هل كان الاستعمار «إطلالة»؟!
علي العميم
يختزل أنيس فريحة في دراسته «الفكر العربي: مشكلته»، كما مرّ بنا، الحضارةَ الغربية بما يسميه «روح المسيحية الإنجيلية». والعرب في دراسته هذه هم العرب المسلمون.
في هذه السطور المقتبسة من دراسته يذكر أسباب عدم تفهم العرب المسلمين لهذه الروح المزعومة للحضارة الغربية، التي أفضت، حسب تنظيره، إلى العجز عن تفهم الحضارة الغربية:
«عند أطل الغرب على الشرق، أطل عليه بأشكال مختلفة. ولكن الشكل الرئيسي الماثل كان المسيحية، ولكن مسيحية تختلف کثیراً عن مسيحية الأقليات التي أخضعها العرب، وضموا ديارها إلى الرقعة الإسلامية. كان العربي المسلم ينظر إلى مسيحية هذه الأقليات نظرة عطف، عطف القوي على الضعيف. فلم يكن ينتظر من العرب عندما أطل عليهم الفكر الغربي، أن يفهموا هذه الناحية منه، روح المسيحية. وذلك لأسباب عديدة. منها أن المسلم ينظر إلى جميع الأديان أنها أحط درجة من الإسلام، لأن الإسلام خاتمة الأديان، ففيه القول الفصل. أضف إلى هذا أن الإسلام كان ينظر إلى المسيحية بكثير من التخوف والحذر، إذ لم يستطع أن يوفق بين تصرف المسيحيين ومبادئ المسيحية. ومتى استحوذ العداء والخوف على العقول حجبا كل مقدرة على التفهم والنفاذ إلى ما وراء الظاهر. ولذا ظلت المسيحية أمراً مجهولاً غامضاً. وها هي المسيحية كانت ولا تزال في نظر العربي هجوماً اقتصادياً واستعماراً، وأسلوباً في الحكم يخالف النظرة الثيوقراطية التي يأخذ بها، ولذا أشاح ببصره عنها، ولم يرَ ضرورة في تفهمها».
على قصر الخطاطة الزمنية التي أرّخ فيها أنيس فريحة لجهل المسلمين بالمسيحية إلّا أنها حوت مغالطات وتضارباً في المعلومات.
في مرحلة زمنية طويلة، كما زعم، استنكف العرب المسلمون عن التعرف إلى المسيحية الشرقية لأنها كانت مسيحية «أقليات»، فكانوا ينظرون إليها نظرة شفقة، شفقة القوي على الضعيف!
بعد مضي ما يزيد على العقد قليلاً على إنشاء دولة الإسلام في المدينة نشبت حروب بين المسلمين و«أكثريات» مسيحية شرقية وغربية دامت لقرون طوال. وتاريخ هذه الحروب التي يرجع تاريخ أقدم معركة فيها إلى عام 13هـ/ 634م، تاريخ معروف ومشهور. هذه «الأكثريات» هي الإمبراطورية البيزنطية والإمبراطورية الرومانية المقدسة ومملكة القوط الغربيين وسواها من ممالك وإمارات مسيحية.
وأيام الحملات الصليبية أقيمت في ديار الإسلام ممالك وإمارات مسيحية لاتينية.
وعلى صعيد آخر ومختلف، وهو النزاع العقدي، والذي محوره عند المسلمين الدفاع عن الديانة الإسلامية والطعن في الديانة المسيحية، ومحوره عند المسيحيين الدفاع عن الديانة المسيحية والطعن في الديانة الإسلامية. فهناك كتب عديدة ألّفها مسلمون ومسيحيون قبل القرون الحديثة، حاول كل واحد منهم فيها أن يدحض ديانة الآخر. وإذا كان النزاع المسلّح مع العالم المسيحي بدأه العرب المسلمون، فالمجادلة الدينية بدأها المسيحيون. ويتوزع المسيحيون الذين خاضوا مجادلات دينية مع الإسلام، ما بين بيزنطيين ولاتين وعرب مسيحيين. من الأسماء الإسلامية التي خاضت مجادلات دينية مع المسيحية: الجاحظ، الباقلاني، القاضي عبد الجبار، الكندي، البلخي، الغزالي، الماتريدي، الجويني، ابن حزم، الشهرستاني، ابن تيمية، القرطبي، الطبري، الوراق.
