الساحل الغربي.. حين يصبح التخوين طلقة في ظهر المقاتل
مطيع سعيد سعيد المخلافي
في الحروب، لا يكفي أن تعرف من يقف في الخندق، الأهم أن تعرف من يقف خلفه، ومن يسانده، ومن يطعن في ظهره وهو يواجه النار.
وهذا ما تكشفه أحداث الساحل الغربي بوضوح: معركة عسكرية تخاض في المتارس، ومعركة أخرى تخاض في الفضاء الإعلامي، حيث تحاول أصوات التشكيك والتخوين أن تفعل ما عجزت عنه الهجمات العسكرية، أن تربك الجبهات وتنال من معنويات المقاتلين وتضرب وحدة الصف الجمهوري.
فبينما كان الرجال يواجهون النيران، كان المرجفون يواجهونهم بالكلمات يهولون من قوة العدو، ويضخمون حشوده وإمداداته، وينشرون الشائعات، ويصنعون من كل تطور ميداني مادة للهلع والإحباط.
لم يكتفِ بعضهم بذلك، بل ذهب إلى تخوين قيادات ومقاتلين يقفون في الخطوط الأمامية، وكأن سنوات الصمود والتضحيات والشهداء والجرحى لا تكفي لإثبات وطنية من اختار المتراس بدل المنصة، والميدان بدل الشاشة.
وفي المقابل، كانت الجبهة تقدم روايتها بنفسها، مقاتلون يثبتون في مواقعهم، ويواجهون موجات الهجوم، ويسقط منهم الشهداء والجرحى، بينما تتساقط أمام صمودهم حسابات الرعب التي حاول البعض ترسيخها في الوعي الجمهوري.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: رجال يدفعون من أعمارهم ودمائهم ثمناً لمواجهة مليشيات الحوثي ومشروعها المدعوم إيرانياً، وآخرون يدفعون باتجاه تفكيك الصف الذي يحمي هؤلاء الرجال.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه أي جبهة ليس سلاح العدو وحده، بل انهيار الثقة في الداخل. وعندما تتحول المنصات الإعلامية إلى ساحات للتخوين، وتصبح الشائعة أقوى من الحقيقة، فإن المعركة تنتقل من مواجهة الخصم إلى استنزاف الذات.
ليس المطلوب أن تتحول القيادات إلى كيانات فوق النقد، ولا أن تُغلق أبواب المساءلة، فالخطأ يُنتقد، والتقصير يُحاسب، والفساد يُكشف. لكن بين النقد المسؤول والتخوين الهدام مسافة لا يجهلها إلا من يريد إشعال الفتنة.
الوطنية ليست شهادة يمنحها مغرد لآخر، ولا صكاً توزعه الحسابات الإلكترونية، ولا بطولة تُقاس بعدد البيانات والمنشورات. الوطنية موقف حين تكون الكلفة باهظة، وتضحية حين يكون الموت أقرب من النجاة.
أما من يعيش بعيداً عن خطوط النار، فليس أقل شأناً إذا دعم المقاتلين بالكلمة الصادقة والمعلومة المسؤولة، لكنه يفقد حقه الأخلاقي حين يجعل من بعده عن الخطر منصة للحكم على من يواجهونه.
لقد آن الأوان ليدرك الجميع أن الكلمة في زمن الحرب ليست مجرد كلمة؛ قد تكون رصاصة ترفع معنويات مقاتل، وقد تكون خنجراً يغرس في ظهره.
إن إستعادة الساحل الغربي وكافة مناطق ومحافظات الجمهورية الواقعة تحت سيطرة المليشات الحوثية لا تحتاج إلى مزيد من المرجفين، بل إلى إعلام يقرأ المعركة بعين الوطن، وإلى خطاب يوحد ولا يفرق، وإلى صف جمهوري يدرك أن خلافاته الداخلية هي المساحة التي يتسلل منها العدوا ويحقق اختراقاته.
فالذين يقفون في المتارس يستحقون أن يجدوا خلفهم وطناً متماسكاً، لا جبهة إعلامية تطاردهم بالتخوين.
ومن أراد أن يخدم اليمن، فليحفظ للمتارس تماسكها، وللشهداء حرمة تضحياتهم، وللمقاتلين حقهم في التقدير، وليوجه غضبه نحو من أشعل الحرب وأطال أمدها، لا نحو من يقف في وجهها.
ففي نهاية المطاف، قد تختلف السياسة، وتتعدد الآراء، وتتباين المواقف، لكن شيئاً واحداً يجب ألا يكون محل مساومة: ألا تتحول الخلافات بين أبناء الوطن إلى انتصار مجاني للعدو.