أخبار وتقارير

د. هاني القاسمي: التوقيع على القرار شهادة على مسؤولية صاحبه والقانون لا يُستدعى لتجميل الأخطاء


       

أكد الكاتب السياسي د. هاني بن محمد القاسمي أن كفاءة المسؤول في إدارة الدولة لا تُقاس بكثرة القرارات التي يصدرها وإنما بقدرته على إصدار القرار الصحيح في الوقت الصحيح مستندًا إلى القانون ومحكومًا باللوائح ومدركًا أن المنصب العام ليس مساحة للاجتهاد المنفلت ولا مجالًا لتجريب المزاج الشخصي على مؤسسات الدولة وحقوق الناس.

 

وقال القاسمي إن المسؤول الذي لا يقرأ القانون قبل أن يوقّع ولا يراجع اللائحة قبل أن يقرر ولا يقدّر تبعات ما يصدر عنه لا يصنع حلولًا بقدر ما يصنع مشكلات مؤجلة.

 

وأوضح الكاتب السياسي أن القرار قد يبدو في لحظته نافذًا بحكم السلطة لكنه قد يتحول لاحقًا إلى عبء على المؤسسة وإحراج للحكومة ومسؤولية شخصية على من اتخذه.

 

وأشار د. هاني القاسمي إلى أن الدولة لا تُدار بالنوايا ولا تُحمى بحسن التبرير بعد وقوع الخطأ وإنما تُدار بقواعد واضحة واختصاصات محددة ومسؤولية لا تسمح للمسؤول بأن ينسب الصواب إلى نفسه ثم يبحث عن شماعة يحمّل عليها الخطأ عندما تتضح آثاره.

 

وأضاف أن هنا تكمن القاعدة الذهبية للإدارة الرشيدة وهي أن يسأل المسؤول نفسه قبل إصدار أي قرار ليس استئناسًا بالرأي بل واجبًا قانونيًا: هل يملك الاختصاص؟ هل يجيز القانون ما يفعله؟ هل تتفق الإجراءات مع اللوائح؟ وما الآثار التي يمكن أن تترتب على هذا القرار؟.

 

وتابع القاسمي أنه إذا غابت هذه الأسئلة عن لحظة التوقيع حضر الارتجال وإذا حضر الارتجال في إدارة الشأن العام أصبحت مؤسسات الدولة تدفع ثمنًا لا علاقة لها بصناعة أسبابه ووجد المسؤول نفسه في مواجهة تبعات لم يحسب لها حسابًا.

 

وأكد الكاتب السياسي أن الأخطر من المسؤول الذي يخطئ هو المسؤول الذي يكابر بعد الخطأ لأن الخطأ الإداري قد يُصحح أما الإصرار عليه فيحوله إلى أزمة والدفاع غير القانوني عنه يوسع نطاقها ومحاولة تحميل الآخرين مسؤولية قرار صدر بتوقيعه لا تعفيه من تبعاته. ولو أنه وقف عند تلك الأسئلة الأربعة قبل التوقيع لما احتاج بعد ذلك إلى تبرير أو دفاع.

 

وشدد د. هاني بن محمد القاسمي على أن احترام القانون ليس قيدًا على المسؤول بل هو الحصانة التي تحميه وتحمي المؤسسة التي يقودها وكلما اتسعت سلطة المسؤول اتسعت معها مسؤوليته وصار واجبه في التثبت والمراجعة والتقيد بالنظم أشد لا أخف.

 

ولفت القاسمي إلى أن هذه الأسئلة ليست رفاهية فكرية بل هي أداة الحماية الأولى قبل أن تتحول السلطة إلى عبء.

 

وقال الكاتب السياسي إنه ليس من الحكمة أن تُدار مؤسسات الدولة بمنطق "نقرر أولًا ثم نبحث عن السند لاحقًا" مؤكدًا أن هذه ليست إدارة وإنما صناعة متواصلة للمخاطر.

 

 

وأضاف أن الاستعانة بالتبريرات الفنية أو الإجرائية بعد صدور قرار معيب لا ينبغي أن تتحول إلى مخرج للهروب من المسؤولية لأن المسؤولية تبدأ من لحظة اتخاذ القرار وتحديدًا من لحظة سؤال النفس عن الاختصاص والمشروعية والإجراءات والآثار وتظل قائمة على من اتخذه ما بقيت آثاره.

 

 

وأكد د. هاني القاسمي أن الدولة في هذه المرحلة لا تحتمل مسؤولًا يخلق مشكلة ثم ينشغل بإثبات أنه لم يكن سببًا فيها مشددًا على أنها بحاجة إلى مسؤول يعرف حدود اختصاصه ويزن قراره قبل توقيعه ويملك شجاعة التراجع حين يكتشف خطأه دون أن يبحث عن خصم سياسي أو موظف أو جهة فنية ليحمّلها ما لا تحتمل.

 

 

وأوضح القاسمي أنه ليس كل ما يستطيع المسؤول فعله يحق له فعله وليس كل قرار يمر إداريًا يكون صحيحًا قانونيًا.

 

 

وأشار الكاتب السياسي إلى أن الأسئلة الأربعة ليست مجرد استرشاد وإنما هي معيار الفصل بين القرار الرشيد والقرار المغامر وبين المسؤول الحريص على مؤسسته والمسؤول الذي يرهنها لمزاجه.

 

 

وقال د. هاني بن محمد القاسمي إن من أراد أن يحفظ موقعه ويحفظ معه هيبة الدولة فعليه أن يتذكر أن التوقيع على القرار ليس مجرد إجراء وإنما هو شهادة على مسؤولية صاحبه عنه وأن الإجابة عن تلك الأسئلة قبل التوقيع هي أقل ما يقدمه المسؤول لوطنه ومؤسسته.

 

 

ودعا القاسمي المسؤولين إلى ألا يكونوا سببًا في خلق المشكلات مؤكدًا أن الدولة أكبر من أن تتحول أخطاء المسؤولين فيها إلى أزمات وأن القانون أكبر من أن يُستدعى بعد وقوع الخطأ لتجميل قرار كان ينبغي ألا يصدر من الأساس.

 

 

واختتم الكاتب السياسي د. هاني بن محمد القاسمي حديثه بالتأكيد على ضرورة أن تكون الأسئلة الأربعة قبل كل توقيع هي بوصلة المسؤول مضيفًا: إن أرشدتك إلى الصواب فأنت المسؤول الذي نحتاج وإن ترددت فيها فاعلم أن القرار مؤجل الخطر وأن الأفضل أن تعيد النظر.