نحن أمة أذلّت نفسها بيديها
محمد المسبحي
أمريكا لديها مشروعها، وإيران لديها مشروعها، وتركيا وغيرها من الدول تتحرك وفق مصالحها وحساباتها. قد نختلف مع هذه المشاريع وقد نرفض بعضها، لكننا لا نستطيع إنكار حقيقة أساسية: هذه الدول تعرف ماذا تريد، وتبني أدواتها للوصول إليه.
أما نحن العرب، فالمأساة أننا كثيراً ما ندخل إلى السياسة بلا مشروع واضح، ونخرج منها بخسائر فادحة.
نمتلك الأرض والثروات والموقع الجغرافي والتاريخ والطاقات البشرية، لكننا نعجز عن تحويل هذه الإمكانات إلى قوة مشتركة. نختلف على النفوذ قبل أن نبني النفوذ، ونتنافس على ما هو قائم بدلاً من أن نتعاون على صناعة ما ينقصنا.
والأخطر من خلافاتنا أن يتحول الخلاف السياسي إلى رغبة في إفشال الآخر. فإذا نجح مشروع عربي في دولة عربية، بحث بعض العرب عن طريقة لإفشاله، وإذا تقدمت دولة، تعامل معها آخرون باعتبار أن تقدمها تهديد لهم، وكأن نجاح العربي خسارة للعربي الآخر.
هنا تكمن الحقيقة: فالخصوم لا يحتاجون دائماً إلى إسقاطنا؛ يكفي أن يتركوا خلافاتنا تعمل نيابة عنهم.
فنحن لا نعيش في عالم تحكمه النوايا الحسنة. الدول تتحرك وفق مصالحها، وتبني تحالفاتها، وتستثمر في الاقتصاد والتكنولوجيا والسلاح والإعلام والموانئ والطاقة والممرات البحرية. ومن لا يملك مشروعه، يتحول تلقائياً إلى مساحة لمشاريع الآخرين.
فلا تنظروا إلى الموانئ والطرق والجزر والطاقة والإعلام كأشياء متفرقة.. انظروا إليها كمفاتيح للقوة والسيادة. من يملك الميناء يتحكم في بوابة، ومن يسيطر على الطريق يتحكم في شريان، ومن يمسك الجزيرة يمتلك موقعاً يغيّر حسابات البحر، ومن يتحكم بالطاقة يستطيع أن يضغط على حياة الناس واقتصادهم، ومن يملك الإعلام يستطيع أن يصوغ الرواية التي تسبق الحقيقة.
بينما ننشغل نحن بالسؤال..من يتبع من.. ومن انتصر على من.. ومن حصل على منصب.. ومن أُقصي..تتقدم مشاريع أخرى بهدوء، وتبني حضورها على الأرض.
هنا ليس المطلوب أن يتفق العرب في كل شيء. فهذا غير واقعي. الاختلاف بين الدول طبيعي، وتباين المصالح أمر لا يمكن إلغاؤه. لكن المطلوب أن نتعلم الفرق بين الخلاف الذي يحمي المصلحة الوطنية، والخلاف الذي يهدم المصلحة العربية المشتركة.
يمكن لدولتين عربيتين أن تختلفا سياسياً، لكنهما تتعاونان في التجارة والطاقة والأمن والملاحة. ويمكن أن تتنافسا اقتصادياً دون أن تتحول المنافسة إلى حرب صفرية. ويمكن لكل دولة أن تحمي مصالحها دون أن تجعل من إضعاف جارتها هدفاً دائماً.
المشكلة ليست في أن يكون لكل دولة مشروعها الوطني ولكن المشكلة حين يصبح غياب المشروع العربي المشترك فرصة مفتوحة للآخرين.
ولعل اليمن واحد من أكثر الأمثلة قسوة على هذه الحقيقة. بلد يمتلك موقعاً استثنائياً عند باب المندب، وسواحل طويلة، وجزر وموانئ وموارد وقدرات بشرية، ومع ذلك تحولت جغرافيته إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع الآخرين، بينما لا يزال اليمنيون والعرب يدفعون ثمن غياب رؤية متماسكة لحماية هذه المصالح.
وهنا يجب أن نكون صريحين. لا يمكن أن نلوم الخارج على كل شئ بينما نرفض الاعتراف بأن جزءاً من أزمتنا صنعناه بأيدينا.
فحين تتقدم الانقسامات على الدولة، وتسبق الحسابات الضيقة المصلحة العامة، وتصبح الخصومة الداخلية أقوى من الخطر الخارجي، فإننا نقدم لخصومنا ما لا يستطيعون الحصول عليه بالقوة.
لقد آن الأوان لأن نعيد تعريف معنى القوة العربية.
فهنا، القوة ليست في عدد القمم، ولا في رفع الشعارات، ولا في تبادل الاتهامات. القوة هي أن تمتلك الدول العربية مصالح مشتركة تدافع عنها، واقتصاد يتكامل، وأمن إقليمي يحميها، وشبكات طاقة ونقل وتجارة تربطها، وموقف يحفظ سيادتها على مواقعها الاستراتيجية.
فالعالم لا ينتظر أن نتفق على كل شيء. لكنه يتعامل بجدية مع من يعرف مصالحه ويمتلك أدوات الدفاع عنها.
ولذلك، لا نكرر السؤال القديم الذي يقول: من خصمنا..!!
السؤال الأهم هو: ما مشروعنا نحن...!!!
لأن الأمة التي لا تضع مشروعها بنفسها، سيضع الآخرون لها أدوارها. والأمة التي تهدر قوتها في صراعاتها الداخلية، ستجد نفسها عاجزة عن حماية مصالحها حين يأتي الاختبار الحقيقي.
وتأكدوا أن أمريكا لديها مشروعها، وإيران لديها مشروعها، وتركيا لديها حساباتها، وكل دولة تبحث عن موقعها ومصلحتها.
أما نحن، فلا يجوز أن يبقى أكبر مشروع يجمعنا هو إفشال بعضنا.
فأقسى هزيمة أن نمنح خصومنا القدرة على هزيمتنا بأيدينا.