سقوط المدينة ليس الخبر الأخطر.. الأخطر أن باب المندب دخل الحرب من بوابة المخا
لم تعد المخا مجرد مدينة يمنية على شاطئ البحر الأحمر.
منذ الساعات الأولى لسقوطها في قبضة الحوثيين اليوم، تغيرت دلالة المكان.
فالخبر الذي يبدو للوهلة الأولى خبراً عسكرياً عن مدينة انتقلت من يد إلى أخرى، يخفي وراءه حقيقة أكثر خطورة: الحرب اليمنية التي ظلت لسنوات تبحث عن ميدان جديد، وجدت نفسها فجأة أمام بوابة البحر الأحمر.
وهنا تصبح المخا أكثر من معركة.
تصبح عنواناً لمرحلة.
فإذا كان الحوثيون قد تمكنوا من السيطرة على المخا، وتقدموا على الساحل الغربي باتجاه مناطق وجزر استراتيجية، فإن المسألة لم تعد متعلقة بخريطة الجبهات اليمنية وحدها. إنها تتعلق بمستقبل باب المندب، وبسلامة الملاحة الدولية، وبأمن الطاقة، وبالتوازن السعودي ـ الإيراني، وبالحرب الأميركية ـ الإيرانية التي ألقت بظلالها الثقيلة على المنطقة كلها.
وبكلمة واحدة:
اليمن عاد إلى قلب العاصفة.
لكن هذه المرة، العاصفة ليست فوق صنعاء أو تعز فقط.
إنها فوق البحر.
فوق الممر الذي تمر عبره التجارة والطاقة.
وفوق المضيق الذي يكفي أن يصبح غير آمن حتى تبدأ شركات التأمين برفع أسعارها، وشركات الشحن بتغيير مساراتها، وأسواق النفط بإعادة حساباتها.
ولذلك فإن السؤال الصحيح اليوم ليس:
هل سقطت المخا؟
لقد سقطت وفق ما أكدته مصادر حكومية يمنية وتقارير دولية متطابقة.
السؤال الأخطر هو:
ماذا يعني سقوط المخا في 10 سبتمبر 2026؟
والجواب، ببساطة، أن اليمن دخل مرحلة جديدة من الحرب.
مرحلة يمكن أن تصبح فيها المدينة الساحلية الصغيرة مفتاحاً لصراع أكبر بكثير من اليمن نفسه.
المخا.. حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح
هناك مدن تعيش على الخريطة.
وهناك مدن تصنع الخريطة.
المخا من النوع الثاني.
فموقعها قرب باب المندب يجعلها نقطة اتصال بين الجغرافيا اليمنية والممرات البحرية الدولية. وميناؤها يمنحها قيمة عسكرية ولوجستية تتجاوز حجمها السكاني.
ومن هنا لم تكن السيطرة عليها مجرد تقدم ميداني.
إنها تغيير في هندسة الساحل الغربي.
التقارير المنشورة اليوم تؤكد أن الحوثيين استولوا على المدينة والميناء، فيما تقدمت قواتهم باتجاه مواقع وجزر استراتيجية في البحر الأحمر، الأمر الذي يزيد الضغط على باب المندب.
وهذا هو الجزء الذي ينبغي ألا يضيع وسط ضجيج المعارك.
فالمدينة ليست الهدف الوحيد.
الموقع هو الهدف.
والساحل هو الهدف.
والمضيق هو الهدف الأبعد.
لماذا المخا أخطر من مدينة أخرى؟
لأن سقوط مدينة داخلية قد يغير ميزان القوى في محافظة.
أما سقوط مدينة ساحلية عند بوابة ممر دولي فيمكن أن يغير ميزان القوى في منطقة بأكملها.
المخا تقع على مسافة قريبة من باب المندب، وهو الممر الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
وهنا تظهر قيمة الجغرافيا اليمنية.
اليمن ليس بلداً عادياً في الحسابات البحرية.
إنه يقف على أحد أهم الممرات التي تربط شرق العالم بغربه.
ومن خلال باب المندب تمر حركة تجارية وطاقة ضخمة.
