في محراب الهارش أقم الصلاة
المحامي مختار راجح
كتب المستشار والباحث مختار راجح
لم تكن المفاجأة الكبرى لي يوم التقيتُ الدكتور قاسم عمر الهارش، مدير عام الأمن العام بمحافظة أبين، أن أجد أمامي رجلًا يتولى منصبًا أمنيًا فحسب؛ بل كانت المفاجأة أن أجد عقلًا أمنيًا يمشي على قدمين، وتجربةً تتحدث قبل أن يتحدث صاحبها، وشخصيةً جمعت بين هيبة الموقع وبساطة الرجل.
لقد كتبتُ من قبل، وبصراحةٍ لا تعرف المجاملة، عن كثير مما أثار في نفسي الاستياء تجاه واقعنا الأمني؛ وما كتبته لم يكن خصومةً مع شخص، ولا بحثًا عن بطولةٍ في النقد، وإنما كان وجعًا على وطن، وحرصًا على مؤسسةٍ نريد لها أن تكون في مقام المسؤولية.
ثم جاءت دعوته لي، فكان اللقاء الذي أعاد ترتيب كثير من الصور في ذهني.
وجدتُ أمامي رجلًا بسيط المظهر، عميق التكوين، هادئ الحضور، واسع الإصغاء، يحمل خلفه تأهيلًا أكاديميًا أمنيًا لا يُستهان به، ويملك من القدرة على قراءة الواقع ما يجعل حديثه متجاوزًا لحدود المكتب والمنصب إلى فضاء التجربة والمعرفة.
والأجمل من ذلك كله أنني وجدته يسمع.
والاستماع عند المسؤول ليس فضيلةً عابرة؛ إنه أول أبواب الحكمة.
يسمع أبناء أبين، ويتلقى النصيحة، ويفتح أبواب النقاش، ولا يتعامل مع الرأي المخالف بوصفه خصومة، بل بوصفه مادةً يمكن أن تُبنى عليها رؤية أمنية أكثر نضجًا.
وهنا أدركتُ أن بعض الرجال لا تعرف قيمتهم من وراء الأوراق، ولا من خلال ما يُقال عنهم، وإنما تعرفهم حين تجلس إليهم.
الهارش ليس مجرد مدير أمن؛ الهارش في تكوينه الأكاديمي والتجريبي أقرب إلى أكاديمية أمنية قائمة بذاتها.
في حديثه ترى أثر الدراسة، وفي نظرته ترى أثر التجربة، وفي طريقته في الاستماع ترى رجلًا يدرك أن الأمن لا يُبنى بالصوت المرتفع، وإنما ببناء الثقة، وفهم المجتمع، ومعرفة حدود السلطة، وإدراك أن رجل الأمن لا يكون قويًا حين يفرض حضوره على الناس، بل حين يجعل القانون حاضرًا في نفوسهم قبل أن يكون حاضرًا في أيدي رجاله.
لقد رأيت فيه شخصيةً تجمع بين الصرامة التي يحتاجها الأمن، والمرونة التي يحتاجها المجتمع، والمعرفة التي تحتاجها القيادة.
وهذه معادلة نادرة.
فالرجل الأمني الذي لا يعرف المجتمع قد يتحول الأمن في يده إلى جدار، والرجل الذي يعرف المجتمع ولا يعرف القانون قد يتحول إلى مجاملة، أما من يجمع القانون بالمعرفة، والمعرفة بالتجربة، والتجربة بحسن الاستماع، فإنه يستطيع أن يصنع من المؤسسة الأمنية جسرًا بين الدولة والمجتمع.
وهنا تكمن قيمة الهارش.
إنني اليوم، وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أكتبها لأنني دُعيت إلى لقاء، ولا لأنني التقيت مسؤولًا، ولا لأن المجاملة تفرض نفسها؛ فأنا أعرف جيدًا أن القلم الذي ينتقد حين يرى الخلل يجب أن يعرف كيف ينصف حين يرى الكفاءة.
لقد وجدتُ رجلًا يحمل فكرة، لا مجرد رتبة؛ ويحمل مشروعًا، لا مجرد وظيفة؛ ويملك قابليةً لأن يسمع ويتعلم ويطوّر، وهي صفات لا تصنعها المكاتب ولا تمنحها المناصب.
ومن أجمل ما رأيت فيه أن السلطة لم تنتزع منه بساطة الإنسان.
فجلسنا نتحدث، فإذا بالموقع خلف الرجل، وإذا بالإنسان أمامك.
وهذه هي الهيبة الحقيقية؛ أن تستطيع أن تكون كبيرًا في موقعك دون أن تكون متكبرًا على الناس.
يا دكتور قاسم الهارش، يا رفيق درب الأمن والعمل الوطني في أبين:
قد أختلف معك في فكرة، وقد أنتقد أداءً، وقد أضع أمامك ملاحظةً قاسية حين أرى أن المصلحة العامة تستوجب ذلك؛ لكنني حين أرى رجلًا يستمع، ويتعلم، ويبحث، ويملك تأهيلًا أمنيًا وأكاديميًا، فإن كلمة الحق تقتضي أن أقول:
لقد رأيت فيك ما يستحق أن يُقال.
ولذلك، فإن أبين لا تحتاج إلى أمنٍ يقوم على القبضة وحدها، ولا إلى مسؤولٍ يسمع صدى نفسه؛ إنها تحتاج إلى عقل أمني يفهم طبيعة المجتمع، ويعرف القانون، ويقرأ الواقع، ويستمع إلى الناس، ثم يحوّل المعرفة إلى عمل.
وفي هذا الميدان، يبدو الهارش صاحب مشروع قابل للبناء عليه.
فإذا كان الأمن علمًا، فقد حمل الرجل أدواته.
وإذا كان الأمن تجربةً، فقد حمل شيئًا منها.
وإذا كان الأمن أخلاقًا قبل أن يكون قوة، فإن أول الطريق فيه أن تسمع لمن يخالفك كما تسمع لمن يوافقك.
وهذا ما رأيته.
في محراب الهارش أقم الصلاة؛
لا صلاةَ المديح الأعمى، ولا صلاةَ المجاملة العابرة، وإنما صلاةُ الإنصاف حين تكتشف أن وراء المنصب رجلًا يستحق أن يُقرأ بعينٍ أخرى.
فبعض الرجال تُعرَف قيمتهم من مناصبهم،
وبعضهم يمنحون المناصب شيئًا من قيمتهم.
والهارش، كما رأيته، من الصنف الثاني.
كتبها قلمٌ عرف طريق النقد،
فلما رأى موضع الإنصاف لم يتردد في قوله.
تأليف وبحث: المستشار والباحث مختار راجح