شاب ينهي حياته في عدن ويمنيتان تُقتلان في القاهرة.. مآسٍ تفتح النار على الرئاسي والحكومة وتكشف حجم انهيار حياة المواطن (تقرير)
تقرير - عين عدن - خاص :
يعيش المواطن اليمني اليوم بين مطرقة الفقر وسندان انهيار الخدمات في واقع قاس باتت فيه أبسط مقومات الحياة معركة يومية لا يعرف أحد كيف ستنتهي. فبين راتب لا يكفي لتوفير الاحتياجات الأساسية وخدمات صحية عاجزة عن استيعاب المرضى وأسعار تتصاعد بصورة مستمرة تتسع دائرة المعاناة بينما تبدو مؤسسات الدولة عاجزة عن إحداث تغيير حقيقي يلامس حياة الناس.
وفي مقابل هذا المشهد المؤلم تتصاعد انتقادات المواطنين لقيادات سياسية يرون أنها منشغلة داخل الغرف المغلقة بصراعات النفوذ والمكاسب وتقاسم المصالح بعيدًا عن هموم الشارع الذي يواجه أزمات متلاحقة أنهكت قدرته على الاحتمال. ويرى مواطنون أن الفجوة أصبحت واسعة بين المسؤول الذي يعيش بعيدًا عن تفاصيل الأزمة وبين أسرة تبحث عن قوت يومها أو مريض يضطر إلى مغادرة وطنه بحثًا عن مستشفى أو شاب يجد نفسه محاصرًا بضغوط الحياة دون أفق واضح للخروج منها.
وجاءت حادثتان مؤلمتان خلال الساعات الأخيرة لتختصرا جانبًا من هذا الواقع، ففي خورمكسر أقدم شاب يعمل بالأجر اليومي في مطار عدن على إنهاء حياته وسط معلومات من مصادر خاصة تفيد بأنه كان يمر بظروف معيشية وأسرية صعبة. وفي القاهرة قُتلت سيدتان يمنيتان داخل شقة على يد سارق بحسب المعلومات المتداولة عن الجريمة في وقت أثارت فيه الحادثة غضبًا واسعًا كون وجودهما خارج اليمن ارتبط بحسب ما تم تداوله برحلة علاج في الخارج. وبين الحادثتين يطرح الشارع سؤالًا قاسيًا حول ما الذي تبقى للمواطن عندما تضيق به سبل العيش داخل وطنه وعندما يصبح العلاج الذي يفترض أن يجده في مستشفيات بلاده سببًا في رحلة غربة طويلة ومكلفة. وانتقد مواطنون ما وصفوه بغياب التحرك الذي يوازي حجم هذه المآسي معتبرين أن صمت المسؤولين أمام تدهور المعيشة والصحة لا يقل قسوة عن تفاصيل المشهد نفسه.
خورمكسر.. شاب أنهكته الظروف قبل أن تنتهي حياته داخل غرفته
شهدت مديرية خورمكسر في العاصمة عدن عصر اليوم حادثة مأساوية تمثلت في انتحار شاب يدعى فكري وهو من أبناء المديرية بعد أن أقدم على شنق نفسه داخل غرفته بمنزل أسرته بالقرب من جولة دنبع. ويعمل الشاب بالأجر اليومي في مطار عدن الدولي ضمن خدمة عربات نقل أمتعة المسافرين كما أنه وحيد أسرته. وبحسب المعلومات المتوفرة فقد دخل فكري إلى غرفته وأغلق الباب على نفسه قبل أن يحاول أفراد أسرته التواصل معه وطرق الباب دون أن يتلقوا أي استجابة.
وبعد مرور فترة اكتشفت الأسرة أنه أقدم على شنق نفسه قبل أن يتدخل عدد من أبناء الحي لإنزاله. وأفادت مصادر خاصة بأنه كان يمر خلال الفترة الأخيرة بظروف معيشية وأسرية صعبة قالت إنها ساهمت في الحالة التي وصل إليها قبل إقدامه على الانتحار.
ولم تمر الحادثة بالنسبة لكثير من المواطنين باعتبارها مأساة أسرية منفصلة عن واقع المدينة بل أعادت إلى الواجهة حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجه الأسر في عدن وبقية المحافظات. ووجّه مواطنون انتقادات إلى مجلس القيادة الرئاسي والحكومة بسبب استمرار تراجع مستوى المعيشة وضعف القدرة الشرائية وتدهور الخدمات مؤكدين أن المطلوب لم يعد بيانات أو وعودًا مؤجلة بل إجراءات اقتصادية واجتماعية تحمي الفئات الأكثر هشاشة.
كما شددوا على أن حوادث الانتحار لا يجوز اختزال أسبابها في عامل واحد دون تحقيق وتقييم متخصص. إلا أن الضغوط الاقتصادية والأسرية التي تحدثت عنها المصادر في حالة الشاب تفرض بحسب منتقدين أسئلة جدية حول شبكات الحماية الاجتماعية ودور مؤسسات الدولة في مواجهة الفقر والبطالة والأزمات التي تطحن المواطنين يومًا بعد آخر.