لذلك، عندما تسيطر قوة عسكرية على مناطق قريبة منه، فإن العالم لا ينظر إليها باعتبارها شأناً يمنياً محضاً.
واشنطن تنظر.
الرياض تنظر.
القاهرة تنظر.
طهران تنظر.
شركات الشحن تنظر.
وأسواق النفط تنظر.
وكل طرف يقرأ المشهد من زاوية مختلفة.
لكن الجميع يتفق على شيء واحد:
باب المندب لا يحتمل حرباً طويلة.
من هرمز إلى باب المندب.. الكماشة التي يخشاها العالم
وهنا تصل القصة إلى أخطر مستوياتها.
للمرة الأولى منذ بداية التصعيد الإقليمي الأخير، تتقاطع أزمة مضيق هرمز مع أزمة باب المندب في اللحظة نفسها.
مضيق هرمز في الشرق.
باب المندب في الجنوب الغربي.
وكلاهما بوابة بحرية استراتيجية.
وكلاهما مرتبط بالطاقة والتجارة.
وكلاهما يقع في منطقة تعصف بها الحرب.
وتشير رويترز إلى أن اضطرابات هرمز دفعت السعودية إلى الاعتماد بصورة أكبر على طرق التصدير عبر البحر الأحمر، ما يجعل التهديد لباب المندب أكثر حساسية بالنسبة إلى الرياض وأسواق الطاقة العالمية. كما قفز سعر خام برنت في تعاملات اليوم بنسب ملحوظة مع تصاعد المخاوف بشأن طرق الإمداد.
وهنا تظهر المفارقة المخيفة:
ما كان طريقاً بديلاً عن هرمز قد يتحول إلى جبهة حرب بديلة.
وهذه ليست أزمة يمنية.
هذه أزمة يمكن أن تصل آثارها إلى مضخات الوقود والمصانع والموانئ وأسعار الشحن في دول بعيدة آلاف الكيلومترات عن اليمن.
المخا كـ«خنجر» في خاصرة البحر الأحمر
إذا أراد الحوثيون تحويل المخا إلى قاعدة ثابتة، فإن القيمة الحقيقية للسيطرة عليها لن تكون في المباني أو الشوارع.
ستكون في قدرتهم على الاقتراب أكثر من المجال البحري لباب المندب.
وهنا تصبح المخا أشبه بخنجر جغرافي.
لا يحتاج الخنجر إلى أن يُستخدم حتى يخيف.
يكفي أن يكون في يد من يستطيع استخدامه.
ولهذا فإن مجرد امتلاك موقع قريب من باب المندب يخلق ورقة ردع هائلة.
قد لا يكون الهدف إغلاق المضيق.
وقد لا يكون الهدف منع كل السفن.
لكن يمكن رفع تكلفة المرور.
ويمكن تهديد سفن بعينها.
ويمكن خلق منطقة خطر.
ويمكن إجبار الشركات على إعادة حساباتها.
وهذا وحده يكفي لإحداث اضطراب اقتصادي.
الحوثيون.. من قوة برية إلى قوة بحرية؟
هذه واحدة من أهم التحولات التي يجب مراقبتها.
الحوثيون بدأوا في اليمن كقوة محلية مسلحة، ثم تحولوا إلى قوة تسيطر على صنعاء ومساحات واسعة من شمال البلاد.
لكن السنوات الأخيرة أظهرت تحولاً إضافياً:
تحولهم إلى لاعب يمتلك قدرة على تهديد المجال البحري.
الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر جعلت اسم الجماعة مرتبطاً بأمن الملاحة الدولية.
واليوم تأتي السيطرة على المخا لتضيف إلى هذا النفوذ البحري بعداً جغرافياً.
لم يعد الأمر مجرد صواريخ وطائرات مسيرة تطلق من مناطق بعيدة.
أصبح هناك اقتراب من الساحل.
ومواقع أقرب إلى المضيق.
وجزر وممرات بحرية تدخل الحسابات العسكرية.
