أمريكا سلّمت المخا أم خسرتها؟!



من الصعب معرفة العوامل الكامنة خلف تقدم الحوثيين السريع والخاطف عبر مناطق واسعة، وصولا إلى باب المندب، والسيطرة عليها بسرعة قياسية، بما يعطي انطباعا وكأن القوات التابعة للحكومة «الشرعية»، بسبب الانقسامات الداخلية، ليست سوى صفوف من الكرتون أو قشّ لفزّاعة الطيور.

والأكثر إثارة للتساؤل، ما صرّح به ترامب من أن الحوثيين اتصلوا به وطلبوا منه عدم التدخل، وربط ذلك بعدم استجابة الرئيس الأمريكي ترامب لقيام طائرات عسكرية بقصف مواقع الحوثيين، ردا على تقدمهم العسكري الكبير في مناطق القوات الحكومية، رغم حساسية باب المندب باعتباره ممرا دوليا.


فهل كانت المسألة مصيدة أو فخا نُصب للحوثيين بهدف توريطهم ثم القضاء على قوتهم لاحقا؟ أنا شخصيا لا أميل إلى هذا الاحتمال.

وعلى الأرجح هناك تفاهمات أوقفت التصعيد وتركت الأرض تتحرك

فسقوط المخا هو أول اختبار حقيقي لفشل التفاهمات في منع تغيّر ميزان القوة على الأرض. فبينما انشغلت واشنطن وعواصم المنطقة بإيقاف التصعيد واحتواء خطر الحوثيين، كانت الجغرافيا اليمنية تتحرك في الاتجاه المعاكس.

ولم يكن أخطر ما في التفاهم الأمريكي–الحوثي الذي رعته سلطنة عُمان في مايو 2025 أنه أوقف القصف الأمريكي، وانما أنه كشف حدود ما كانت واشنطن تريد تحقيقه في اليمن. فقد كان الاتفاق محددا في خفض التصعيد ووقف استهداف الطرفين، بما في ذلك السفن الأمريكية في البحر الأحمر وباب المندب، وضمان حرية الملاحة والتجارة الدولية، ولم يكن اتفاقا على مستقبل اليمن، أو تسوية بين الحكومة والحوثيين، أو إعادة ترتيب السيطرة على الأرض.

وهنا تكمن المفارقة: بينما ركزت التفاهمات على إدارة الخطر وحماية الملاحة، بقي ميزان القوة داخل اليمن خارجها. لذلك فإن القول إن أمريكا «سلّمت المخا وباب المندب للحوثيين» يتجاوز ما تثبته الوقائع؛ فلا توجد في الاتفاق صفقة تمنحهم هذه المناطق، ولا دليل على أن واشنطن اتخذت قرارًا بتسليمها.

لكن الأدق أن واشنطن تفاوضت مع الحوثيين على أمن سفنها ومصالحها، بينما بقي سؤال السيطرة على الأرض شأنا آخر. ولم تكن السعودية وحدها خارج هذا المسار؛ فقد دخلت بدورها في مسار تفاوضي مع الحوثيين، بالتوازي مع مسارات عُمانية وأممية وتفاهمات إنسانية، بينها اتفاقات الأسرى.

وفي المقابل، كانت الأرض تتحرك. فالانقسام داخل معسكر الحكومة الشرعية، وتعدد مراكز القرار، وضعف التنسيق العسكري، والدعم الإيراني، وتغير أولويات القوى الإقليمية والدولية، كلها عوامل أسهمت في خلق البيئة التي سمحت بهذا التقدم.

ومن هنا تصبح المخا أكبر من مدينة ساحلية. فامتلاك الأرض المطلة على الممر البحري لا يشبه القدرة على إطلاق صاروخ من مسافة بعيدة؛ إنه يمنح قدرة أكبر على الرصد والضغط والتهديد، ويحوّل الجغرافيا إلى ورقة تفاوضية.

وهذا يضع واشنطن أمام نتيجة لم تكن بالضرورة جزءًا من حساباتها عندما تفاوضت في 2025. فقد نجحت في خفض الخطر المباشر على سفنها، لكنها لم تعالج ميزان القوة الذي يمكن أن يعيد إنتاج الخطر بصورة أكبر.

والأمر لا يتعلق بواشنطن وحدها؛ فالسعودية تجد نفسها أمام تهديد متزايد لمصالحها الأمنية والاقتصادية، بينما يبقى اليمن الطرف الأضعف حضورا في هذه المعادلة.

والمشكلة الحقيقية إذن ليست أن اتفاقا واحدا سلّم الحوثيين المخا؛ فهذا استنتاج لا تثبته الوقائع. المشكلة أن سلسلة التفاهمات والتهدئات ركزت على إدارة الخطر، بينما كانت موازين القوة على الأرض تتغير بهدوء.

التفاوض قد يوقف الصواريخ، والوساطة قد تفتح الطرق، واتفاق الأسرى قد يخفف معاناة اليمنيين، لكن هذه المسارات لا تمنع وحدها سقوط مدينة أو جزيرة، ولا تعيد رسم الجغرافيا العسكرية.

كما أن سيطرة الحوثيين على خط المصالح الدولية تحمل مخاطرة عليهم أيضًا. فكلما تمكنوا من باب المندب، أصبح من الصعب على القوى الكبرى التعامل مع وجودهم باعتباره شأنا يمنيا داخليا، وما يمكن أن يكون ورقة ضغط سياسية اليوم قد يتحول غدًا إلى سبب مباشر لتوسيع المواجهة.

وإذا استقر الوجود الحوثي على المخا وميون، واقترب أكثر من باب المندب، فلن يكون ما حدث مجرد تحول في خريطة الحرب اليمنية، بل تأسيسا لواقع استراتيجي جديد يصعب التراجع عنه.

عندها لن تكون المشكلة فيمن خسر مدينة، وإنما في أن اليمن سمح بأن يصبح أحد أهم ممراته البحرية ورقة في صراع إقليمي ودولي.

وما يُترك اليوم بالقوة على الأرض، لن تستعيده غدا البيانات السياسية ولا طاولات التفاوض بسهولة.