كثرت المجالس وقلت النتائج



أكثر ما يستحق التوقف في إعلان تأسيس «مجلس عدن التنسيقي» الحاجة التي تقف خلفها. فحين تشعر السلطة المحلية بأن من الضروري جمع شخصيات من مختلف ألوان الطيف العدني للاستماع إلى الرؤى والمقترحات واحتياجات المواطنين، فهذا يعني أن هناك فجوة تحتاج إلى من يردمها بين المدينة ومؤسساتها.

والرواية الرسمية تبدو واضحة مجلس استشاري لا علاقة له بالسياسة، مهمته تقديم الرأي والمقترحات، ورفع احتياجات الناس، والمساعدة في تعزيز المشاركة المجتمعية والاستفادة من الخبرات. وهي رواية منطقية في ظاهرها، بل إن إشراك المجتمع في إدارة الشأن المحلي يمكن أن يكون إضافة حقيقية لأي مدينة، خصوصًا مدينة بحجم عدن وتعقيداتها.

لكن المفارقة تبدأ من هنا بالضبط.

عدن لا تعاني نقصا في الشخصيات التي تتحدث باسمها، ولا في الاجتماعات التي تناقش مشكلاتها، ولا في البيانات التي تعد بحلولها. المشكلة الأعمق هي أن كثيرا من أصوات المدينة ظل يصل إلى دوائر القرار متأخرا، أو مجزأً، أو عبر قنوات لا تنتج بالضرورة قرارا واضحا.

لذلك، فإن قيمة المجلس الجديد لن تكون مرهونة بعدد الأسماء التي ستجلس حول الطاولة، وإنما بقدرته على تحويل الكلام إلى معرفة قابلة للاستخدام، والمعرفة إلى مقترحات، والمقترحات إلى قرارات يمكن متابعتها ومساءلة المسؤولين عن تنفيذها.

وهنا تصبح عبارة «لا علاقة له بالجانب السياسي» مهمة أكثر مما تبدو عليه. فهي تعني أن المجلس، إذا التزم بالدور المعلن له، لن يكون منصة جديدة لتوزيع النفوذ أو إعادة إنتاج الاصطفافات، بل مساحة مدنية تنظر إلى المدينة من زاوية مختلفة: ماذا تحتاج و أين تتعطل الخدمات و لماذا تتكرر المشكلة نفسها.وما الذي يمكن للسلطة المحلية أن تفعله بصورة أفضل؟!!!

هذا الفصل بين الاستشارة والسياسة ليس تفصيلا شكليا في مدينة شديدة الحساسية سياسيا، وأي إطار يحمل اسمها يمكن أن يتحول بسهولة إلى مساحة للتجاذب إذا لم تكن حدوده واضحة. لذلك فإن نجاح المجلس يتوقف، قبل أي شيء آخر، على استقلال وظيفته عن الاستقطاب، وعلى قدرته على الاستماع إلى المختلفين دون أن يتحول الاختلاف إلى صراع داخلي.

والأهم أن (الطيف العدني) الذي يفترض أن يمثله المجلس ليس مجرد مجموعة من الشخصيات المعروفة. التمثيل الحقيقي للمدينة أكثر صعوبة من ذلك. هناك الأحياء، والعمال، والتجار، والأكاديميون، والشباب، والنساء، والمجتمع المدني، وأصحاب المهن، وسكان المديريات المختلفة، وأناس لا يملكون منابر إعلامية ولا علاقات بمراكز القرار.


إذا اقتصر المجلس على الوجوه التي اعتادت الحضور في المناسبات والاجتماعات، فسوف يحصل على صورة مألوفة عن عدن، لا على صورة عدن الفعلية.

وهذه هي النقطة التي يمكن أن تحدد مصير التجربة كلها: هل سيكون المجلس غرفة إضافية للاجتماعات، أم أداة تجعل السلطة المحلية تسمع المدينة بطريقة أكثر انتظاما..!

والفرق بين الاثنين كبير...فالاستشارة التي لا تجد طريقها إلى القرار تتحول مع الوقت إلى إجراء بروتوكولي، والمقترحات التي لا تجد آلية للمتابعة تصبح محاضر محفوظة في الملفات.

أما إذا ارتبط المجلس بآلية واضحة لاستقبال القضايا، وترتيب الأولويات، ورفع التوصيات، ومتابعة ما تم الأخذ به وما تعذر تنفيذه وأسباب ذلك، فإنه يستطيع أن يقدم للسلطة المحلية شيئًا لا توفره الاجتماعات التقليدية:

من هنا يجب أن يكون المجلس مزعجا بالمعنى الجيد للكلمة. أن يسأل: لماذا تتكرر المشكلة؟ ولماذا تتعطل المعالجة؟ وأين تذهب الموارد؟ ولماذا تنجح بعض الحلول في مكان وتفشل في مكان آخر؟ ولماذا يدفع المواطن ثمن أخطاء لا علاقة له بصنعها؟


هذه الأسئلة ليست سياسة.بل صميم العمل المحلي.

وإذا أرادت السلطة المحلية أن تنجح في هذه التجربة، فعليها أن تقبل شيئًا بسيطا لكنه ليس سهلا: أن تسمع رأيا لا يعجبها.

فالمجلس الذي يقول للمسؤول ما يحب سماعه لن يضيف شيئًا، بينما المجلس الذي يقول له ما يحتاج إلى معرفته يمكن أن يوفر على المدينة سنوات من التخبط.

ومن مصلحة السلطة نفسها أن يكون المجلس صريحا. فالمسؤول الذي يعرف المشكلة كما يراها الناس يستطيع أن يصححها قبل أن تتضخم، أما المسؤول الذي تحيط به التقارير الجميلة فقد يكتشف الحقيقة متأخرا، حين تصبح تكلفة إصلاحها أكبر من قدرة الجميع.

وفي النهاية لا أحد سيحاسب هذا المجلس على عدد اجتماعاته، ولا على جمال بياناته، بل على ما سيحدث خارج قاعة الاجتماع.

إذا بقيت الكهرباء تنقطع أكثر من 19 ساعة في اليوم، والمياه لا تصل إلى بعض البيوت إلا كل خمسة أيام، والشوارع تتدهور، ومشكلات الناس تنتقل من مكتب إلى آخر، فلن يعني المواطن كثيرًا أن هناك مجلسا جديدا يتحدث عن معاناته.

الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يقول المجلس ما يجب أن يُقال، وتسمع السلطة ما يجب أن يُسمع، ثم يتحول ذلك إلى قرار ومتابعة ونتيجة.


عندها فقط يصبح للمجلس معنى.. أما إذا ظل الكلام كلاما، والتوصيات توصيات، والاجتماعات اجتماعات، فسنكون قد أضفنا مؤسسة جديدة إلى مدينة لا ينقصها عدد المؤسسات وانما ينقصها قرار يضع مصلحة عدن فوق الحسابات، ويحول الكلام عن معاناة الناس إلى فعلٍ يلمسونه في حياتهم..!!