وتشير التقارير إلى أن الحوثيين تقدموا باتجاه جزر حنيش، فيما أعادت القوات الحكومية انتشارها جنوباً باتجاه ذباب، الموقع المواجه لجزيرة ميون قرب المضيق.
وهذه ليست تفاصيل ثانوية.
إنها لب المعركة.
الجزيرة الصغيرة التي قد تصبح أكبر من مدينة
في الحروب البحرية، لا تقاس قيمة الجزيرة بحجمها.
تقاس بموقعها.
ولهذا فإن الجزر الواقعة قرب باب المندب قد تكون أهم عسكرياً من مدن كاملة.
إنها نقاط مراقبة.
ومواقع يمكن أن تدعم عمليات بحرية.
ومفاتيح للتحكم في الحركة.
ومن هنا فإن تقدم الحوثيين باتجاه الجزر الاستراتيجية يرفع مستوى المخاطر.
المخا مهمة.
لكن ما يأتي بعدها قد يكون أهم.
لأن السيطرة على سلسلة من النقاط الساحلية والجزر قد تمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على بناء منظومة متكاملة للضغط على البحر.
وهذا تحديداً ما تخشاه القوى الإقليمية.
سقوط المخا.. ضربة ليست عسكرية فقط
على الطرف الآخر من المعادلة، هناك خسارة أكبر من فقدان مدينة.
القوات الحكومية وحلفاؤها بنت خلال سنوات وجوداً عسكرياً وسياسياً مهماً على الساحل الغربي.
وكانت المخا مركزاً لهذا الوجود.
ولهذا فإن فقدانها يمثل ضربة لمشروع كامل.
تقارير اليوم تشير إلى أن القوات الحكومية أعادت تنظيم صفوفها جنوب المدينة، وأن القيادة العسكرية للقوات المناهضة للحوثيين أقرت بانسحاب استراتيجي لإعادة التجميع بعد الخسائر التي تكبدتها.
وهنا تظهر مشكلة القيادة.
الانسحاب التكتيكي قد يكون قراراً عسكرياً سليماً.
لكن عندما يأتي بعد سقوط مركز استراتيجي، يصبح السؤال السياسي أكثر إلحاحاً:
هل كان الانسحاب مخططاً، أم أن الخطوط الدفاعية انهارت أسرع من المتوقع؟
الفرق بين الاحتمالين كبير.
لأن الأول يعني إعادة تموضع.
والثاني يعني انهيار منظومة.
والأيام المقبلة ستكشف أيهما حدث.
طارق صالح.. معركة بقاء وليست معركة مدينة
بالنسبة إلى طارق صالح، قائد القوات المرتبطة بالمقاومة الوطنية على الساحل الغربي، فإن المخا ليست مجرد موقع.
إنها قاعدة المشروع.
إنها المدينة التي ارتبط اسمه بها سياسياً وعسكرياً.
ولهذا فإن فقدانها يفرض عليه أصعب اختبار منذ صعوده كلاعب رئيسي في المشهد اليمني.
هل يستطيع إعادة بناء قوته جنوباً؟
هل يستطيع الحفاظ على تماسك قواته؟
هل يمكنه استعادة المبادرة؟
وهل سيكون قادراً على منع سقوط مواقع أخرى؟
هذه الأسئلة ستحدد ليس فقط مستقبل الساحل، وإنما مستقبل موقع طارق صالح داخل معادلة السلطة اليمنية.
فالحرب اليمنية لا تكافئ الضعف.
وفي النظام السياسي القائم على توازنات القوى، فإن خسارة الأرض تتحول سريعاً إلى خسارة نفوذ.
الرياض.. المشكلة التي لا يمكن تأجيلها
أما السعودية، فليس لديها رفاهية مراقبة المشهد من بعيد.
المخا ليست بعيدة عن حسابات أمنها القومي.
بل إن التطورات الحالية جاءت في لحظة شديدة الحساسية.
السعودية تواجه تهديدات صاروخية وطائرات مسيرة من الحوثيين، بينما تحتاج في الوقت نفسه إلى الحفاظ على تدفق صادراتها عبر مسارات بحرية بديلة بعد اضطراب هرمز.