نأتي الآن إلى المغالطة الثانية، فأقول تعليقاً عليها: إنْ يؤمن المسلمون بأن دينهم هو الدين الحق، فهذه مسألة ليس فيها خاصية أو خصوصية إسلامية ينفرد الإسلام بها، فكل دين يعتقد أهله بأنه هو الدين الحق.
وهذا الإيمان أو الاعتقاد لا يقف حجر عثرة أمام أصحاب العلم فيهم أن يتعرفوا إلى معتقدات الدين الآخر من مصادره الصحيحة والسليمة.
في المسيحية إن لم تؤمن بأن المسيح ابن الله الحي، لا يمكنك دخول ملكوت الله، ولا نيل الحياة الأبدية. فلا خلاص خارج المسيح ولا خلاص خارج الكنيسة.
يشاطر البروتستانت بقية الطوائف المسيحية إيمانهم بأنه لا خلاص خارج المسيح، ويختلفون عنها بأن العضوية في الكنيسة ليست ضرورية للخلاص، ذلك لأنهم يرون أن الخلاص يأتي من الله مباشرة إلى الفرد من خلال إيمانه بالمسيح.
فالمسيحية، كما أراد أن يوهم أنيس فريحة، تحكمها مقولة النسبية، نسبية الأديان، بمعنى أن كل دين يحوي طريق الخلاص.
بعد مرور ما يزيد على العقد بسنوات على نشر دراسة أنيس فريحة، وتحديداً عام 1965، أقر المجمع الفاتيكاني الثاني بـ«إمكانية» خلاص غير المسيحيين.
هذا القرار يخدم قراراً آخر صدر أثناء انعقاد هذا المجمع (عقد هذا المجمع أربع دورات امتدت من عام 1962 إلى عام 1965)، وهو تبني قضية «الحوار بين الأديان». وهذه القضية كان من بين غاياتها محاربة الشيوعية. وللكنيسة البابوية تاريخ بارز في محاربة الشيوعية على مستويات مختلفة منذ الثلاثينيات الميلادية في القرن الماضي.
ومن الوثائق التجديدية والتحديثية التي اتخذها هذا المجمع وثيقة «تبرئة اليهود من دم المسيح»، بحيث لا تكون الإدانة جماعية لهم عبر التاريخ ولا تشمل اليهود المعاصرين. والبواعث على إصدار هذه الوثيقة أتت من خارج الكنيسة البابوية وليس من داخلها.
هذان القراران: إمكانية خلاص غير المسيحيين، وتبرئة اليهود من دم المسيح، لا يحظيان بإجماع مسيحي.
ومن ناحية كاثوليكية، فإن إقرار الكاثوليكية بإمكانية خلاص غير المسيحيين، يصعب على المتأمل أن يأخذه بجدية، فلو كان الإيمان بهذه القناعة صادقاً: لماذا يشقون على أنفسهم بالنضال في سبيل التبشير بالمسيحية الكاثوليكية؟!
المغالطة الثالثة، اعتباره استعمار الغرب العالم العربي، «إطلالة» مسيحية غربية عليه! وقد صمت عن الكيفية التي أطل الغرب فيها على العالم العربي:
هل أطل عبر النافذة أم عبر الشرفة أم عبر الباب بفتحه فجأة ثم إقفاله سريعاً؟ الغاية من «الإطلالة» إما النظر وإما التأمل.
فهل استعمار الغرب للعالم العربي كان مجرد «إطلالة» للنظر في هيئته والتمعن في تقاسيمه والتأمل في حاله: ماذا يصنع؟
لقد استعمل فعل «أطل» ليكون بديلاً لفعل «استعمر». لأن للاستعمار معنى سيئاً من جوانب متعددة. فأورد كلمة «استعمار» في سياق جملة يظهر العربي فيها بأنه موهوم في تصوراته، وذلك حين قال: «وها هي المسيحية كانت ولا تزال في نظر العربي هجوماً اقتصادياً واستعماراً، وأسلوباً في الحكم يخالف النظرة الثيوقراطية التي يأخذ بها».
فالغرب في هذه الجملة ليس مستعمراً، والعالم العربي لم يستعمره الغرب!