أكد الكاتب السياسي د. هاني بن محمد القاسمي أن الدول الصناعية الكبرى حينما أرادت أن تؤسس لنهضتها الاقتصادية لم تبدأ ببناء الأبراج الشاهقة ولم تجعل أولوياتها محصورة في التوسع في التعليم الجامعي بل بدأت من حيث ينبغي أن تبدأ كل دولة تطمح إلى التنمية من بناء الإنسان المنتج وإعداد اليد العاملة الماهرة وربط التعليم بمتطلبات الاقتصاد الوطني ومن هنا نشأت فلسفة التعليم الفني وثانويات التكنولوجيا التطبيقية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية التي تقوم عليها الدول الحديثة وأحد أهم أسرار تفوقها الصناعي والاقتصادي.
وأوضح الدكتور هاني بن محمد القاسمي أن التعليم في القرن الحادي والعشرين لم يعد مجرد وسيلة للحصول على شهادة علمية بل أصبح مشروعا لبناء القدرات وصناعة المهارات وإعداد الإنسان القادر على التعامل مع التكنولوجيا ومواكبة التطورات المتسارعة في مختلف القطاعات ولهذا لم تعد الدول المتقدمة تقيس نجاح مؤسساتها التعليمية بعدد الخريجين وإنما بمدى قدرتهم على الاندماج في سوق العمل والمشاركة في الإنتاج وتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
وأشار الدكتور القاسمي إلى أن الواقع في اليمن يفرض تحديا مختلفا وأكثر تعقيدا فالأوضاع الاقتصادية المتردية وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للأسر دفعت أعدادا كبيرة من طلاب المرحلة الأساسية إلى العزوف عن مواصلة التعليم الثانوي ليس لأنهم فقدوا إيمانهم بأهمية العلم وإنما لأنهم وجدوا أنفسهم أمام مسؤوليات معيشية أكبر من أعمارهم فكم من طالب ودع مقاعد الدراسة ليلتحق بورشة نجارة أو محل حدادة أو مركز لصيانة الهواتف أو يعمل سائقا أو بائعا متجولا ليس حبا في ترك التعليم وإنما رغبة في إعانة أسرته وتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
وأضاف الكاتب السياسي أن الحاجة الملحة تتجلى هنا لإعادة النظر في فلسفة التعليم الثانوي برمتها فليس من المنطق أن يكون الخيار الوحيد أمام الطالب هو التعليم العام ثم الجامعة في حين أن ظروفه الاقتصادية تدفعه إلى العمل مبكرا وكان الأجدر بالدولة أن توفر له مسارا يجمع بين التعليم والإنتاج وبين الدراسة واكتساب المهنة وبين بناء المعرفة وتحقيق الدخل وهو ما توفره ثانويات التكنولوجيا التطبيقية.
وبين القاسمي أن التجارب الدولية أثبتت أن هذا النموذج يمثل أحد أنجح الحلول لمعالجة البطالة والتسرب من التعليم ففي ألمانيا يقوم نظام التعليم المزدوج على الجمع بين الدراسة النظرية والتدريب العملي داخل المؤسسات الإنتاجية مما يجعل الطالب يكتسب خبرة حقيقية قبل تخرجه ويجد فرصته في سوق العمل فور إنهاء دراسته أما كوريا الجنوبية فقد جعلت من المدارس التقنية أحد المحركات الرئيسية لنهضتها الصناعية وربطت برامجها التعليمية مباشرة باحتياجات الشركات والمصانع فكان التعليم أحد أهم أسباب التحول من دولة محدودة الموارد إلى قوة صناعية عالمية وفي مصر شهدت السنوات الأخيرة تجربة واعدة تمثلت في إنشاء مدارس التكنولوجيا التطبيقية التي جاءت بالشراكة بين الدولة والقطاع الخاص حيث يتلقى الطالب تعليما نظريا وتدريبا عمليا داخل المؤسسات الصناعية والإنتاجية ويحصل على مهارات تؤهله للعمل فور تخرجه مع توفير بيئة تعليمية حديثة تواكب احتياجات سوق العمل وقد أسهمت هذه التجربة في تغيير النظرة التقليدية إلى التعليم الفني وأثبتت أن المهارة ليست أقل قيمة من الشهادة بل إنها كثيرا ما تكون الطريق الأقصر إلى النجاح والاستقرار.
وشدد الكاتب على أن اليمن أحوج ما تكون إلى الاستفادة من هذه النماذج لا بنقلها بصورة جامدة وإنما بتكييفها مع الواقع الوطني فالبلاد مقبلة عاجلا أم آجلا على مرحلة إعادة إعمار واسعة ولن يكون المهندسون وحدهم قادرين على إنجازها بل ستكون الحاجة ماسة إلى آلاف الفنيين في مجالات الكهرباء والطاقة الشمسية والميكانيكا والإنشاءات واللحام والسباكة والتبريد والتكييف وتقنيات المعلومات والاتصالات والصيانة الصناعية والزراعة الحديثة وغيرها من المهن التي تشكل العمود الفقري لأي اقتصاد منتج كما أن إنشاء ثانويات التكنولوجيا التطبيقية سيسهم في معالجة واحدة من أخطر المشكلات الاجتماعية وهي تسرب الطلاب من التعليم بسبب الفقر فعندما يدرك الطالب أن المدرسة ستمنحه مهنة وتؤهله لسوق العمل وقد توفر له تدريبا عمليا وحوافز مالية فإنه سيجد في التعليم فرصة لتحسين حياته لا عبئا يؤخر دخوله إلى سوق العمل.
ونوه إلى أن نجاح هذا المشروع يتطلب إرادة سياسية تتعامل مع التعليم باعتباره استثمارا استراتيجيا لا بندا ثانويا في الموازنة العامة فالمطلوب هو وضع سياسة وطنية واضحة للنهوض بالتعليم الفني تبدأ بإنشاء ثانويات التكنولوجيا التطبيقية في مختلف المحافظات وتزويدها بالمعامل الحديثة وتأهيل كوادرها وربطها بالمؤسسات الإنتاجية وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في التدريب المهني مع تقديم حوافز للطلاب الملتحقين بها حتى تصبح هذه المدارس خيارا جاذبا لا ملاذا اضطراريا ولا يقل أهمية عن ذلك تغيير الثقافة المجتمعية التي ما زالت تنظر إلى التعليم الفني نظرة قاصرة بينما تؤكد التجارب العالمية أن الاقتصادات الكبرى قامت على أكتاف الفنيين المهرة بقدر ما قامت على العلماء والباحثين فالمهندس يحتاج إلى الفني والطبيب يحتاج إلى التقني والمصنع يحتاج إلى العامل الماهر والدولة تحتاج إلى الجميع حتى تكتمل منظومة التنمية.
واختتم الكاتب السياسي د. هاني بن محمد القاسمي حديثه بالتأكيد على أن مستقبل اليمن لن تصنعه الشهادات النظرية وحدها وإنما ستصنعه العقول المبدعة والسواعد المدربة والمهارات القادرة على تحويل المعرفة إلى إنتاج والطموح إلى إنجاز ومن هنا فإن التوسع في التعليم الفني وإنشاء ثانويات التكنولوجيا التطبيقية لم يعد مجرد خيار تربوي بل أصبح ضرورة وطنية واستحقاقا اقتصاديا وقرارا سياسيا ينبغي أن يحظى بالأولوية في برامج الدولة لأن الأمم التي تستثمر في الإنسان المنتج هي وحدها التي تملك القدرة على صناعة مستقبلها.