رويترز نقلت أن الحوثيين أعلنوا حصراً بحرياً يستهدف السفن السعودية، وأن هجماتهم الأخيرة طالت مناطق ومنشآت في جنوب المملكة، فيما تحاول أطراف إقليمية احتواء التصعيد.
وهذا يعني أن الرياض تواجه معضلة مزدوجة:
إذا ضربت الحوثيين بقوة، قد تتوسع الحرب.
وإذا لم تضرب، فقد تتسع مساحة النفوذ الحوثي.
وبين الخيارين تقف اليمن.
مرة أخرى.
هل تعود السعودية إلى الحرب؟
السؤال موجود في كل عاصمة خليجية اليوم.
لكن العودة إلى نموذج 2015 ليست سهلة.
فالحرب تغيرت.
والحوثيون تغيروا.
والمنطقة تغيرت.
والتكلفة تغيرت.
وحتى السعودية نفسها تغيرت.
اليوم لدى الرياض مشروع اقتصادي ضخم يحتاج إلى الاستقرار، ولديها حسابات دولية معقدة، ولديها رغبة معلنة في إنهاء الحرب اليمنية.
لكن سقوط المخا قد يفرض عليها معادلة جديدة.
فالأمن القومي لا ينتظر دائماً الدبلوماسية.
وعندما يقترب الخطر من الممرات البحرية والطاقة، يصبح هامش المناورة السياسية أضيق.
إيران.. هل انتقلت المعركة إلى مرحلة جديدة؟
لا يمكن قراءة التطورات من دون إيران.
التقارير المنشورة اليوم تتحدث عن توجيه ودعم إيراني للحوثيين خلال التقدم الأخير، مع استمرار طهران في نفي أنها تتحكم بالجماعة.
لكن حتى لو وضعنا جانباً سؤال «من يصدر الأوامر؟»، يبقى سؤال أكثر أهمية:
من يستفيد من النتيجة؟
الجواب واضح جغرافياً.
أي تقدم حوثي نحو باب المندب يمنح إيران وحلفاءها ورقة ضغط إضافية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
وهذا يعني أن اليمن يتحول أكثر فأكثر إلى جزء من شبكة صراع إقليمي.
لم يعد الصراع:
حوثيون ضد حكومة.
بل أصبح شبكة من الصراعات المتداخلة:
إيران ضد خصومها.
السعودية ضد تهديد حدودها.
الولايات المتحدة ضد النفوذ الإيراني.
إسرائيل ضد شبكة حلفاء إيران.
والحوثيون في قلب هذه الشبكة.
وهنا تكمن المأساة.
اليمن.. البلد الذي يدفع الفاتورة
كلما ارتفعت قيمة اليمن الاستراتيجية، انخفضت قدرة اليمنيين على التحكم بمصيرهم.
هذه هي المفارقة الأكثر قسوة.
اليمن يمتلك باب المندب.
لكن اليمنيين هم آخر من يقررون أحياناً ماذا يحدث حوله.
الموانئ تتحول إلى أهداف.
الجزر إلى قواعد.
الطرق إلى خطوط إمداد.
والمدن إلى أوراق تفاوض.
وفي النهاية يدفع المدنيون الثمن.
التقارير الدولية اليوم تتحدث عن نزوح سكان من مناطق القتال، وعن عودة العنف على نطاق واسع بعد سنوات من الهدوء النسبي، بينما تقدر تقارير أخرى أن عدد الضحايا خلال أيام التصعيد الأخيرة بلغ مستويات كبيرة.
وهكذا تصبح المخا قصة عسكرية على شاشات العالم.
لكنها بالنسبة لأسرة يمنية قصة بيت فقدته.
ولطفل قصة مدرسة أغلقت.
ولمريض قصة مستشفى لم يعد قادراً على العمل.
وهذا هو الوجه الذي تختفي ملامحه عندما تتحول الحرب إلى خرائط وأسهم حمراء.
الحرب التي توقفت لم تنتهِ
منذ هدنة 2022، عاش اليمن حالة غريبة.