القاهرة.. رحلة بحث عن العلاج تنتهي بجريمة تهز اليمنيين
وفي الجانب الآخر من المأساة صُدم اليمنيون اليوم الجمعة بنبأ مقتل سيدتين يمنيتين داخل شقة في القاهرة على يد سارق اقتحم المكان بهدف سرقة أموالهما قبل أن يقدم على قتلهما وفق المعلومات المتداولة بشأن الواقعة. وتحولت الجريمة سريعًا إلى قضية رأي عام بين اليمنيين الذين ربط كثير منهم بين اضطرار المرضى للسفر إلى الخارج وبين الانهيار الذي أصاب القطاع الصحي في بلادهم.
وتساءل مواطنون بغضب عن الأسباب التي تجعل اليمني يقطع آلاف الكيلومترات بحثًا عن علاج يفترض أن يكون متاحًا داخل وطن يمتلك موارد وثروات وإيرادات كان من المفترض أن ينعكس جزء منها على بناء مستشفيات وخدمات طبية قادرة على استيعاب المرضى. وأكدوا أن القضية لا تتوقف عند الجريمة نفسها التي تقع مسؤوليتها الجنائية على مرتكبها بل تمتد بالنسبة لهم إلى السؤال الأكبر حول الظروف التي تدفع آلاف اليمنيين أصلًا إلى رحلة العلاج خارج البلاد.
وأشعلت الحادثة انتقادات جديدة لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة والحكومات المتعاقبة بسبب استمرار انهيار القطاع الصحي وعجز المستشفيات الحكومية عن توفير كثير من الخدمات العلاجية التي يحتاج إليها المواطن. ويرى منتقدون أن سنوات الأزمة كانت كافية لوضع ملف الصحة في صدارة الأولويات بدل ترك آلاف الأسر أمام خيارين كلاهما قاسٍ إما مواجهة المرض في الداخل وسط نقص الإمكانات أو السفر إلى الخارج وتحمل تكاليف العلاج والسكن والمعيشة.
كما أثار ما وصفه ناشطون بضعف الموقف الرسمي تجاه معاناة المرضى في الخارج استياءً إضافيًا مطالبين بمتابعة قضية السيدتين وضمان حصول أسرتهما على الدعم القانوني والقنصلي اللازم ومحاسبة مرتكب الجريمة وفق القانون. وبالنسبة للشارع الغاضب فإن إصلاح القطاع الصحي لم يعد ملفًا إداريًا يمكن تأجيله بل قضية تمس حياة المواطنين وكرامتهم بصورة مباشرة.
لسان حال المواطن.. إلى متى نظل نبحث عن حقنا في الحياة؟
وبين غرفة صغيرة في خورمكسر انتهت داخلها حياة شاب وبين شقة في القاهرة تحولت فيها رحلة يمنيتين خارج وطنهما إلى مأساة دامية يبرز السؤال الذي يتردد على ألسنة المواطنين: إلى متى سيظل اليمني حبيس الأنفاس ينتظر كارثة جديدة حتى يلتفت المسؤولون إلى حياته.. ؟ إلى متى يظل الشاب يواجه البطالة وضيق المعيشة بمفرده وتظل الأسرة تلاحق احتياجاتها اليومية وسط ارتفاع الأسعار وتدهور الدخل ويظل المريض يحمل حقيبته وجواز سفره باحثًا في دولة أخرى عن علاج لم يجده في وطنه..؟ وما قيمة المؤسسات والوزارات والقيادات إذا ظل المواطن عاجزًا عن الحصول على أبسط حقوقه في الغذاء والعلاج والعمل والحياة الكريمة؟ إنها أسئلة يطرحها الشارع اليوم بقوة أمام مجلس القيادة الرئاسي والحكومة وكل الجهات المسؤولة عن إدارة الدولة.
لسان حال المواطن اليمني اليوم لا يطالب بالمستحيل بل يريد دولة يشعر بوجودها عندما يمرض وعندما يجوع وعندما تضيق به الحياة. يريد مستشفى يعالجه داخل بلاده وفرصة عمل تحفظ كرامته ودخلًا يمكن أسرته من العيش وأجهزة دولة تضع حياته قبل صراعات النفوذ والمصالح. فالمواطن الذي أنهكته سنوات الحرب والأزمات لم يعد يحتمل المزيد من الوعود بينما تتراكم أمامه المآسي من منزل إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى ومن داخل الوطن إلى خارجه.
وما حدث في خورمكسر وما حدث في القاهرة يجب أن يكون دافعًا لمراجعة حقيقية للأولويات لا مادة عابرة للحزن على منصات التواصل الاجتماعي. والسؤال الذي سيبقى مفتوحًا أمام القيادة والحكومة هو: كم مأساة أخرى يحتاجها اليمن حتى تصبح حياة المواطن وكرامته وصحته ومعيشته في مقدمة اهتمامات الدولة..؟