الكاتب السياسي د. أحمد بن اسحاق يفكك أبعاد غياب المساءلة وأثر تجميد المجالس المحلية
يرى الكاتب السياسي الدكتور أحمد بن اسحاق أنه في كل مرة تنفجر فيها فضيحة فساد جديدة يخرج المسؤولون للحديث عن السلام والمرجعيات وخارطة الطريق
بينما يبقى السؤال الذي يؤرق اليمنيين بلا إجابة شافية وهو من يحارب الفساد داخل مؤسسات الدولة مؤكدا أن أول من ينبغي أن يوجه إليه هذا السؤال هو مجلس الشورى.
ويوضح الدكتور أحمد بن اسحاق أنه في يناير من عام ألفين وخمسة وعشرين أعلن المجلس رسميا فتح باب الترشح لعضوية الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد في خطوة استبشر بها اليمنيون قبل أن يسحب الإعلان بصورة مفاجئة عقب لقاءات مع رئاسة مجلس القيادة الرئاسي
لتتوقف الإجراءات دون تفسير ولا تزال معلقة حتى اليوم متسائلا عن الذي أوقف هذا الاستحقاق ولماذا وإذا كانت هيئة مكافحة الفساد نفسها معطلة فبأي أدوات تريد الدولة إقناع المواطنين بأنها جادة في محاربة الفساد.
ويشير الدكتور بن اسحاق إلى أنه خلال الفترة نفسها توالت ملفات كبيرة شغلت الرأي العام من قضية المصافي السرية في ساحل حضرموت والمصافي التي عرضت في وادي حضرموت إلى قضية تنظيف مطار عدن والمشاريع الألمانية وغيرها من الملفات التي أعلن عن لجان للتحقيق فيها مستغربا غياب نتائج تلك اللجان وتقاريرها وإحالة المتورطين إلى القضاء
ولعل ما يزيد هذه الأسئلة إلحاحا أن الخطاب العام اليوم لم يعد يدور حول الإنجازات بقدر ما يدور حول الجمود وغياب القرار وتراجع مبدأ الثواب والعقاب واستمرار مؤسسات تتقاضى موازنات من المال العام بينما يكاد حضورها يقتصر على التصريحات وإثبات الوجود أكثر من صناعة القرار أو ممارسة الرقابة.
ويؤكد بن اسحاق أنه إذا كانت السلطة التنفيذية تتحمل مسؤوليتها فإن السؤال يظل قائما أيضا أمام مجلس النواب عن غياب لجانه البرلمانية وعما إذا كانت منعت من ممارسة دورها الرقابي
وإذا لم تمنع فلماذا لم نشاهد استجوابات أو جلسات مساءلة أو تقارير رقابية تواكب حجم قضايا الفساد وإذا كانت الحكومات تحاسب عبر البرلمان فمن يحاسب الحكومة عندما يغيب البرلمان عن دوره الدستوري.
ويلفت الكاتب السياسي إلى أن الأمر لا يقف عند مجلسي الشورى والنواب بل يمتد إلى المجالس المحلية المنتخبة التي منحها القانون صلاحيات تقويم أداء المحافظين ومديري العموم بل وسحب الثقة من المتقاعسين
وفقا للإجراءات القانونية متسائلا عن أسباب بقاء هذه المجالس مجمدة طوال سنوات وهل يعقل أن تبقى سلطة الشعب الدستورية المنتخبة مصادرة بينما تختزل إدارة المحافظات في أفراد معينين لا يخضعون لرقابة ممثلي المواطنين.
ويجزم الدكتور أحمد بن اسحاق بأن مكافحة الفساد ليست شعارا بل منظومة متكاملة تبدأ بهيئة مستقلة وبرلمان يمارس الرقابة وشورى يفعل أدوات النزاهة ومجالس محلية تمثل إرادة المواطنين فإذا تعطلت هذه الحلقات جميعا فمن بقي ليمارس الرقابة باسم الشعب
مؤكدا أن المشكلة اليوم ليست في غياب النصوص أو المؤسسات بل في تعطيلها المتعمد حيث لدينا هيئة لمكافحة الفساد لم تستكمل ومجلس شورى لا يفعل أدواته ومجلس نواب غابت عنه المساءلة ومجالس محلية جمدت صلاحياتها لتصبح منظومة الرقابة أشبه بمحرك متكامل أطفئ مفتاح تشغيله فلا تحقيق يكتمل ولا تقرير يعلن ولا مساءلة تمارس ولا محاكمة تفضي إلى استرداد المال العام أو معاقبة المتجاوزين.
ويختتم د. أحمد بن اسحاق حديثه بالقول إنه عندما تتعطل سلسلة الرقابة فالتحقيق فالمساءلة فالمحاكمة يصبح الفساد هو النتيجة الطبيعية لا الاستثناء وعندها لا يعود السؤال لماذا انتشر الفساد بل يصبح السؤال الحقيقي هو من الذي عطل المنظومة الدستورية التي كان يفترض بها أن تمنعه وتصون مقدرات البلاد.