لا حرب شاملة.
ولا سلام.
لا تسوية نهائية.
ولا عودة إلى المعارك الكبرى.
كان الجميع يعرف أن خطوط النار لم تختفِ.
لقد تجمدت فقط.
وكان السؤال:
متى يذوب الجليد؟
يبدو أن 2026 قدم الإجابة.
لقد عاد التصعيد.
لكن في ظروف مختلفة.
المنطقة نفسها تعيش حرباً أكبر.
والممرات البحرية أكثر هشاشة.
والأسواق أكثر حساسية.
والحوثيون أكثر خبرة.
والحكومة اليمنية أكثر انقساماً.
وهكذا فإن عودة الحرب الآن قد تكون أخطر من الحرب القديمة.
المخا تكشف أزمة الشرعية قبل أزمة الجبهة
لا ينبغي اختزال المشكلة في الأداء العسكري.
هناك سؤال سياسي أعمق:
لماذا لم تتمكن السلطة اليمنية المعترف بها دولياً من بناء قوة موحدة قادرة على حماية أهم مناطق البلاد؟
هذا السؤال مؤلم، لكنه ضروري.
لأن القوات التي قاتلت الحوثيين على مدى سنوات ظلت موزعة بين تشكيلات ومراكز قوى متعددة.
كل طرف لديه حساباته.
كل طرف لديه داعموه.
كل طرف ينظر إلى اليمن من زاوية مختلفة.
والنتيجة أن الخصم المركزي يستطيع أحياناً استثمار الانقسامات أكثر مما يستثمر قوته الذاتية.
وهذه ليست مشكلة عسكرية.
إنها مشكلة دولة.
لا أحد ينتصر في اليمن بهذه الطريقة
حتى الحوثيون، إذا تمكنوا من السيطرة على المخا والساحل، لن يحصلوا على اليمن كله.
السيطرة على الأرض ليست السيطرة على الدولة.
والسيطرة على الميناء ليست السيطرة على الاقتصاد.
والسيطرة على الساحل ليست السيطرة على المجتمع.
بل إن التوسع العسكري قد يحمل في داخله مشكلة مستقبلية.
كلما اتسعت مساحة السيطرة، اتسعت تكلفة إدارتها.
وكلما اقتربت القوات من مناطق جديدة، زادت احتمالات المقاومة.
وكلما أصبح الموقع أكثر أهمية، أصبح هدفاً أكثر قيمة للضربات.
وهذه هي مفارقة الانتصار العسكري:
كل انتصار يفتح أحياناً باباً لخصم جديد.
ماذا يريد الحوثيون من المخا؟
ثلاثة احتمالات تبدو أكثر منطقية.
الأول: استخدام المخا كورقة تفاوضية.
أي السيطرة عليها ثم طرحها في أي تسوية مستقبلية كأصل من أصول القوة.
الثاني: استخدامها كمنصة للضغط البحري.
أي تعزيز القدرة على تهديد السفن أو مراقبة الحركة البحرية.
الثالث: مواصلة التقدم جنوباً باتجاه باب المندب.
وهذا هو السيناريو الأخطر.
لكن حتى الآن، لا ينبغي الجزم بأن الهدف النهائي هو إغلاق المضيق أو السيطرة الكاملة عليه.
فالتقارير نفسها تشير إلى أن الحوثيين أعلنوا أن الملاحة آمنة لمعظم السفن، مع استثناء السفن السعودية من التهديد، ما يدل على استخدام البحر كأداة ضغط انتقائية أكثر من كونه محاولة فورية لإغلاق الممر أمام الجميع.
وهذا تكتيك أكثر ذكاءً من الإغلاق الكامل.
لأنه يسمح باستخدام التهديد دون تحمل كل تبعاته الدولية.
لماذا قد يكون «الخطر الجزئي» أخطر من الإغلاق؟
لأن الإغلاق الكامل يستدعي رداً دولياً واسعاً.
أما التهديد المحدود فيترك مساحة للإنكار والمناورة.
سفينة تتعرض لهجوم.
شركة توقف رحلاتها.
