أخبار وتقارير

قرار توحيد الإيرادات اليمنية بين البنك المركزي والمحافظات: اختبار حقيقي لشرعية الدولة


       

قال الدكتور عارف محمد عباد السقاف إن اليمن يشهد اليوم واحدة من أعقد المراحل في تاريخه المالي والإداري، حيث تقف الحكومة أمام مفترق طرق حاسم يتعلق بمصير الشرعية الاقتصادية ومبدأ وحدة القرار المالي بين المركز والمحافظات. وأضاف أن القرار الذي أصدره مجلس القيادة الرئاسي ورئيس مجلس الوزراء بتوريد جميع عائدات المؤسسات الإيرادية، وفي مقدمتها الجمارك، إلى البنك المركزي في العاصمة المؤقتة عدن، يُعد نقطة تحول كبرى في مسار الإصلاح الاقتصادي المنشود، مؤكدًا أنه يمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الدولة على استعادة سيطرتها على المال العام بعد سنوات من الفوضى والتشظي المالي التي أدت إلى تفاقم الأزمات وتآكل الثقة في المؤسسات الرسمية.

وأشار إلى أن القرار من حيث المبدأ يأتي لتوحيد الإيرادات العامة وضمان إدارتها بشفافية وفق الموازنة العامة للدولة، بدلاً من بقائها مشتتة في حسابات متفرقة داخل السلطات المحلية أو الجهات النافذة التي استغلت ضعف الدولة لتحويل المال العام إلى مصدر نفوذ سياسي واقتصادي. وأوضح أن هذه الخطوة تشكل ركيزة أساسية لإعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس مركزية منظمة، ولتفعيل الرقابة والمساءلة المالية، واستعادة الدولة لدورها كمحرك للتنمية وممول أساسي للرواتب والخدمات العامة.

تابع الدكتور عارف قائلاً إن التحدي الأكبر الذي برز فور صدور القرار تمثل في تمرد بعض السلطات المحلية، وعلى رأسها السلطة المحلية في محافظة المهرة، التي رفضت تنفيذ التوجيهات الحكومية، بل وذهبت إلى حد تهديد العاملين في مصلحة الجمارك بالفصل من العمل إن هم التزموا بتوريد الإيرادات إلى البنك المركزي. وأضاف أن هذا السلوك لا يمثل مجرد مخالفة إدارية، بل يعكس بوضوح حجم الانقسام المؤسسي وغياب سلطة الدولة الفعلية في بعض المحافظات، مؤكدًا أنه يُعد مواجهة صريحة مع قرارات القيادة العليا، واختبارًا حقيقيًا لقوة المجلس الرئاسي وقدرته على فرض النظام المالي الموحد على كامل الرقعة الجغرافية التي يفترض أنها تحت سيطرة الحكومة الشرعية.

أشار إلى أن تداعيات هذا التمرد لا تتوقف عند حدود المهرة، بل تنذر بانتشار عدوى الفوضى المالية إلى محافظات أخرى قد تحذو حذوها، موضحًا أن ذلك سيؤدي إلى إجهاض أي جهود لتوحيد الإيرادات العامة وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. وأضاف أن استمرار السلطات المحلية في التحكم بالإيرادات دون رقابة مركزية سيعني ببساطة استمرار العجز المالي، وتأخير صرف الرواتب، وتعطيل الخدمات الأساسية، واستفحال الفساد المالي والإداري الذي يبتلع الموازنات دون أن ينعكس على حياة الناس.

وقال إن النجاح في تنفيذ هذا القرار سيمثل نقطة انطلاق حقيقية نحو الإصلاح المالي، إذ سيتيح للحكومة لأول مرة منذ سنوات إدارة مواردها بصورة شفافة ومنضبطة، ويعزز قدرتها على وضع سياسات نقدية فعالة للحد من التضخم واستقرار سعر الصرف. وأوضح أن نجاح القرار سيعيد الثقة للمؤسسات المالية الدولية والداعمين الإقليميين الذين يشترطون وجود منظومة مالية موحدة قبل تقديم أي دعم مباشر، مؤكدًا أنه يمنح الدولة القدرة على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء الاقتصاد المستدام.

تابع بالقول إن فشل تطبيق القرار ستكون نتائجه كارثية على أكثر من صعيد، حيث سيعمّق حالة الانقسام المؤسسي، ويقوّض شرعية الحكومة أمام الداخل والخارج، ويكرس نموذج “السلطات المالية المستقلة” في المحافظات، ما يعني فعليًا تفكك الدولة اقتصادياً حتى لو بقيت موحدة شكلياً. وأضاف أن ذلك سيؤدي إلى تآكل الإيرادات المركزية وتراجع الإنفاق على القطاعات الحيوية، الأمر الذي سيدفع البلاد نحو مزيد من التدهور الاقتصادي والاجتماعي.

وقال الدكتور عارف إن وراء هذا التمرد تقف قوى سياسية واقتصادية نافذة تدرك أن تطبيق القرار يعني نهاية نفوذها المالي داخل المحافظات. وأشار إلى أن هذه القوى ترى في الإصلاح المالي تهديداً مباشراً لمصالحها، لذلك تدفع نحو العصيان والإرباك لشل القرار من الداخل، وتراهن على استمرار الفوضى المالية لتغذية الغضب الشعبي، وإضعاف الحكومة، ودفع الشارع نحو القبول بأي تسوية سياسية تُعيد ترتيب المشهد وفق مصالحها وليس وفق المصلحة الوطنية.

وأضاف أن القرار المالي الأخير لا يمكن النظر إليه كإجراء إداري فحسب، بل كمعركة سيادية تمس كيان الدولة ووجودها، مؤكدًا أن الصراع حول الإيرادات هو في جوهره صراع على من يملك سلطة القرار، ومن يحدد وجهة المال العام. وأوضح أنه إما أن تنتصر الدولة وتستعيد مركزيتها المالية، أو ينتصر منطق الفوضى وتستمر الدويلات المالية المحلية التي تموّل نفسها على حساب المصلحة العامة.

قال في ختام تحليله إن الحسم في هذا الملف لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة وطنية لإنقاذ ما تبقى من الدولة اليمنية، مؤكدًا أن المعركة ليست على الأموال فقط، بل على مفهوم الدولة ذاته، على هيبة القانون ومكانة المؤسسات، وأن النتيجة الحاسمة لهذه المواجهة ستحدد ما إذا كانت الشرعية قادرة فعلاً على إصلاح اقتصادها وإعادة ثقة المجتمع المحلي والدولي بها، أم أنها ستتراجع أمام نفوذ مراكز القوى لتغرق البلاد أكثر في دوامة الانقسام والتدهور.

وأضاف أنه إما أن ينتصر منطق الدولة وتُدار الإيرادات بسيادة وعدالة، أو أن يستمر العبث الذي ينهك ما تبقى من مواردها، ويحوّل الوطن إلى جزر مالية متصارعة لا يجمعها سوى الانهيار المشترك.