أخبار وتقارير

الكاتب السياسي محمد علي عياش يستعرض مأساة اليمن ويؤكد أن غياب رجل الدولة سبب استطالة الأزمة


       

أكد الكاتب السياسي محمد علي عياش أن المآسي تتكرر في تاريخ اليمن الحديث بأسماء مختلفة وتتبدل الوجوه والظروف غير أن جوهر الأزمة كثيرا ما يبقى واحدا ويتمثل في غياب الدولة وتعدد الولاءات وتغليب المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية العليا.

 

 

 وأوضح أن من أكثر الفترات التي تستحق التأمل والمقارنة تلك التي أعقبت قيام الثورة الجمهورية في 26 سبتمبر 1962 وما تلاها من حرب بينية وصراعات داخلية استمرت حتى عام 1967 في مرحلتها الكبرى ثم ما رافق عملية تثبيت النظام الجمهوري من صراعات واختلالات سياسية امتدت آثارها إلى مراحل لاحقة. واستعرض عياش في هذا السياق أوجه المقارنة بين ما حدث في تلك المرحلة التاريخية وما تعيشه اليمن منذ عام 2015 وحتى يومنا هذا. 

 

 

وقال إن الجمهورية الوليدة دخلت آنذاك معركة شاقة في مواجهة النظام الملكي ولم يكن الصف الجمهوري كتلة واحدة متجانسة إذ تعددت الولاءات والرؤى والأهداف واختلفت حسابات القوى والشخصيات داخل المعسكر الجمهوري في حين بدا الصف الملكي أكثر تماسكا من الناحيتين السياسية والعسكرية مستندا إلى دعم المملكة العربية السعودية.

 

وأضاف الكاتب محمد علي عياش أن الجمهوريين كان لهم في المقابل سندهم الإقليمي بداية من دعم مصر التي تدخلت عسكريا وسياسيا إلى جانب الثورة قبل أن تتحول المعركة تدريجيا إلى صراع إقليمي ودولي على أرض اليمن.

 

 

 وأشار إلى أن اليمنيين استطاعوا رغم كل تلك التعقيدات في نهاية المطاف تثبيت النظام الجمهوري والخروج من واحدة من أخطر مراحل تاريخهم الحديث. 

 

 

ولفت إلى أن هنا يكمن مربط الفرس عند تشخيص الواقع اليمني الراهن وما يحمله من أوجه تشابه كثيرة مع أحداث الماضي. واعتبر عياش أن ما أشبه اليوم بالبارحة وما أكثر أوجه التشابه بين المشهدين اليمنيين القديم والحديث.

 

 

 وبين أن اليمن دخلت منذ عام 2015 مرحلة جديدة من الحرب والصراع عقب سيطرة جماعة الحوثي على مؤسسات الدولة ومساحات واسعة من البلاد. 

 

 

وأشار إلى أنه كما حدث في ستينيات القرن الماضي تشكلت قوى متعددة داخل الصف المناهض للحوثيين واختلفت المشاريع والأهداف والولاءات وتداخلت المصالح المحلية والإقليمية حتى أصبح المعسكر الذي يفترض أن يجمعه هدف واحد يتمثل في استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب يعاني في كثير من الأحيان من التباينات والانقسامات أكثر مما يعاني من نقص الإمكانات.

 

 

ونبه الكاتب محمد علي عياش إلى وجود فارق جوهري بين المرحلتين ينبغي ألا يتم تجاهله عند إجراء هذه المقارنة. 

 

 

وأوضح أن حرب الستينيات رغم قسوتها لم تستمر على الصورة ذاتها لأكثر من خمس سنوات بينما نحن اليوم أمام مأساة تجاوزت اثني عشر عاما منذ اندلاع الحرب في عام 2015 ولا تزال اليمن تبحث عن مخرج. 

 

 

ورأى أن هذا الفارق الزمني وحده كفيل بأن يضع اليمنيين أمام سؤال مؤلم حول الأسباب التي مكنت جيلا من اليمنيين رغم محدودية الإمكانات وشراسة الصراع وتدخل القوى الإقليمية من وضع أسس الجمهورية وتثبيتها في حين عجزت النخب السياسية والعسكرية الحالية عن إنتاج مشروع وطني جامع ينهي هذا الاستنزاف الطويل. 

 

 

وأكد عياش أن الإجابة لا تكمن في السلاح وحده ولا في حجم الدعم الخارجي ولا في عدد القوى الموجودة على الأرض.

 

 

 وشدد على أن الإجابة الحقيقية تكمن في وجود رجال الدولة القادرين على تجاوز المصالح الضيقة والانحياز إلى المشروع الوطني. 