شركة أخرى تغير مسارها.
التأمين يرتفع.
أسعار النفط ترتفع.
ثم تبدأ السوق بالتكيف.
هذه حرب اقتصادية بلا إعلان حرب.
وهذا بالضبط ما يمكن أن يجعل البحر الأحمر يعيش سنوات من عدم الاستقرار حتى من دون معركة بحرية شاملة.
العالم لا يخشى اليمن.. يخشى اقتصاد اليمن
المفارقة أن القوى الكبرى قد تستطيع التعامل مع حرب يمنية.
لكنها لا تريد أزمة تجارة عالمية.
قد تستطيع الولايات المتحدة ضرب مواقع عسكرية.
وقد تستطيع السعودية تنفيذ غارات.
وقد تستطيع إيران تزويد حليفها بالسلاح.
لكن لا أحد يستطيع بسهولة إلغاء الجغرافيا.
وباب المندب ليس موقعاً يمكن تجاوزه بلا تكلفة.
يمكن للسفن أن تدور حول رأس الرجاء الصالح.
لكن الرحلة تصبح أطول.
والوقود أغلى.
والتأمين أعلى.
والسلاسل التجارية أبطأ.
وفي عالم يعتمد على «الوقت» مثلما يعتمد على النفط، فإن كل يوم إضافي في البحر له ثمن.
النفط هو أول من يتحدث
أسواق الطاقة لم تنتظر نهاية المعركة.
قفزت أسعار النفط اليوم مع تصاعد المخاوف حول طرق الإمداد. رويترز أشارت إلى ارتفاع برنت بنحو 4% في إحدى مراحل التداول، فيما أفادت تقارير أخرى بارتفاعات أكبر مع اتساع المخاوف.
وهذا مؤشر مهم.
السوق لا تنتظر الصاروخ.
السوق تتحرك عند الخوف من الصاروخ.
وهذه هي قوة الجغرافيا الاستراتيجية.
يمكن أن تسيطر على ميناء صغير في اليمن، فتتحرك أسعار الطاقة في نيويورك ولندن وسنغافورة.
هكذا أصبح العالم مترابطاً.
وهكذا أصبحت المخا أكبر من المخا.
مصر في قلب المعادلة
هناك دولة عربية أخرى لا تستطيع تجاهل ما يحدث:
مصر.
لأن باب المندب هو المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
وأي اضطراب طويل في الملاحة يعني تأثيراً محتملاً على حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس.
وهذا يضع القاهرة أمام معادلة أمنية واقتصادية دقيقة.
فكل انخفاض في حركة الملاحة عبر البحر الأحمر يمكن أن ينعكس على إيرادات القناة.
وبالتالي فإن معركة المخا لا تمس السعودية وحدها.
إنها تمس مصر أيضاً.
وتمس دول القرن الأفريقي.
وتمس أوروبا.
وتمس آسيا.
وهنا مرة أخرى:
اليمن يتحول إلى مركز عالمي للأزمة.
باب المندب ليس ملكاً لمن يقترب منه
وهنا يجب الحذر من قراءة عسكرية مبالغ فيها.
السيطرة على المخا لا تعني تلقائياً السيطرة على باب المندب.
المضيق له جغرافيا مختلفة.
وهناك مواقع أخرى بالغة الأهمية، بينها ذباب وميون.
وتشير التقارير إلى أن القوات الحكومية تتحرك جنوباً باتجاه ذباب، فيما تتجه الأنظار إلى جزيرة ميون باعتبارها نقطة رئيسية في أمن المضيق.
إذن:
المخا مفتاح، لكنها ليست الباب كله.
وهذا يعني أن المعركة القادمة، إذا استمرت، قد تكون أعنف من معركة المدينة نفسها.
السؤال العسكري الحاسم: هل يتوقف الحوثيون؟
قد يكون هذا أهم سؤال في الساعات المقبلة.
إذا توقف الحوثيون عند المخا، فقد يكون الهدف قد تحقق: كسب ورقة استراتيجية ضخمة وفرض شروط جديدة.
أما إذا واصلوا التقدم، فإن قواعد اللعبة ستتغير.
