أخبار وتقارير

مقتل فكري داخل مسجد يضع مقديشو أمام اختبار الأمن والعدالة


       

وضع مقتل المهندس اليمني فكري حسن المسبحي داخل أحد مساجد العاصمة الصومالية مقديشو المدينة أمام اختبار حقيقي للعدالة والأمن وقدرة مؤسساتها على إنصاف الضحية ومحاسبة الجاني، في قضية لم تعد مرتبطة بأسرة فقدت ابنها فحسب، بل أصبحت تمس الثقة بصورة المدينة وأمن العاملين والمقيمين فيها، خصوصا أن الجريمة وقعت داخل بيت من بيوت الله وفي يوم الجمعة، وكان ضحيتها إنسانا عرف بين من حوله بطيب سيرته وحسن خلقه والتزامه بصلواته وقربه من الناس، فقد كان فكري واحدا من أولئك الأشخاص الذين تسبقهم سيرتهم أينما ذهبوا ويتركون أثرا طيبا في نفوس من عرفوهم، حتى إن كثيرا من الأمور تيسرت له بفضل الانطباع الحسن الذي تركه لدى من حوله.

 

لكن أكثر ما يختصر حكايته الأخيرة أنه ذهب إلى بيت من بيوت الله لأداء صلاة الجمعة بقلب مطمئن ولم يعد، فقد تعرض للطعن داخل المسجد لتنتهي حياته في مشهد موجع لا تزال تفاصيله تثقل قلوب أسرته ومحبيه، وتزيد من قسوة الحكاية بعدما تحول المكان الذي يفترض أن يكون عنوانا للسكينة والأمان إلى مسرح لجريمة، وتحول يوم الجمعة إلى آخر يوم في حياة إنسان لم يذهب إلى مواجهة أو خصومة، وإنما ذهب لأداء الصلاة.

 

أحدثت وفاة فكري حالة حزن عميقة في عدن وأثارت تعاطفا كبيرا داخل المجتمع الصومالي، ولأن الجريمة وقعت داخل مسجد وفي يوم الجمعة، ولأن الضحية مهندس يمني كان يعمل في مقديشو، فإن القضية تتجاوز حدود المأساة العائلية وتطرح أسئلة أكبر تتعلق بالأمن والثقة وصورة المدينة.

 

وفي إطار المتابعة الرسمية للقضية، وجّه النائب العام للجمهورية القاضي قاهر مصطفى مذكرة رسمية إلى النائب العام في جمهورية الصومال بشأن مقتل فكري، وهي خطوة تعكس أهمية المتابعة القانونية والرسمية لحقوق المواطن اليمني، كما حظيت القضية باهتمام سفير الجمهورية اليمنية لدى الصومال الأستاذ فضل الحنق ووقوفه إلى جانب الأسرة ومتابعته للقضية، وسط آمال باستمرار هذه الجهود حتى الوصول إلى الحقيقة وتحقيق العدالة.

 

كما كان للشيخ شريف باعلوي صاحب الشركة التي كان يعمل فيها فكري موقف محل تقدير، من خلال اهتمامه بالقضية ووقوفه إلى جانب الأسرة وتكليفه محاميا خاصا لمتابعة القضية والترافع فيها، غير أن هذه المواقف جميعها لا تمثل نهاية الطريق، وإنما بداية مسار يفترض أن ينتهي بكشف الحقيقة وتحقيق العدالة، فمقديشو اليوم أمام اختبار حقيقي.

 

تمر مقديشو بمرحلة من التنمية والحراك الاستثماري وتسعى إلى بناء بيئة اقتصادية تستقطب الشركات ورؤوس الأموال والمشاريع، وفي هذه البيئة يعمل عرب وأجانب ويقيمون ويستثمرون ويضعون ثقتهم في المدينة ومستقبلها، ولهذا فإن قضية فكري لا تخص أسرته وحدها، بل تتصل بصورة الأمن والثقة التي تسعى العاصمة الصومالية إلى ترسيخها.

 

وحين يفقد عامل عربي حياته داخل مسجد وفي يوم الجمعة يصبح السؤال أكبر من حدود الجريمة نفسها، فهل يشعر العامل الأجنبي بالأمان، وهل تطمئن الشركات إلى حماية موظفيها، وهل تستطيع مقديشو أن تقدم نفسها كمدينة جاذبة للاستثمار بينما تظل مثل هذه الجريمة من دون حسم سريع وواضح، وهذه ليست أسئلة عدائية، بل أسئلة يفرضها الواقع.

