باب المندب كشف عورة العرب



نحن العرب لم نخسر باب المندب في يوم واحد خسرنا قبل ذلك جزءا من قدرتنا على حماية أمننا، حين تحولت أزمات دولنا إلى ساحات مفتوحة للتنافس، وأصبح إضعاف الدولة أسهل من بناء مؤسساتها. في العراق، أدى ضعف الدولة وتعدد مراكز القوة إلى اتساع نفوذ الفاعلين الخارجيين؛ وفي لبنان، تحولت الانقسامات الداخلية وتعدد مراكز القرار إلى باب دائم للتدخل والنفوذ؛..وفي اليمن، وصل الأمر إلى ساحل باب المندب نفسه، حيث لم يعد الموقع الاستراتيجي تحت قرار دولة موحدة قادرة على حمايته. اختلفت الظروف بين البلدان الثلاثة، لكن النتيجة واحدة: كلما تراجع حضور الدولة، تقدم الآخرون لملء المساحة التي تركتها.


وبكل حسره اقولها بأننا نجحنا بأن نكون أقوياء في الخصومة مع بعضنا، وضعفاء في حماية مصالحنا المشتركة. تفرقنا، وصرنا أدوات في صراعات الآخرين، وانشغلنا بما بيننا حتى بدت خلافاتنا أحيانا كأنها تآمر على بعضنا، بينما كانت دولنا تتآكل من الداخل. وفي الوقت الذي كانت فيه دول أوروبية، رغم خلافاتها، تبني اتحادًا يقوم على المصالح المشتركة والتكامل والتضامن، ظل العرب عاجزين عن تحويل القرب الجغرافي والمصالح المتشابكة إلى قوة تحمي أمنهم.


ولم يكن الاتحاد الأوروبي بلا أزمات أو خلافات، لكنه بنى مؤسسات وآليات للتعاون، وقدم دعمًا اقتصاديًا للدول والمناطق الأقل نموا داخل منظومته. أما نحن، فتركنا دولا عربية تواجه أزماتها منفردة، ثم فوجئنا بأن الفراغ الذي تركناه لم يبقى فارغا..


والمشكلة أننا لم نحسن استخدام ما نملكه من جغرافيا وثروات ومصالح مشتركة لبناء قوة تحمي أمننا. ولهذا فإن ما حدث في باب المندب هو نتيجة لمسار أطول تراجعت فيه الدولة وتقدم النفوذ، وتقدمت الخصومة على المصلحة، وأصبح بعضنا جزءا من صراعات الآخرين بدل أن يكون صاحب قرار في حماية أمنه.


نحن من أضعفنا أنفسنا قبل أن يقوى علينا الآخرون. بانقسامنا وخلافاتنا وتنافسنا الداخلي، منحنا إيران وغيرها مساحة أكبر للتحرك في المنطقة، وتراجع معها الدور العربي في ملفات أساسية، وفي مقدمتها فلسطين. لم تكن خسارتنا نتيجة قوة الآخرين وحدها، وانما نتيجة ضعف قدرتنا على حماية مصالحنا والعمل كدول ومجموعة واحدة.


واليوم يأتي باب المندب ليضع النتيجة أمامنا بوضوح. هذا الموقع الذي يمثل جزءا أساسيا من أمن اليمن والأمن العربي، أصبح مرتبطا بصراع إقليمي ودولي، لأن الدولة اليمنية لا تملك وحدها القرار الكامل على ساحله، ولأن العرب لم ينجحوا في بناء موقف يحمي مصالحهم المشتركة.

وإن لم نعد إلى الصواب، ونتفق على حماية مصالحنا، ونشد أزر بعضنا، فلن يتوقف النزيف عند باب المندب. ستتراجع قدرتنا على حماية مواقعنا ومصالحنا واحدًا بعد آخر، بينما يملأ الآخرون كل مساحة نتركها لهم.


وتأكدوا أن باب المندب لن يكون آخر ما نخسره إذا بقي خلافنا أقوى من قدرتنا على حماية مصالحنا.