كيف يتحول التنسيق الأمني في اليمن إلى جسر لبناء مؤسسات الدولة بدلاً من تكريس التشظي..؟
تجادل ورقة سياسات جديدة للخبير اليمني أحمد الخامري نشرها مركز كاربو بأن واقع الصراع الممتد في اليمن يتطلب إعادة النظر في الأساليب التقليدية المتبعة في إصلاح القطاع الأمني وبناء مؤسسات الدولة مؤكدة أن المشهد الأمني لم يعد قائماً على مؤسسات موحدة وتسلسل قيادي مركزي بل أصبح يتكون من تشكيلات عسكرية وأمنية متعددة وشبكات نفوذ وسلطات محلية تعمل ضمن منظومة متداخلة من الشرعيات.
وتحمل الورقة فكرة مركزية مفادها أن السياسة الواقعية في البيئات المنقسمة لا تستطيع انتظار تسوية سياسية شاملة قبل التعامل مع الاحتياجات الأمنية العاجلة لكنها في الوقت نفسه لا ينبغي أن تقبل بالتشظي بوصفه وضعاً نهائياً أو دائماً حيث يكمن التحدي الحقيقي في إدارة الانقسام والحد من العنف في المدى القريب بالتوازي مع بناء مؤسسات وطنية أكثر شرعية ومساءلة على المدى الطويل.
وتشير الدراسة إلى أن المقاربات الدولية التقليدية افترضت عادة قدرة الدول المتأثرة بالنزاعات على توحيد مؤسساتها واستعادة احتكار القوة غير أن تجارب اليمن ودول عدة أظهرت توسع أنظمة الحكم المجزأة وتداخل المؤسسات الرسمية مع الجماعات المسلحة والدعم الخارجي مما فرض مفهوم الترتيبات الأمنية الهجينة كاستجابة عملية لواقع لا تستطيع فيه الدولة فرض بنية أمنية موحدة بصورة فورية.
وتتناول الورقة اللجنة العسكرية العليا بوصفها نموذجاً لهذا الاتجاه حيث أنشئت بقرار رئاسي وبدعم سعودي لإيجاد إطار مشترك للتنسيق بين التشكيلات العسكرية المناهضة للحوثيين مؤكدة أن أهميتها تكمن في نقل التنسيق إلى إطار مؤسسي مع التنبيه على خطورة تحولها إلى بديل دائم عن وزارة الدفاع بدلاً من نقل خبراتها تدريجياً إلى المؤسسات الوطنية.
كما تتطرق الورقة إلى شراكة الأمن البحري اليمنية التي أطلقت عام 2025 بقيادة مشتركة من المملكة العربية السعودية والمملكة المتحدة وبالشراكة مع الحكومة اليمنية لتنسيق الدعم الدولي المقدم لخفر السواحل محذرة من اختزال الشراكة في تقديم المعدات بل يجب أن يقاس نجاحها بمقدار القدرة المؤسسية والسيادة التي تتركها لدى الدولة وتمرير الدعم عبر القيادة الوطنية.
وفيما يتعلق بهياكل مكافحة الإرهاب تشير الدراسة إلى أن مواجهة التهديدات تعتمد عملياً على حوكمة أمنية هجينة تفرضها طبيعة الجريمة العابرة للحدود محذرة في الوقت ذاته من مخاطر غياب الرقابة القضائية والمدنية وداعية إلى اقتران التنسيق العملياتي بالاستثمار في التشريعات والنيابة والقضاء لضمان حماية حقوق الإنسان.
وتخلص الورقة إلى أن الترتيبات الأمنية الهجينة قد تكون ضرورية لمنع الانهيار وتقليل العنف لكن التعامل الواقعي معها لا يعني القبول الدائم بتعدد السلطات داعية المانحين والشركاء إلى إدماج بناء الدولة في جميع مراحل البرامج الأمنية وإعداد خريطة طريق لإصلاح القطاع الأمني ضمن أي عملية سلام مستقبلية تضمن بناء مؤسسات خاضعة للمساءلة.