناخ، لا يكفي الحديث عن الفساد بوصفه سلوكًا فرديًا، بل يجب التعامل معه بوصفه منظومةً متكاملة تحتاج إلى تفكيك واعٍ ومدروس.
وأكد: إن الخطوة الأولى في هذا الطريق تتمثل في إعادة الاعتبار لمبدأ سيادة القانون، بحيث لا يكون هناك أحد فوق المساءلة، أيًا كان موقعه أو نفوذه؛ فالقانون الذي يُطبَّق بانتقائية يفقد هيبته، ويصبح جزءًا من المشكلة بدلًا من أن يكون أداة للحل.
وأشار: أما الخطوة الثانية، فتتمثل في بناء مؤسسات رقابية مستقلة بحق، لا تخضع للتجاذبات السياسية، وتملك من الصلاحيات والموارد ما يمكنها من أداء دورها بكفاءة؛ فغياب الرقابة الفاعلة هو البيئة المثالية لنمو الفساد واستمراره.
وأوضح: ولا تقل الشفافية أهمية عن ذلك؛ إذ إن إتاحة المعلومات وتمكين المجتمع من الاطلاع على كيفية إدارة المال العام يُشكّلان أحد أهم أدوات الردع.
وأضاف: فحين يعلم المسؤول أن قراراته تحت نظر الناس، يتراجع هامش التجاوز، وتتعزز ثقافة المساءلة.
وأشار: غير أن مكافحة الفساد لا تكتمل دون إصلاح إداري حقيقي، يعيد هيكلة الجهاز الحكومي على أسس الكفاءة والنزاهة، ويقضي على مظاهر الترهل والازدواج الوظيفي. فالإدارة الضعيفة ليست مجرد خلل إداري، بل هي بوابة واسعة للفساد.
وأوضح: وفي اليمن، تبرز أهمية ربط مكافحة الفساد بمشروع أوسع لإعادة بناء الدولة، بحيث لا تكون إجراءات معزولة، بل جزءًا من رؤية متكاملة للإصلاح السياسي والاقتصادي.
وأضاف: فمحاربة الفساد في ظل مؤسسات هشة تشبه محاولة ترميم جدار متصدع دون معالجة أساساته.
وأكد: كما أن إشراك المجتمع، بمختلف فئاته، في هذه المعركة يمثل عنصرًا حاسمًا؛ فالإعلام الحر، والمجتمع المدني، والنخب الأكاديمية، جميعهم شركاء في كشف الفساد ومقاومته، إذ لا يمكن لأي سلطة، مهما بلغت قوتها، أن تنجح في هذه المهمة بمفردها.
وأشار القاسمي: ومع ذلك، ينبغي الاعتراف بأن الطريق ليس سهلًا، وأن مقاومة الفساد ستصطدم حتمًا بمصالح متجذرة وشبكات نفوذ لن تتخلى عن امتيازاتها طوعًا.
وأضاف: لكن التاريخ يعلمنا أن الإرادة السياسية الصلبة، المدعومة بوعي مجتمعي، قادرة على إحداث التحول مهما كانت التحديات.
وختم بالقول: تظل الحقيقة الأهم أن الفساد ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة خيارات، وإذا أردنا حقًا أن نكافحه، فعلينا أن نختار بوضوح: إما دولة القانون، أو دولة المصالح؛ وما بينهما تضيع الأوطان.