تحررت الأرض.. لكن الدولة لم تتحرر



كيف يمكن لمنطقة تملك النفط والموانئ والمطارات، وتحظى باعتراف دولي ودعم إقليمي، أن تعجز عن توفير كهرباء مستقرة، أو راتب منتظم، أو خدمة عامة يستطيع المواطن أن يثق باستمرارها..!!


هنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة. فمنذ عام 2015، لم تكن مناطق الحكومة المعترف بها دوليا تفتقر إلى الإمكانات. امتلكت مساحة جغرافية واسعة، وموانئ ومطارات، وموارد نفطية وغازية، ومؤسسات حكومية، وسلطات محلية، واعترافا دوليا، ودعما إقليميا ودوليا. ومع ذلك، وبعد أكثر من عشر سنوات، ما زال السؤال الأهم ليس: ماذا نملك؟ بل: ماذا فعلنا بما نملك؟


المشكلة لم تكن دائمًا في ندرة الموارد، وإنما في العجز عن تحويلها إلى قدرة دولة.


في عام 2015 كان الهدف واضحا: وقف سقوط الدولة واستعادة المدن والمؤسسات التي سيطر عليها الحوثيون. استعيدت عدن ومناطق واسعة، وأصبحت المدينة مقرا للحكومة ومركزا سياسيا وإداريا مؤقتا.


لكن المفارقة أن الأرض استعيدت قبل أن تستعاد الدولة.


فالسيطرة على مدينة لا تعني أن مؤسسات الدولة أصبحت صاحبة القرار فيها. الدولة تحتاج إلى جيش موحد، وأمن موحد، وقضاء فعال، ومالية عامة، وسلطة قادرة على فرض القانون وتحصيل الإيرادات وتقديم الخدمات. وهذه المنظومة لم تكتمل.



بدلا من ذلك، نشأت داخل المناطق المناهضة للحوثيين مراكز متعددة للقوة والنفوذ. الحكومة موجودة، والسلطات المحلية موجودة، والقوات والتشكيلات الأمنية موجودة، والقوى السياسية موجودة، لكن القرار لم يعد دائمًا صادرا من مركز واحد.


وهنا بدأ يتآكل الفرق بين الدولة والسلطة.


فالاعتراف الدولي يمنح الحكومة شرعية قانونية وسياسية، لكنه لا يشغّل محطة كهرباء، ولا يدفع راتب موظف، ولا يصلح شبكة مياه، ولا يفرض القانون على قوة مسلحة خارج سلسلة القيادة الرسمية.


لقد امتلكت الشرعية الاعتراف الدولي أكثر مما امتلكت أدوات الدولة.


وكشفت أحداث عدن في أغسطس 2019 عمق هذا الخلل، حين تحولت الخلافات داخل المعسكر المناهض للحوثيين إلى صدام عسكري. وجاء اتفاق الرياض لاحقًا لمحاولة تنظيم العلاقة، لكنه لم يحسم جذور المشكلة، لأن القضية لم تكن مجرد توزيع مناصب، بل تعددا في مراكز القوة والقرار والموارد.



وهنا يبرز السؤال: هل كان اليمن بحاجة إلى اتفاقات جديدة، أم إلى مؤسسات تستطيع تنفيذ الاتفاقات التي يملكها اصلا؟


اقتصاديا، دخلت مناطق الحكومة في دائرة مغلقة. الحرب أضعفت الإنتاج، فتراجعت الإيرادات، وزاد الاعتماد على الخارج، ثم جاءت صدمات النفط والعملة والتضخم لتجعل الحكومة منشغلة بتدبير اليوم التالي بدل بناء اقتصاد السنوات المقبلة.


اليمن بلد فقير، لكنه ليس بلدا بلا موارد. لديه النفط والغاز والموانئ والثروة السمكية والموقع الجغرافي والمنافذ البحرية. لكن الموارد لا تصنع دولة إذا لم تمر عبر مؤسسات شفافة وقواعد واضحة لإدارتها وتوزيعها.


وتوقف صادرات النفط منذ 2022 كشف هشاشة المالية العامة، وطرح سؤالا أكبر: لماذا لم تُبنَ خلال سنوات الحرب منظومة إيرادات بديلة تحمي الدولة من الاعتماد المفرط على مورد واحد؟


المشكلة إذن ليست دائمًا نقص الموارد، وإنما ضعف القدرة على إدارتها.



والانقسام الاقتصادي أصبح صورة أخرى من صور الانقسام السياسي. أسعار صرف مختلفة، ومؤسسات نقدية متنافسة، وسياسات مالية غير موحدة، ومواطن يرى الانقسام السياسي في سعر السلعة التي يشتريها.


حتى الريال اليمني أصبح أكثر تعبيرا عن الانقسام من كثير من البيانات السياسية.


وإذا أردت أن تعرف الفرق بين وجود الحكومة ووجود الدولة، فلا تبحث في الخطابات الرسمية انظر إلى فيشة الكهرباء.


الكهرباء هي الاختبار الأكثر قسوة للدولة، لأنها تحتاج إلى الوقود والمحطات والشبكات والاستثمار والتحصيل والصيانة والإدارة والرقابة والأمن والتخطيط. وعندما يعيش المواطن في مدينة ساحلية حارة وينتظر ساعات طويلة لعودة التيار، بينما يسمع عن مشاريع ومنح وخطط، تبدأ ثقته بالدولة في التآكل.