كل كيلومتر جنوباً يعني اقتراباً أكثر من باب المندب.
وكل جزيرة تدخل في دائرة السيطرة تعني قدرة بحرية أكبر.
وكل موقع جديد يسقط يعني أن الحكومة وحلفاءها سيضطرون إلى إعادة توزيع قواتهم.
وهكذا يمكن أن تتحول عملية واحدة إلى سلسلة انهيارات.
وهذا هو السيناريو الذي تخشاه القوى المناهضة للحوثيين.
هل يستطيع الجنوب الصمود؟
هنا تنتقل المعركة من المخا إلى عدن.
ليس بالضرورة عسكرياً فوراً.
بل سياسياً.
إذا انهارت الجبهة الغربية، فإن الضغط على الجنوب سيزداد.
وإذا زادت الضغوط على الجنوب، ستظهر الخلافات بين القوى المناهضة للحوثيين.
ومن هنا يمكن أن يستفيد الحوثيون من شيء لا يحتاجون إلى إطلاق رصاصة واحدة من أجله:
الانقسام داخل خصومهم.
فالحرب اليمنية أثبتت أن الحوثيين لا يقاتلون دائماً قوة واحدة.
بل مجموعة قوى.
وهذه إحدى أهم نقاط قوتهم.
المعركة الحقيقية في غرف القيادة
قد يبدو أن المعركة تُحسم في الخنادق.
لكن جزءاً كبيراً منها يُحسم في غرف القيادة.
من يتخذ القرار؟
من يمول؟
من يرسل السلاح؟
من يحدد الأولويات؟
من يقرر متى ينسحب؟
ومن يقرر متى يفاوض؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد مستقبل المخا أكثر من عدد الدبابات الموجودة في شوارعها.
والسؤال الأهم:
هل تستطيع القوى المناهضة للحوثيين الاتفاق على استراتيجية واحدة؟
إذا كان الجواب لا، فإن المخا قد تكون بداية سلسلة خسائر جديدة.
أما إذا اتحد الخصوم...
فإن المعادلة تتغير.
فالسيطرة الحوثية على المخا ليست بالضرورة غير قابلة للعكس.
لكن استعادتها تحتاج إلى قوة منظمة، وقيادة موحدة، ودعم إقليمي، وخطة واضحة.
ولا يمكن استعادة مدينة استراتيجية بمجرد الرغبة في استعادتها.
تحتاج إلى بناء منظومة عسكرية وسياسية متماسكة.
وهذا تحديداً هو التحدي.
المفاوضات.. هل انتهى زمنها؟
ليس بالضرورة.
بل ربما تبدأ المفاوضات الآن من مكان أكثر صعوبة.
الطرف الذي يسيطر على المخا يدخل أي تفاوض وهو أقوى.
والطرف الذي فقدها يدخل وهو أضعف.
وهذا يعني أن كل رصاصة على الساحل اليوم لها سعر سياسي غداً.
ولهذا فإن المعركة قد تكون في جوهرها محاولة لتحسين شروط التفاوض.
وهذه ليست فكرة جديدة في الحروب.
السيطرة على الأرض هي العملة التي تُستخدم على طاولة السلام.
لكن هناك خطاً أحمر
الخط الأحمر هو باب المندب.
فإذا تحولت المعركة إلى محاولة لإغلاق المضيق أو جعل المرور الدولي مستحيلاً، فإن التدخل الدولي سيكون شبه حتمي.
لن تسمح القوى الكبرى بسهولة بأن يصبح واحد من أهم الممرات البحرية رهينة لصراع محلي.
وهنا قد يحدث ما لم يحدث في مراحل الحرب السابقة:
انتقال الصراع اليمني من حرب إقليمية إلى أزمة أمن دولي مباشرة.
وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث.
المخا.. المدينة التي عادت إلى التاريخ
للمخا قصة أقدم من الحرب.
هي المدينة التي أعطت اسمها للقهوة في أنحاء العالم.
كانت في زمن سابق بوابة اليمن التجارية إلى الخارج.
