محمد المسبحي: الصوت الذي يُمنح بلا حساب يتحول إلى فاتورة يدفعها الجميع
قال الكاتب الصحفي محمد المسبحي إن معاناة المواطن في عدن باتت تختصر واقعًا سياسيًا واقتصاديًا شديد التعقيد، فمن ينتظر ساعات أمام محل صرافة، أو يقف في طابور للحصول على أسطوانة غاز، أو يعود إلى منزله بعد يوم طويل ليجد الكهرباء قد انطفأت من جديد، يدرك أن السياسة بالنسبة للناس لم تعد نقاشًا حول الشعارات، وإنما أصبحت خبزًا وكهرباء وراتبًا وكرامة ومستقبلًا، متسائلًا كيف يمكن لشعب يعرف حجم معاناته أن يعيد إنتاج الأسباب التي صنعت تلك المعاناة.
وأكد المسبحي أن المشكلة لا تكمن في مطالبة الناس بحقوقهم، ولا في ممارسة المواطن حقه في الاختيار أو انحيازه إلى قضية يؤمن بها، وإنما تبدأ حين يتحول الانتماء السياسي من وسيلة للدفاع عن مصالح الناس إلى بديل عن الوطن، وحين يصبح الولاء للمكون أهم من محاسبة من يتصدر المشهد والسؤال عن حصيلة السنوات الماضية وما تحقق خلالها ومن دفع الثمن ومن استفاد، مشيرًا إلى أن سنوات الحرب والانقسام والفقر أضعفت قدرة كثير من الناس على التمييز بين القضية ومن يتحدث باسمها، وأدخلت السياسة إلى تفاصيل الحياة اليومية باعتبارها وسيلة لتوزيع النفوذ بدلًا من أن تكون وسيلة لبناء الدولة.
وأوضح الكاتب الصحفي أن القضية العادلة لا تمنح أحدًا شيكًا مفتوحًا، وأن رفع الشعارات أو الحديث باسم الناس لا يعني بالضرورة خدمة مصالحهم، فالسياسة لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة أخلاقية لمن يمارس الفشل أو الفساد، خصوصًا أن المواطن يعيش وسط حرب وفقر ومصالح متشابكة وإعلام موجه ومناطقية وشبكات نفوذ واحتياجات يومية قد تدفعه إلى البحث عمن يوفر له خدمة أو راتبًا أو حماية قبل التفكير في مشروع الدولة، ولذلك فإن اختزال المشكلة في جهل الشعب يمثل هروبًا من المسؤولية الأكبر التي يتحملها السياسي حين يستغل حاجة الناس وفقرهم وخوفهم.
وأشار المسبحي إلى أن بعض القوى السياسية نجحت في تحويل النقد إلى خيانة والمساءلة إلى خصومة والمطالبة بالخدمات إلى مؤامرة، حتى أصبح المواطن أحيانًا مترددًا في السؤال عن مصير الموارد وأسباب تعطل الكهرباء وتراجع قيمة العملة وعدم حصول الموظفين على حقوقهم والجهات المسؤولة عن كل ذلك، محذرًا من أن أخطر ما يمكن أن يصل إليه أي مجتمع هو أن يتحول المواطن من رقيب على السلطة إلى مدافع عن إخفاقاتها، فالسلطة التي تخشى النقد يمكن إصلاحها، أما السلطة التي تجد من يدافع عن فشلها من بين ضحاياها فإن مشكلتها تصبح أكثر عمقًا.
ولفت الكاتب إلى أن الجنوب دفع خلال السنوات الماضية ثمنًا باهظًا من الأرواح والمؤسسات والخدمات والاقتصاد، واتسعت فيه مساحة الفقر وهاجر كثير من أبنائه بينما بقيت قضايا أساسية معلقة، وفي المقابل لا يزال الخطاب السياسي في كثير من الأحيان يطالب المواطن بالصبر ويقدم له وعودًا جديدة ويحمله مسؤولية ظروف لم يكن هو من صنعها، مؤكدًا أن الوقت حان للانتقال من سؤال المواطن عن الطرف الذي يؤيده إلى سؤال الأطراف التي يؤيدها المواطن عما أنجزته فعليًا في الكهرباء والتعليم والصحة والاقتصاد وحماية المال العام وبناء المؤسسات.
وشدد المسبحي على أن الناس لا يحتاجون إلى مزيد من الأصوات التي تتحدث باسمهم بقدر حاجتهم إلى دولة تحمي حقوقهم ومؤسسات يستطيعون المشاركة فيها ومحاسبة القائمين عليها، كما أن المرحلة لا تحتاج بالضرورة إلى زعماء جدد بقدر حاجتها إلى ثقافة سياسية جديدة تجعل المسؤول موظفًا عامًا يخضع للمساءلة، وتجعل التفويض مسؤولية وليس ملكية خاصة، وتلزم الإعلامي بعدم التحول إلى بوق لأي طرف مقابل منفعة أو مصلحة، وتدفع المثقف إلى قول الحقيقة حتى عندما تكون غير مريحة لجمهوره.
وأضاف الكاتب الصحفي أن على المواطن بدوره أن يدرك أن صوته ليس هتافًا في مهرجان ولا بطاقة ولاء لشخص أو مكون، وإنما قرار يرتبط بمستقبل أولاده، فالصوت الذي يمنح بلا حساب قد يتحول غدًا إلى فاتورة يدفعها الجميع، موضحًا أن الحل لا يبدأ بإدانة الناس وإنما بإعادة بناء الوعي السياسي من خلال صحافة تسأل وتحقق ومجتمع مدني يراقب وبيانات مالية واضحة ومؤسسات رقابية مستقلة وانتخابات لا تقوم على شراء الولاءات وخدمات تقاس بالأرقام لا بالخطب ومسؤول يعرف أن بقاءه في موقعه مرتبط بما ينجزه وليس بعدد من يهتفون باسمه.
وتابع المسبحي أن تصحيح المسار يتطلب كذلك التوقف عن تقديس الأشخاص والمكونات، فالسياسي ليس قضية والمكون ليس وطنًا والحزب ليس هوية المواطن، ومن يخطئ يجب أن ينتقد مهما كان اسمه وموقعه وانتماؤه، محذرًا من أن أي قضية لا تسمح لأبنائها بمساءلة من يتحدث باسمها يمكن أن تتحول مع مرور الوقت من مشروع وطن إلى مشروع سلطة، ولذلك فإن حماية أي قضية يؤمن بها الناس تبدأ بمحاسبة من يستخدمونها للوصول إلى السلطة ثم يطالبون المجتمع بالصمت باسمها.
واختتم الكاتب الصحفي محمد المسبحي بالتأكيد على أن بناء مستقبل مختلف يحتاج إلى مواطن لا يبيع صوته ولا يمنح ثقته إلى الأبد ولا يعتبر النقد خيانة ولا يسمح لأي مكون بأن يصادر عقله، فالمشكلة ليست أن الشعب قد يختار مرة ويخطئ لأن جميع الشعوب تخطئ، وإنما الخطر أن يتحول الخطأ إلى ولاء والولاء إلى تبرير والتبرير إلى عادة، ثم يجد المجتمع نفسه بعد سنوات أمام الخراب متسائلًا عمن أوصله إلى ذلك، مؤكدًا أن كثرة الشكوى لن تنفع حين يكتشف الناس أن القلم الذي كتب مستقبلهم كان في أيديهم منذ البداية.