حضرموت بين صراع المكونات واستحقاقات المعاناة: الحقيقة المُرّة



تزداد الأوضاع الاقتصادية والخدمية في البلد سوءاً يوماً بعد يوم، دون أن نرى حراكاً جاداً يُنقذ المواطن من هذه الهاوية. ومؤخراً، أُعلن عن تقديم المملكة العربية السعودية دعماً مالياً للبنك المركزي لتمويل الموازنة وصرف الرواتب، لكن السؤال الأهم: هل سيحدث هذا الدعم تغييراً إيجابياً ملموساً في معيشة وراتب موظف الدولة في الداخل؟


الواقع يخبرنا أن معظم هذه الأموال تذهب -للأسف- إلى جيوب أصحاب "الإعاشة" في العواصم المختلفة، وإلى جيش الدبلوماسيين وأتباع السلطة في الخارج ممن لا تُرجى منهم أي فائدة تُذكر. ألم يأنِ للحكومة الحالية أن تُصرّ على عودتهم جميعاً إلى عدن أو إلى المناطق الآمنة في الجنوب، لتُصرف رواتبهم بالريال اليمني أسوة بالموظف والمواطن الصامد في الداخل الذي يكابد ظروفاً معيشية لا يُحسد عليها؟


اليوم، ينشغل قادة الأحزاب والمكونات بالعمل لمصالحهم الحزبية والفئوية الضيقة، بينما نعيش نحن أوضاعاً هي الأسوأ مقارنة بالسنوات الماضية. ويتساءل المرء: لماذا لم يتحرك أساتذة الجامعة والموظفون بوقفات احتجاجية صادقة إلا مؤخراً أمام مجمع كليات "فوه"؟


نحن بالتأكيد مع كل عمل صادق وواعٍ يخدم الجميع، ولكننا ضد استغلال الفرص والظهور بمظهر "أنصاف المظلومين" لأغراض وأجندات أخرى؛ فقد كنا مظلومين طيلة عشر سنوات، وكان ممثلو المكونات يستلمون رواتبهم الشهرية بالعملات الأجنبية (السعودي والدرهم)، بينما بقينا نحن المستقلين نعتمد على رواتبنا الزهيدة التي تصرفها الدولة بنهاية كل شهر، والحمد لله، قانعون مستورون.


إن التوظيف السياسي لأوجاع الناس وقهرهم بهدف إبراز مكون معجل كان هو نفسه يتصدر المشهد بالأمس وكأنه لا يعلم؛ أمرٌ يبتعد عن الإنصاف. والإنصاف واجب، والحقيقة المُرّة يجب أن تُقال: هدفنا هو الإصلاح، وما يُصيب الوطن يصيبنا جميعاً، فالمعاناة واحدة.



لقد مرت عشر سنوات والأحزاب تدور في أفق مصالحها فقط، وأثبتت فشلها وبعدها عن المطالب الحقيقية للمجتمع، حتى صار هدفها المحوري هو الوصول إلى السلطة لا غير.


ولعل ما حدث مع حلف قبائل حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع يُلخص المسألة؛ فقد اعتصم الحلف في الهضبة بقيادة الوكيل الأول الشيخ عمرو بن حبريش، ووقف معه شرفاء قبائل حضرموت ومختلف فئاتها الاجتماعية.


والتزمت الشرعية والرئاسة عبر بيانات رسمية بتنفيذ المطالب، ثم ما لبثت أن قلبت ظهر المجن لرئيس الحلف والجامع، ولم تُنفذ شيئاً مما التزمت به.


في المقابل، نرى النفط الخام والديزل يُنهب جهاراً نهاراً أمام أعين الجميع، وتُنقل عشرات القوافل (البوز) يومياً إلى المحافظات الأخرى، في حين يُحرم أبناء حضرموت من خيرات أرضهم ثروتها.


والعجيب أن باقي المكونات بقيت تتشفى ولم تقف موقفاً حازماً مع حلف حضرموت عقب توقيف زعيمه الشيخ عمرو. ولو تلاحمت جميع المكونات الحضرمية لصلابة هذا الموقف، لتحققت مطالب الحلف وحضرموت قاطبة، ولما جرت المحاولات الخارجية التي استهدفت المنطقة العسكرية الأولى وراحت تحاول القضاء على الحلف وقوات الحماية.


إلا أن صمود الرجال في حلف حضرموت وقبائل الهضبة، وبمساندة وموقف من المملكة العربية السعودية، أفشل تلك المخططات.


إن حضرموت بدون حضور قوي للشيخ عمرو بن حبريش في أرضه، بوصفه صاحب قرار وكلمة مستقلاُ ومستعداً للتضحية كما فعل آباؤه وأجداده وعمه من قبل، لن تحقق مطالبها، بل ستظل رهينة التسويف والكلام الفاضي الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.


إن أي محاولة لفرض القوة أو استنساخ مكونات جديدة لاختطاف شرعية حضرموت لن تنجح؛ والحل الوحيد يكمن في تقريب جميع الأطراف وإشراك الجميع في القرار السياسي الحضرمي، لا الانفراد بالسلطة وإبعاد القوى القبلية والاجتماعية الفاعلة، وفي مقدمتها حلف قبائل حضرموت والمؤتمر الحضرمي الجامع.


إننا كلياً مع توحيد الصف الحضرمي، ولكننا لسنا مع إبعاد من ضحى وقدم الشهداء وبنى قوة عقيدتها حماية حضرموت، كما لا يمكن قبول تهميش هذه القوات أو عدم ضمها رسمياً برقم عسكري وصرف رواتبها، لأن ذلك يضع سلطة حضرموت في موقف حرج للغاية أمام الشارع الحضرمي.


نأمل أن يُفهم هذا المقال من باب حبنا العميق لحضرموت وأهلها، وهو بعيد كل البعد عن الاستهداف أو التقليل من شأن أحد، وهدفنا الأول والأخير هو الحق والإصلاح.

والله من وراء القصد وهو يهدي إلى سواء السبيل.


أ. د. خالد سالم باوزير

رئيس الدائرة السياسية بالمؤتمر الحضرمي الجامع