أزمات صحية متداخلة في اليمن بين تفشي الحصبة وشلل الأطفال ومعاناة مرضى الأمراض الوراثية
تتسع دائرة المخاوف الصحية في اليمن مع استمرار تسجيل إصابات بأمراض يمكن الوقاية منها عبر اللقاحات بالتزامن مع تفاقم معاناة المصابين بالأمراض الوراثية المزمنة في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي وسط تحذيرات من أن تراجع الخدمات الصحية ونقص الأدوية الأساسية يهددان حياة آلاف الأطفال والمرضى.
وتشير تقديرات ومعلومات صادرة عن مصادر طبية وعاملين في القطاع الصحي اليمني إلى أن الحصبة وشلل الأطفال عادا ليمثلا تحديا صحيا متزايدا خلال السنوات الأخيرة في وقت تواجه فيه المرافق الصحية ضغوطا متصاعدة بسبب نقص الإمكانات وتراجع برامج الوقاية والرعاية الطبية.
وحذر تيسير السامعي مسؤول الإعلام الصحي في محافظة تعز من تفاقم الوضع الصحي في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين مؤكدا أن المعلومات الواردة من مصادر طبية هناك تفيد باستمرار ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات الناتجة عن الحصبة في ظل غياب بيانات رسمية دقيقة وصعوبة الوصول إلى الإحصاءات الصحية.
وأوضح السامعي أن تقديرات متداولة تتحدث عن آلاف الإصابات ومئات الوفيات المرتبطة بالحصبة في تلك المناطق وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجه القطاع الصحي خصوصا مع تراجع أنشطة التحصين الروتيني وحملات التطعيم الموسعة.
وفي المقابل أظهرت بيانات صحية في المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية تسجيل نحو 12 ألفا و791 حالة حصبة مشتبه بها خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري بينها 71 حالة وفاة وتصدرت محافظة حضرموت المحافظات من حيث عدد الإصابات والوفيات تلتها تعز ثم عدن.
ويرى مختصون يمنيون أن هذه الأرقام تعكس استمرار خطورة المرض رغم توفر لقاحات فعالة وآمنة قادرة على الحد من انتشاره مؤكدين أن الحصبة لا تزال من أكثر الأمراض المعدية تأثيرا على الأطفال خصوصا في البيئات التي تشهد ضعفا في معدلات التحصين.
ويشير عاملون في القطاع الصحي اليمني إلى أن انتشار الشائعات والمعلومات المضللة التي تروج لها جماعة الحوثي حول اللقاحات أسهم في إحجام بعض الأسر عن تحصين أطفالها وهو ما أدى إلى اتساع فجوة المناعة المجتمعية وعودة ظهور أمراض كانت تحت السيطرة خلال سنوات سابقة.
وتتجاوز تداعيات تراجع التحصين مرض الحصبة لتشمل أمراضا أخرى أبرزها شلل الأطفال الذي كان اليمن قد أعلن خلوه منه عام 2006 قبل أن تعود حالات الإصابة إلى الظهور مجددا خلال الأعوام الأخيرة.
وبحسب السامعي فقد سجلت البلاد خلال السنوات الثلاث الماضية نحو 450 إصابة بشلل الأطفال مع وجود تقديرات بوجود حالات أخرى لم يتم اكتشافها أو الإبلاغ عنها كما تركزت غالبية الإصابات في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين نتيجة تعثر حملات التحصين وصعوبة وصول الفرق الصحية إلى بعض المناطق.
ويؤكد مختصون أن المحافظات الواقعة تحت إدارة الحكومة لم تسجل إصابات جديدة بشلل الأطفال خلال عامي 2025 و2026 وهو ما يعد مؤشرا على أهمية استمرار حملات التطعيم في الحد من انتشار المرض.
ولا تقتصر المخاوف على الحصبة وشلل الأطفال فحسب إذ تتهم الحكومة اليمنية والجهات الصحية جماعة الحوثي بمواصلة حملات مناهضة اللقاحات وهو ما أسهم بحسب تلك الجهات في عودة انتشار أمراض أخرى مثل الكزاز والدفتيريا والسعال الديكي وهي أمراض يمكن الوقاية منها عبر برامج التحصين المنتظمة.
