أخبار المحافظات

جباية وتجويع.. كيف تحول أموال مغتربي بعدان إلى خزان تمويل لمعارك الحوثي؟


       

خلف ضباب جبال بعدان الشاهقة لا تكتفي مليشيا الحوثي بمصادرة الأرض بل تمتد أيديها لتخنق ما تبقى من شرايين الحياة في منازل المواطنين فبينما يرسل المغتربون من أبناء بعدان قوت يومهم لتأمين حياة كريمة لأسرهم المنهكة بفعل الحرب تحولت هذه الحوالات بقدرة قانون الجباية الحوثي إلى رهينة مالية وأداة ابتزاز سياسي وفي هذا التحقيق نكشف بالوثائق والشهادات كيف تعيد المليشيا هندسة اقتصاد الجوع في المديرية محولة دموع الأمهات ولقمة أطفال المغتربين إلى أرقام في دفاتر تمويل معاركهم في عملية سطو ممنهجة لا تترك للعائلات سوى خيارين الرضوخ للابتزاز أو مواجهة المصير المجهول.

 

 

 

ويؤكد أحمد علي وهو صراف محلي في بعدان أن الأمر يتجاوز مجرد تقلبات السوق حيث يعمل الصرافون تحت تهديد سلاح مسلط على أعناقهم كل يوم وتصلهم توجيهات صارمة مما يسمى لجنة المدفوعات التابعة للمليشيا تفرض عليهم تسليم الحوالات الخارجية بالريال اليمني وبسعر صرف لا يمت للواقع بصلة إذ يتم نهب ما لا يقل عن 15% من قيمة الحوالة عند كل عملية صرف وإذا حاول الصرافون الاعتراض أو تطبيق سعر السوق الحر يتهمون مباشرة بالعمل ضد الاقتصاد الوطني وبخدمة العدوان وهي تهمة كفيلة بإغلاق المحل والاعتقال الفوري ليتحول الصرافون إلى جباة أموال يرى الدموع في عيون الأمهات اللواتي يغادرن بمبالغ لا تكفي لشراء نصف ما كان يكفي في السابق.

 

 

 

من جانبه يروي خالد محسن وهو مغترب عاد مؤخرا لزيارة عائلته صدمته بحجم الفوارق الطبقية التي خلقتها هذه الممارسات مبينا أن المليشيا في بعدان لا تكتفي بفرض إتاوات على الحوالات بل استحدثت نظام مراقبة دقيق لأسر المغتربين فكل عائلة تظهر عليها علامات النعمة أو تقوم بترميم منزلها توضع فورا في القائمة السوداء وقد جرى استدعاؤه مرتين من قبل المشرف الحوثي في المديرية تحت ذريعة التبرع للمجهود الحربي حيث يعلمون بدقة حجم التحويلات التي تصله وعدد مرات الاستلام ليتحول الابتزاز إلى أسلوب حياة يهدد سلامة الأطفال في المدارس ويلوح باعتقال الأقارب لجعل كل مغترب ماكينة صرافة إجبارية للمليشيا لشراء أمان هش للأهالي.

 

 

وتشير الباحثة الاجتماعية في إب فاطمة العمري إلى أن الأثر الاجتماعي لعمليات الابتزاز المالي التي تمارسها المليشيا في بعدان يتجاوز الأرقام الاقتصادية ليضرب بنية الأسرة اليمنية في مقتل مع تزايد مخيف في حالات التفكك الأسري والضغوط النفسية التي يعاني منها كبار السن والنساء اللواتي يدرن شؤون حياتهن في غياب المعيل المغترب وعندما يتم اقتطاع أجزاء كبيرة من الحوالات تحت مسميات غير قانونية تعجز الأسرة عن توفير الأساسيات مما يضطر الأطفال لترك مدارسهم والبحث عن أعمال شاقة أو يدفع الأسر للاستدانة من تجار محليين مرتبطين بالمليشيا ليدخلوا في دوامة لا تنتهي من الديون والريبة وخوف المغترب من إرسال الأموال خشية تعرض أهله للاعتقال.

 

 

 

ويوضح أحمد سيف وهو تاجر جملة في مركز مديرية بعدان حجم الحصار الذي يواجهه التجار بين نار الإتاوات الشهرية لدعم المجهود الحربي والتهديد بمصادرة البضائع أو إغلاق المستودعات في حال التأخر وبين علاقة هؤلاء التجار بشركات الصرافة التابعة للمليشيا فعندما يأتي الزبائن لشراء السلع يضطر التجار لرفع الأسعار لأنهم لا يستطيعون تحويل أموالهم إلى العملة الصعبة لاستيراد بضائع جديدة إلا عبر هذه الشركات التي تفرض عمولات خيالية لتبخر حوالات المغتربين بمجرد وصولها واستلامها بسعر صرف مجحف لإنفاقها في سوق مشتعل بالأسعار وسط ركود حاد في الحركة التجارية جراء امتصاص المليشيا للسيولة النقدية من السوق.

 

 

 

وتصف أم محمد وهي ربة أسرة في بعدان الذهاب إلى شركة الصرافة في المديرية بأنه يشبه الذهاب إلى ساحة استجواب حيث يطالبون ببيانات دقيقة ويسألون عن مصدر الأموال ويهددون بأن أي زيادة في المبلغ عن المعتاد تعني وجوب دفع ضريبة إضافية للمشرف وقد أخذوا منها في إحدى المرات جزءا من المبلغ بحجة المساهمة في القافلة الغذائية للمقاتلين دون قدرة على الاعتراض خوفا من البطش لتعيش الأسر على الفتات بمبالغ كانت تغطي الإيجار والمصاريف المدرسية والعلاج وأصبحت اليوم بالكاد تكفي لشراء الدقيق والزيت لعدة أيام وسط مشاعر الإهانة والابتزاز المستمر.

 

 

 

إن ما يحدث في بعدان ليس مجرد عشوائية في إدارة الاقتصاد بل هو سياسة تجويع وتطويع مدروسة تهدف إلى إفراغ المجتمع من أي استقلالية مادية قد تمنحه القدرة على الصمود حيث استبدلت المليشيا البندقية بإيصال الصرف في علاقتها مع المجتمع محولة المغترب اليمني من رافد للاقتصاد الوطني إلى خزان تمويل قسري لخططها التوسعية وإن هذه الجريمة المنهجية التي تستهدف عصب الحياة في بعدان لن تمر دون أثر لأن الشعوب التي تنهب أقواتها وتبتز في أرزاقها تبني في داخلها طاقة غضب لا تبقي ولا تذر وعلى العالم أن يدرك أن كل ريال ينهب من حوالات المغتربين هو رصاصة في جسد السلام وأن استمرار الصمت تجاه هذه الانتهاكات الاقتصادية يعني منح المليشيا صكا مفتوحا للاستمرار في تدمير ما تبقى من حياة في هذه المديرية.