وكان اسمها مرتبطاً بالبُن والتجارة والسفن.
واليوم تعود إلى العالم بطريقة مختلفة تماماً.
ليس عبر أكياس البن.
بل عبر صواريخ وطائرات مسيرة وسفن حربية.
يا لها من مفارقة.
مدينة صنعت شهرة اليمن برائحة القهوة، تعود لتصنع أخباره برائحة الحرب.
وهذه الجملة تختصر مأساة بلد كامل.
بلد كان يمكن أن يكون جسراً بين القارات، فأصبح جسراً للصراعات.
ماذا لو اتسعت الحرب؟
السيناريو الأسوأ ليس مستحيلاً.
قد تتوسع المواجهات من الساحل إلى تعز.
وقد تتحرك الجبهات في اتجاهات جديدة.
وقد تدخل السعودية بقوة أكبر.
وقد يرد الحوثيون باستهداف منشآت سعودية.
وقد تتدخل الولايات المتحدة.
وقد تتحول البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة مباشرة.
وهنا ستصبح اليمن مرة أخرى مركز حرب إقليمية.
لكن هذه المرة في منطقة عالمية الحساسية أكثر من أي وقت مضى.
ماذا لو بقيت المخا تحت سيطرة الحوثيين؟
سيكون ذلك انتصاراً استراتيجياً كبيراً لهم.
لأنه يمنحهم عمقاً ساحلياً جديداً.
ويعزز موقعهم التفاوضي.
ويقربهم من باب المندب.
ويضع خصومهم تحت ضغط إعادة الانتشار.
ويمنحهم ورقة جديدة في أي تفاوض حول مستقبل اليمن.
أما إذا تمكنوا من مواصلة التقدم نحو مناطق المضيق، فستتضاعف قيمة المكسب.
وماذا لو استعادتها الحكومة؟
ستكون ضربة قوية للحوثيين.
لكنها لن تنهي الحرب.
وستظل الأسئلة نفسها قائمة:
من يحكم اليمن؟
من يسيطر على الموانئ؟
كيف توحد القوات؟
كيف ينتهي الصراع؟
ومن يدفع تكلفة إعادة الإعمار؟
لهذا فإن استعادة المخا، حتى لو حدثت، ليست نهاية القصة.
إنها مجرد فصل.
الحقيقة التي لا يريد أحد سماعها
لا الحوثيون يستطيعون ابتلاع اليمن كله.
ولا خصومهم يستطيعون هزيمتهم بسهولة.
ولا السعودية قادرة على إدارة حرب بلا نهاية.
ولا إيران تستطيع تحويل اليمن إلى دولة تابعة بلا مقاومة.
ولا الولايات المتحدة تستطيع حل المشكلة اليمنية بالصواريخ.
ولا المجتمع الدولي يستطيع إعادة بناء الدولة من الخارج.
إذن ماذا بقي؟
التسوية.
لكن التسوية تحتاج إلى توازن.
والتوازن يحتاج إلى قناعة لدى جميع الأطراف بأن الحرب أصبحت أكثر تكلفة من السلام.
وقد تكون معركة المخا هي اللحظة التي تجعل هذا الحساب ضرورياً.
لا تجعلوا المخا مقدمة لليمن الجديد
اليمن اليوم أمام فرصة أخيرة لمنع تحول الساحل الغربي إلى نسخة جديدة من ساحات الحرب الإقليمية.
إذا استمر التصعيد، فقد يصبح البحر الأحمر ساحة دائمة للصراع.
وإذا تحول باب المندب إلى ورقة عسكرية مستمرة، فقد يخسر اليمن ما تبقى من اقتصاده.
وإذا أصبحت الموانئ أدوات حرب، فلن يكون هناك اقتصاد يمكنه تمويل السلام.
وهذا هو الخطر الحقيقي.
ليس سقوط مدينة.
بل سقوط فكرة الدولة.
الافتتاحية الأخيرة: من يملك المخا لا يملك اليمن
هناك وهم يجب إسقاطه.
وهو أن السيطرة على المخا تعني السيطرة على اليمن.