 

فالاستثمار لا يعيش بالوعود وحدها، وإنما يحتاج إلى أمن وقانون وقضاء وثقة، ولهذا فإن التعامل مع قضية فكري بحزم وشفافية لا يمثل فقط إنصافا لأسرة فقدت ابنها، بل يمثل رسالة إلى الشركات والمستثمرين والعاملين الأجانب بأن سلامتهم ليست تفصيلا هامشيا، وأن القانون لا يفرق بين مواطن وأجنبي عندما يتعلق الأمر بحماية الأرواح.

 

ونعلم أن هناك خلافات سياسية ممتدة بين مقديشو وصوماليلاند، وأن التوتر بين الجانبين يتجاوز أحيانا حدود السياسة إلى حملات إعلامية متبادلة، ولهذا يجب التعامل مع قضية فكري بحذر ومسؤولية حتى لا يتحول دمه إلى وقود لخلاف سياسي أو مادة تستخدم في الصراعات القائمة.

 

وقد يحاول البعض استغلال مقتل فكري سياسيا وإعلاميا للتشكيك في الوضع الأمني في مقديشو أو تقديم صورة سلبية عن العاصمة، لكن دم فكري لا ينبغي أن يكون ورقة في أي صراع، ولا نريد اتهامات بلا دليل ولا تبريرات بلا تحقيق، وإنما نريد الحقيقة كاملة كما تكشفها الجهات المختصة ويثبتها القضاء.

 

ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة من التحقيقات، من هو قاتل فكري محمد نوح حسين، ولماذا ارتكب الجريمة، وما دوافعه، وهل ستكشف التحقيقات عن ملابسات أخرى مرتبطة بما حدث، فهذه الأسئلة لا تجيب عنها الحملات الإعلامية ولا التكهنات ولا مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما يجيب عنها التحقيق والقضاء.

 

وإذا كانت السلطات الصومالية قد تمكنت من القبض على المتهم منذ لحظة وقوع الجريمة فإن هذه خطوة مهمة، لكنها ليست نهاية القضية، فالخطوة التالية يجب أن تكون واضحة من خلال إجراء تحقيق كامل وحفظ الأدلة والاستماع إلى الشهود وكشف دوافع الجريمة، ثم إحالة القضية إلى القضاء ليقول كلمته وفق القانون.

 

والأهم أن يحدث ذلك بسرعة، لأننا لسنا أمام قضية تحتمل المماطلة، فكل يوم تأخير يفتح بابا جديدا للشائعات ويضاعف ألم الأسرة ويمنح أصحاب التفسيرات المسبقة فرصة للحديث باسم الحقيقة، بينما تبقى الحقيقة القانونية وحدها هي القادرة على حسم الجدل وإنصاف الضحية.

 

ونحن نطالب بالقصاص العادل، فأسرة فكري لا تبحث عن الانتقام وإنما تبحث عن العدالة، وفي الوقت نفسه تتمسك بحقها في القصاص العادل وفق الشرع والقانون، ومن قتل إنسانا ذهب إلى بيت الله لأداء صلاة الجمعة فعليه أن يواجه القضاء، وإذا ثبتت إدانته فليأخذ القانون مجراه.

 

وهذه ليست دعوة إلى الانتقام، وإنما مطالبة بحق أسرة فقدت ابنها وحق إنسان خرج إلى الصلاة ولم يعد، فالعدالة هي الطريق الذي يحفظ حق الضحية ويطمئن أسرته، ويؤكد أن حياة الإنسان مصونة وأن مرتكب الجريمة سيواجه ما يقرره القضاء بحقه.

 

عاد فكري إلى عدن جثمانا ودفن بين أهله ومحبيه، لكن القضية لم تدفن معه، وبقي السؤال حيا، لماذا قتل فكري، وبقيت أسرته تنتظر الحقيقة، وبقيت مقديشو أمام اختبار لا تستطيع الكلمات وحدها تجاوزه.

 

فإذا أرادت مقديشو أن تطمئن المستثمر والعامل والزائر، وإذا أرادت حماية صورتها كمدينة تتجه نحو التنمية والاستثمار، فإن أفضل رسالة يمكن أن تقدمها ليست بيانا إعلاميا ولا خطابا سياسيا، وإنما عدالة واضحة وتحقيقا نزيها ومحاكمة عادلة وحكما ينفذ وفق القانون.

 

فالقصاص العادل حين يقرره القضاء ليس إنصافا لفكري وحده، بل رسالة بأن دم الإنسان ليس رخيصا، وأن أمن مقديشو ليس شعارا، وإنما مسؤولية يحميها القانون وتثبتها العدالة على أرض الواقع.

 

رحم الله فكري حسن المسبحي وجبر قلب أسرته ومحبيه وكشف الحقيقة وأنصف دمه، فقد عاد فكري إلى عدن جثمانا، أما حقه فما زال في مقديشو ينتظر العدالة.