الأمر نفسه ينطبق على المياه والصحة والتعليم. فحين تصبح الخدمة مرتبطة بمشروع أو منحة أو تدخل إنساني بدل مؤسسة حكومية قادرة على الاستمرار، فإن الدولة لا تعالج المشكلة، بل تؤجلها.



والأخطر أن خسارة التعليم لا تشبه خسارة طريق أو محطة كهرباء؛ فالطريق يمكن إصلاحه، والمحطة يمكن إعادة تأهيلها، لكن السنوات التي يقضيها طفل خارج المدرسة لا يمكن استعادتها.


وعسكريا، تمكنت مناطق الحكومة من منع الحوثيين من السيطرة على كامل البلاد والحفاظ على مناطق استراتيجية مهمة، لكن القوة العسكرية لا تصبح قوة دولة إلا عندما تخضع لسلسلة قيادة واحدة.

وتختصر حضرموت مأزق الموارد والعلاقة بين المركز والمحافظة. فالمشكلة ليست في مطالبة المحافظة بحقوقها، ولا في حاجة الحكومة إلى الإيرادات، وإنما في غياب قواعد مستقرة وواضحة لتقاسم الثروة. وعندما تغيب القاعدة، يصبح النفط سياسيا قبل أن يكون اقتصاديا.


أما مأرب فتقدم مثالا على ما يمكن أن تفعله الإدارة المحلية عندما تتوافر لها مساحة من الاستقرار والموارد، بينما تكشف تعز الوجه الآخر حين تتداخل الحرب والانقسام والحصار مع غياب الدولة.


والدرس من الحالتين واضح: الإدارة المحلية القادرة تستطيع أن تصنع فارقا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تعوض غياب الدولة الوطنية.


بعد أكثر من عشر سنوات، لم تعد المشكلة مجرد أخطاء منفردة، بل تراكمات: تعدد مراكز القوة، وغياب المشروع السياسي الموحد، وضعف المؤسسات أمام النفوذ المحلي والعسكري، والاعتماد على الدعم الخارجي، وغياب الإصلاح المؤسسي العميق، وتحول إدارة الأزمات اليومية إلى بديل عن التخطيط.


وهنا تظهر السخرية اليمنية الثقيلة: كلما اشتدت الأزمة تشكلت لجنة، وكلما تعقد الملف عقد اجتماع، وكلما تدهورت الخدمة أعلنت خطة، ثم تأتي الأزمة التالية لتثبت أن المشكلة لم تكن نقص الخطط، بل غياب القدرة على تنفيذها ومحاسبة من يفشل.


والسؤال الأكثر حساسية هو: من المستفيد من بقاء الدولة في هذه المنطقة الرمادية؟


فحين تضعف المؤسسات، تتسع مساحة شبكات المصالح والاقتصادات غير الرسمية والجبايات والولاءات المحلية. ولا يعني ذلك اتهام كل مسؤول أو كل قوة بالفساد، لكنه يعني أن الدولة الضعيفة تخلق بيئة يستفيد منها من يعمل خارج قواعدها.


ولهذا فإن بناء الدولة ليس مجرد إصلاح إداري؛ إنه إعادة توزيع للقرار والموارد والنفوذ، ولذلك فإن مقاومة الإصلاح الحقيقي أمر متوقع.


وربما نحتاج إلى إعادة تعريف «التحرير» نفسه.


فالتحرير العسكري يعني إخراج قوة مسلحة من أرض، أما تحرير المواطن فيعني أن يتحول الأمن إلى قانون، والموارد إلى تنمية، والميناء إلى إيراد، والنفط إلى كهرباء ومدرسة ومستشفى، والسلطة إلى مؤسسة، والراتب إلى حق منتظم.


وبهذا المعنى، تحررت الأرض، لكن الدولة لم تتحرر بالكامل من منطق الحرب.


بعد أحد عشر عامًا، لم يعد من العدل أن نضع كل إخفاق في خانة الحرب، كما لم يعد من العدل أن ننسب كل نجاح إلى الحكومة. الحرب تفسر الكثير، والتدخلات الخارجية تفسر الكثير، وشح الموارد يفسر الكثير، لكنها لا تفسر كل شيء.


هناك مسؤولية تقع على عاتق السلطة في الإدارة والإصلاح والمحاسبة.

ولهذا يجب أن يتغير معيار النجاح. المواطن لا يريد مزيدا من البيانات والاجتماعات، بل يريد كهرباء مستقرة، وراتباً يصل في موعده، وقضاء يعمل، وأمنا موحدا، وموارد تُدار بشفافية، وميناء ومطارا يتحولان إلى محركين للاقتصاد، وفرصة عمل تغنيه عن التفكير في الهجرة.

هذه هي الدولة التي ينتظرها المواطن.

فصنعاء يمكن أن تُستعاد بعملية عسكرية أو بتسوية سياسية، لكن الدولة لا تُستعاد إلا عندما يصبح القانون أقوى من السلاح، والمؤسسة أقوى من الشخص، والمصلحة العامة أقوى من المحاصصة.


لذلك فإن المعركة القادمة ليست فقط..كيف نستعيد اليمن؟!؛


بل السؤال الأهم.. كيف نبني يمنا يستحق أن يُستعاد؟!!