وبالتوازي مع أزمة الأمراض الوبائية تتفاقم معاناة آلاف المرضى المصابين بالأنيميا المنجلية والثلاسيميا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين نتيجة نقص الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية اللازمة لاستمرار العلاج.
وفي أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء تعيش أم محمد معاناة يومية مع طفلها البالغ من العمر 12 عاما والمصاب بالأنيميا المنجلية فمع كل نوبة ألم حادة تهاجم عظامه ومفاصله تبدأ رحلة البحث عن دواء أو كيس دم يخفف من معاناته وسط نقص متكرر في المستشفيات وارتفاع أسعار الأدوية في الصيدليات الخاصة.
وتقول أم محمد إن التحدي لم يعد مقتصرا على المرض ذاته بل أصبح مرتبطا بالحصول على العلاج والرعاية الطبية مشيرة إلى أن الأسرة تضطر أحيانا إلى الانتظار أياما قبل توفير بعض الأدوية أو المستلزمات المطلوبة.
وتعكس هذه القصة واقع آلاف المرضى في صنعاء وإب والحديدة وذمار وغيرها من المحافظات حيث يعتمد المصابون بالأنيميا المنجلية والثلاسيميا على متابعة طبية مستمرة وعمليات نقل دم دورية وأدوية متخصصة للحد من المضاعفات الصحية.
لكن كثيرا من المراكز الطبية التي تقدم هذه الخدمات تعاني من نقص حاد في الأدوية الأساسية لا سيما العلاجات المستخدمة لخفض تراكم الحديد الناتج عن عمليات نقل الدم المتكررة إضافة إلى محدودية توفر أكياس الدم والفحوصات المخبرية الضرورية.
وفي محافظة إب يضطر والد طفلة مصابة بالثلاسيميا إلى قطع مسافات طويلة شهريا للوصول إلى مركز صحي يقدم خدمات نقل الدم ويقول إن بعض الرحلات تنتهي دون حصول ابنته على الجرعة اللازمة بسبب عدم توفر الدم أو المستلزمات الطبية.
أما في محافظة ذمار فيروي أحد المرضى البالغين معاناته مع النوبات المؤلمة التي قد تستمر لساعات أو أيام موضحا أن غياب الأدوية أو تأخر الحصول على أكياس الدم يؤدي إلى تفاقم حالته الصحية ويزيد من معاناة أسرته.
وتكشف مصادر طبية يمنية عن ازدياد أعداد المصابين بالأمراض الوراثية في عدد من المحافظات الخاضعة للحوثيين وسط ضغوط متنامية تواجهها المراكز والوحدات الصحية المتخصصة نتيجة محدودية الموارد وضعف الإمكانات.
وتؤكد هذه المصادر أن المرافق الطبية المتبقية لم تعد قادرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة للمرضى خصوصا فيما يتعلق بتوفير الأدوية ومشتقات الدم والخدمات التشخيصية الدورية التي يحتاج إليها المصابون بشكل مستمر.
وكانت تقارير صادرة عن الجهات الصحية التابعة للحوثيين قد أقرت سابقا بتسجيل نحو 465 حالة وفاة مرتبطة بانعدام الأدوية حتى نهاية أكتوبر 2023 إضافة إلى توثيق 700 إصابة جديدة بالأنيميا المنجلية والثلاسيميا خلال العام نفسه.
كما أقرت تلك الجهات بأن نحو 40 ألف مصاب بالأنيميا المنجلية و1500 مريض بالثلاسيميا يواجهون مخاطر متزايدة بسبب نقص الأدوية والعلاجات اللازمة.
ويحذر أطباء يمنيون من أن تأخر العلاج أو انقطاعه قد يقود إلى مضاعفات خطيرة تشمل تلف الأعضاء الحيوية والالتهابات المتكررة وارتفاع احتمالات الوفاة في بعض الحالات خصوصا لدى الأطفال الذين يحتاجون إلى متابعة دقيقة ومستدامة.
ويؤكد مختصون أن الأنيميا المنجلية والثلاسيميا من الأمراض الوراثية المزمنة التي تتطلب رعاية صحية مستمرة وتوفر بنوك دم فعالة وأدوية متخصصة وفحوصات دورية وهي متطلبات بات توفيرها أكثر صعوبة في ظل التدهور المستمر للخدمات الصحية والأوضاع الاقتصادية.