 

 

وأوضح أن اليمن كان في واحدة من أكثر لحظاته تعقيدا بحاجة إلى شخصيات قادرة على النظر إلى ما وراء مصالحها ومواقعها والتعامل مع الجمهورية باعتبارها مشروعا وطنيا لا غنيمة سياسية.

 

 

وبين الكاتب السياسي محمد علي عياش أن من هنا تأتي أهمية استحضار أسماء مثل عبدالرحمن الإرياني ومحسن العيني وأحمد محمد نعمان.

 

 

 وأوضح أن هذه الشخصيات رغم اختلاف توجهاتها وتجاربها السياسية تمثل في الذاكرة الوطنية نموذجا لمرحلة استطاع فيها رجال السياسة إخراج اليمن من عنق الزجاجة وتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الشخصية والآنية والمساهمة في تثبيت الحكم الجمهوري ووضع اللبنات الأولى للدولة اليمنية المنشودة. 

 

 

وأشار عياش إلى أن تلك المرحلة لم تكن خالية من الأخطاء والصراعات ولم يكن رجالها ملائكة لكنهم امتلكوا شيئا نفتقده اليوم بشدة وهو الإحساس بأن الدولة أكبر من الأشخاص وأن الوطن أبقى من المناصب وأن الانتصار الحقيقي ليس انتصار طرف على طرف وإنما انتصار اليمن على أزمته. 

 

 

ورأى أن اليمن اليوم وبعد أكثر من اثني عشر عاما من الحرب لم تعد بحاجة إلى مزيد من الشعارات بقدر حاجتها إلى عقل سياسي جديد وإلى رجال دولة يملكون شجاعة اتخاذ القرار والقدرة على تقديم التنازلات المتبادلة من أجل مصلحة أكبر. كما تحتاج إلى الإيمان بأن استمرار الحرب ليس إنجازا وأن بقاء الانقسام ليس مشروعا وطنيا.

 

ونبه عياش إلى أن الخطر الذي يهدد اليمن اليوم لا يكمن في جماعة الحوثي وحدها رغم خطورة مشروعها وإنما يكمن أيضا في استمرار خصومها في إعادة إنتاج الأسباب التي أضعفت الدولة ومزقت الصف الوطني. 

 

 

وأكد أن التاريخ أثبت أن الانقسامات داخل الصف الجمهوري كانت واحدة من أهم نقاط الضعف في الماضي وأن تجاوز تلك الانقسامات كان شرطا أساسيا للعبور نحو الدولة. وأضاف أن اليمنيين يقفون اليوم أمام الدرس ذاته لكن بثمن أكبر ووقت أطول.

 

 

 وشدد الكاتب السياسي على ما أحوج اليمن اليوم إلى إرياني جديد وعيني جديد ونعمان جديد لا بمعنى استنساخ الأشخاص وإنما بمعنى استعادة الروح التي مثلتها تلك الشخصيات.

 

 

 وأوضح أن المقصود هو استعادة روح رجل الدولة الذي يرى اليمن قبل نفسه والجمهورية قبل حزبه والمصلحة العامة قبل مصلحته الخاصة. 

 

ولفت إلى أن اليمن لا تحتاج إلى مزيد من الذين يجيدون إدارة الأزمة بل تحتاج إلى من يمتلكون الشجاعة لإنهائها.

 

 

 وتابع أن البلاد لا تحتاج إلى قوى تتنافس على ما تبقى من الدولة وإنما إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة من جديد.

 

 

 

واختتم الكاتب السياسي محمد علي عياش رؤيته بالتأكيد على أن التاريخ لا يعيد نفسه حرفيا لكنه يحذر الشعوب من تكرار أخطائه ويضع أمامها الدروس التي يمكن الاستفادة منها لتجنب إعادة إنتاج الأزمات ذاتها.

 

 

 وطرح عياش تساؤلا مفتوحا يمتد بين عامي 1962 و2026 حول قدرة اليمنيين على قراءة تجارب الماضي والاستفادة منها في معالجة واقعهم الراهن. 

 

 

وأكد أن استمرار الأزمة كل هذه السنوات يفرض البحث عن مشروع وطني قادر على تجاوز الانقسامات وإعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة والمصلحة الوطنية العليا.

 

 

 وحذر من أن إدارة الأزمة بدلا من العمل على إنهائها لن تقود اليمن إلا إلى المزيد من الاستنزاف والانقسام. وشدد على أن استعادة روح رجال الدولة وتقديم اليمن على المصالح الشخصية والحزبية يمثلان مدخلا ضروريا للخروج من الوضع الراهن.

 

 

 واختتم عياش بطرح تساؤله قائلا هل نتعلم من الأمس أم ننتظر أن يكتب المؤرخون بعد عقود ما أشبه اليوم بالبارحة.