أخبار وتقارير

كاتب سياسي: إنكار الخطأ.. حين تتحول المكابرة إلى وقود للصراع وتآكل المجتمعات


       

قال الكاتب السياسي، د. هاني بن محمد القاسمي إنه في اللحظة التي يُستبدل فيها الاعتراف بالخطأ بالمكابرة، يتحول الخلاف من مساحةٍ للتصحيح إلى ساحةٍ للصراع، ومن فرصةٍ للإصلاح إلى مدخلٍ للتفكك.

وأشار إلى أن الأخطاء، في أصلها، جزء من الطبيعة الإنسانية، لكن الإصرار على إنكارها هو ما يضفي عليها طابعًا تدميريًا، يعيد تشكيل العلاقات على أساس الشك، ويغذي نزعات الخصومة، ويضعف أي إمكانية للتلاقي.

وأضاف أن المجتمعات التي تفقد شجاعة الاعتراف تفقد معها القدرة على المراجعة، وحين تغيب المراجعة تتراكم الأخطاء حتى تتحول إلى منظومات كاملة من الخلل تُدار بعقلية الدفاع لا بعقلية التصحيح، وعندها يصبح كل طرفٍ أسيرًا لسرديته الخاصة.

وأوضح أن هذه الحالة تفتح الباب أمام دوامة الصراع التي لا تنتهي، لأن جذورها لم تُعالج، بل جُرفت تحت ركام الإنكار.

وأشار إلى أن إنكار الخطأ سياسيًا يُعد أخطر من الخطأ ذاته؛ فالخطأ قد يكون عابرًا أو نتيجة تقدير غير موفق، أما إنكاره فهو موقف مستمر يعيد إنتاج الأزمة ويمنحها شرعية البقاء.

وأضاف أن البيئات المأزومة، خصوصًا التي تعاني هشاشة مؤسسية أو انقسامات داخلية، يتحول فيها هذا السلوك إلى وقود دائم للصراع، يوسّع الهوة بين الأطراف ويجعل التسوية أقرب إلى الوهم.

وأوضح أن الصراع في جوهره ليس دائمًا نتيجة تضارب المصالح، بل كثيرًا ما يكون نتيجة تضارب الروايات حول الخطأ، ومع إغلاق باب الاعتراف يُغلق باب الحوار ويحل التخوين بدل النقاش.

وأشار إلى أن أثر ذلك لا يتوقف عند السياسة، بل يمتد إلى النسيج الاجتماعي، حيث تتآكل الثقة وتصبح العلاقات أكثر هشاشة وقابلة للانهيار عند أول اختبار.

وأضاف أن الأسر نفسها لا تنجو من هذا الأثر، إذ يتحول العناد إلى جدار صامت يضعف العلاقات ويُنتج أجيالًا تهرب من المسؤولية بدل مواجهتها.

وأكد أن ما يُهدم بسبب إنكار الأخطاء لا يُعاد بناؤه بسهولة، فالأوطان لا تسقط فجأة، بل تتآكل تدريجيًا حين يُستبدل الصدق بالمكابرة والمراجعة بالتبرير.

وشدد على أن الاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا، بل هو أعلى درجات القوة الأخلاقية والسياسية، وهو المدخل الحقيقي لأي مصالحة أو إصلاح.

واختتم بالقول إن الخطر الحقيقي لا يكمن في الخطأ، بل في الإصرار على عدم الاعتراف به، لأن في ذلك تبدأ المأساة ويتسع الشرخ ويُكتب الفصل الأكثر قسوة في تاريخ أي مجتمع.