هيئة جرحى الحرب.. هل بدأت الدولة أخيرًا ردّ الجميل لمن دفعوا ثمن المعركة؟






على مدى سنوات الحرب الطويلة، ظل آلاف الجرحى يحملون على أجسادهم آثار المعارك التي خاضوها دفاعًا عن الوطن والجمهورية والدولة. بعضهم فقد أطرافه، وآخرون فقدوا أبصارهم، وكثير منهم فقدوا قدرتهم على ممارسة حياتهم الطبيعية. وبينما كانت المعارك تنتهي في الجبهات، استمرت معارك أخرى أكثر قسوة داخل المستشفيات والممرات الحكومية ومكاتب المسؤولين، بحثًا عن علاج أو مستحقات أو حتى اعتراف رسمي بمعاناتهم.


لهذا لم يكن قرار إنشاء الهيئة العامة لشؤون جرحى الحرب مجرد إجراء إداري عادي أو إضافة مؤسسة جديدة إلى هيكل الدولة، بل يحمل في طياته أبعادًا إنسانية ووطنية وسياسية عميقة، ويعكس اعترافًا رسميًا بأن ملف الجرحى تجاوز منذ سنوات مرحلة المعالجات المؤقتة والحلول الترقيعية، وأصبح قضية وطنية تستوجب مؤسسة متخصصة ومستمرة.


الحقيقة التي يعرفها الجميع أن ملف الجرحى ظل لسنوات موزعًا بين وزارات ولجان وجهات متعددة، ما تسبب في تضارب الصلاحيات وتأخر الإجراءات وضياع الحقوق وتعقيد المعاملات. كان الجريح ينتقل بين وزارة وأخرى ولجنة وأخرى، وفي كثير من الأحيان يجد نفسه أمام أبواب مغلقة أو وعود مؤجلة أو إجراءات لا تنتهي.


وكانت النتيجة أن آلاف الجرحى شعروا بأن تضحياتهم لم تُترجم إلى رعاية حقيقية تليق بما قدموه، رغم أن كثيرًا منهم دفعوا من أجسادهم وأعمارهم وصحتهم ثمنًا لمعارك لم تكن تخصهم وحدهم، بل تخص الوطن بأكمله.


ومن هنا تأتي أهمية الهيئة الجديدة.


فالهدف الأساسي من إنشائها يتمثل في جمع ملف الجرحى تحت مظلة واحدة بدلًا من تشتيته بين جهات متعددة، وإنشاء قاعدة بيانات رسمية دقيقة تشمل جميع الجرحى، ومتابعة علاجهم داخل اليمن وخارجها، وصرف مستحقاتهم وفق آليات واضحة ومنظمة، والعمل على معالجة المشكلات المتراكمة التي عانى منها الجرحى خلال السنوات الماضية.


كما أن الهيئة ستكون مسؤولة عن التنسيق مع الجهات الحكومية المختلفة، وفي مقدمتها وزارات الصحة والدفاع والداخلية، لضمان تقديم الرعاية الطبية والخدمات اللازمة بصورة أكثر فاعلية وتنظيمًا.


وربما يتوقف البعض عند النص الذي يؤكد أن الهيئة "تتمتع بالشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة"، لكن هذه العبارة القانونية تحمل دلالات مهمة للغاية.


فهي تعني أن الهيئة ليست إدارة فرعية صغيرة داخل وزارة ما، وليست لجنة مؤقتة مرتبطة بمزاج المسؤولين أو تغير الحكومات، بل كيان حكومي مستقل يمتلك صلاحياته الإدارية وميزانيته الخاصة، ويستطيع التخطيط والتنفيذ واتخاذ القرارات ضمن اختصاصاته المحددة.



وهذا الاستقلال الإداري والمالي يمنح الهيئة فرصة أكبر للنجاح، ويقلل من التعقيدات البيروقراطية التي كانت تعرقل معالجة ملفات الجرحى في السابق.


لكن الرسالة الأهم في القرار ليست إدارية بقدر ما هي سياسية ووطنية.


فالقرار يعكس إدراكًا رسميًا بأن ملف الجرحى أصبح واحدًا من أكبر الملفات الاجتماعية والإنسانية التي خلفتها سنوات الحرب، وأن تجاهله أو تأجيل معالجته لم يعد ممكنًا.


كما أنه يحمل اعترافًا ضمنيًا بحجم المعاناة التي عاشها الجرحى وأسرهم خلال السنوات الماضية، ومحاولة لوضع إطار مؤسسي دائم يكفل رعاية حقوقهم بعيدًا عن الحلول المؤقتة والوعود الموسمية.


غير أن نجاح الهيئة لن يقاس بقرار إنشائها أو بمبناها الإداري أو بلوائحها التنظيمية، بل بما ستنجزه على أرض الواقع.



فالجرحى لا ينتظرون بيانات صحفية أو احتفالات رسمية، بل ينتظرون علاجًا حقيقيًا، ومستحقات منتظمة، ورعاية صحية مستدامة، وفرصًا للاندماج في المجتمع والحياة الاقتصادية بعد أن غيّرت الحرب مسار حياتهم بالكامل.


وإذا تمكنت الهيئة من إنهاء معاناة الجرحى مع الإجراءات المعقدة، وتسريع العلاج، وضمان الحقوق، وتوفير الرعاية اللازمة، فإنها ستكون واحدة من أهم المؤسسات التي أُنشئت خلال سنوات الحرب وما بعدها.


أما إذا تحولت إلى مجرد إطار بيروقراطي جديد يضاف إلى قائمة المؤسسات دون أثر ملموس، فإن الجرحى سيجدون أنفسهم أمام عنوان جديد للمشكلة بدلًا من أن يكون عنوانًا للحل.


إن الدول تُقاس بمدى وفائها لمن ضحوا من أجلها. والجرحى ليسوا مجرد أرقام في كشوفات أو ملفات في الأدراج، بل رجال ونساء دفعوا من صحتهم وأجسادهم ثمنًا لمعارك الوطن.


ولهذا فإن إنشاء الهيئة العامة لشؤون جرحى الحرب يمثل فرصة تاريخية لإعادة الاعتبار لهذه الشريحة، ورد جزء من الدين المستحق لها، وتحويل سنوات المعاناة إلى مرحلة جديدة عنوانها الرعاية والإنصاف والوفاء.


فالمعركة الحقيقية لم تعد في الجبهات فقط، بل في قدرة الدولة على أن تثبت أن من ضحوا لأجلها لن يُتركوا وحدهم بعد انتهاء صوت الرصاص.