أخبار وتقارير

محمد المسبحي يحذر من كلفة الإهمال في عدن: ننتظر انهيار المرافق بدل صيانتها قبل فوات الأوان


       
قال الكاتب الصحفي محمد المسبحي إن مشكلة عدن قد لا تكون في أننا لا نعرف كيف نبني وإنما في أننا لا نعرف كيف نحافظ على ما بنيناه. معتبرًا أن هذه واحدة من أكثر المشكلات التي تستحق التوقف أمامها في عدن وبقية المحافظات. لأننا كثيرًا ما نتعامل مع البناء باعتباره إنجازًا مكتملًا بينما نتعامل مع الصيانة وكأنها تفصيل مؤجل يمكن العودة إليه عندما تتعطل الأشياء أو تبدأ في الانهيار.
 
 
وأوضح المسبحي أننا نبني عمارة أو مؤسسة ثم نؤجل إصلاح تسرب صغير في المياه. ونشتري محطة كهرباء جديدة ثم ننتظر تعطلها حتى نبحث عن صيانتها. ونفتتح حديقة ثم نتركها بلا رعاية حتى تجف. ونؤسس مشروعًا ونحتفي بانطلاقته ثم نسمح لتفاصيله الصغيرة بالتآكل يومًا بعد آخر إلى أن يصبح إصلاحه أصعب وأكثر كلفة.
 
 
وأضاف الكاتب الصحفي أن الأغرب هو أن المسألة لا تتعلق دائمًا بنقص المال بقدر ما تتعلق بطريقة تفكير تنظر إلى الصيانة باعتبارها عملًا ثانويًا يمكن تأجيله. مؤكدًا أن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
 
 
وأشار المسبحي إلى أن الشق الصغير في السقف لا يبدو خطرًا في بدايته لكن إهماله يحوله إلى تسرب. والتسرب إلى رطوبة. والرطوبة إلى جدار متآكل. ثم يأتي وقت نقول فيه إن المبنى يحتاج إلى إعادة بناء. موضحًا أن ما نسميه لاحقًا انهيارًا مفاجئًا يكون في كثير من الأحيان نتيجة أعطال صغيرة كانت أمام أعيننا لكننا لم نمنحها الاهتمام في الوقت المناسب.
 
 
وأكد محمد المسبحي أن هذه العقلية لا تخص البيوت والمباني وحدها بل تمتد إلى مؤسساتنا وخدماتنا وطرقنا ومدارسنا ومرافقنا العامة. فنحن نميل إلى التحرك بعد وقوع المشكلة لا قبل وقوعها. فإذا تعطلت المؤسسة بدأنا في التفكير فيها. وإذا ساءت الخدمة تحركنا. وإذا امتلأ الطريق بالحفر أصلحناه. وإذا أصبحت المدرسة بحاجة إلى التأهيل اكتشفنا حاجتها.
 
 
وأوضح الكاتب الصحفي أن مراقبة الأشياء وهي تعمل والبحث عن الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة هي ثقافة ما زالت بحاجة إلى أن تجد مكانها في طريقة إدارتنا للحياة والمرافق العامة.
 
 
وقال المسبحي إننا نحتاج إلى ثقافة جديدة لا تسأل فقط: من بنى هذا؟ وإنما تسأل أيضًا: "من حافظ عليه؟".
 
 
وأضاف محمد المسبحي أن السؤال الثاني قد يكون أهم أحيانًا من الأول. فالبناء قد يحدث في لحظة حماس وقد ينتهي خلال فترة محددة لكن المحافظة تحتاج إلى عمل يومي لا يتوقف. شخص يفحص وآخر ينظف وثالث يسجل ورابع يستبدل القطعة الصغيرة قبل أن تتعطل الآلة بأكملها.
 
 
وأشار الكاتب الصحفي إلى أن هذه الأعمال لا تصنع نجومًا ولا تمنح أصحابها بالضرورة شهرة أو تصفيقًا لكنها تمنع أزمات كثيرة من الوصول إلى مرحلة الانهيار.
 
 
وأكد المسبحي أن هنا تظهر قيمة الإنسان الذي يرى الخلل وهو لا يزال صغيرًا. فتسريب ماء أو سلك تالف أو ملف ضائع أو كتاب لم يعد إلى مكانه أو جهاز أهملت صيانته أو قاعدة لم يعد أحد يلتزم بها قد تبدو كلها تفاصيل بسيطة لكن المشكلات الكبيرة كثيرًا ما تبدأ من تفاصيل صغيرة لم تجد من يلتفت إليها.
 
 
وأوضح محمد المسبحي أن المشكلة تكمن في أن الأشياء لا تنهار عادة في اللحظة التي نكتشف فيها انهيارها. فهي تبدأ في التآكل قبل ذلك بكثير.
 
 
وأضاف الكاتب الصحفي أن ما يبدو لنا انهيارًا مفاجئًا قد يكون في الحقيقة نتيجة سنوات من الإهمال المتراكم.
 
 
وقال المسبحي إن مشكلتنا الأساسية ربما تكمن في أننا لا نلتفت إلى الشيء إلا عندما يصبح تجاهله مستحيلًا. فحين يكون الخلل صغيرًا لا أحد يكترث. وحين يتضخم يصبح إصلاحه مكلفًا. وحين يتحول إلى أزمة يبدأ البحث عن حلول عاجلة.
 
 
وأشار الكاتب الصحفي إلى أننا بهذه الطريقة ندخل في دائرة مرهقة تبدأ بالإهمال ثم التفاقم ثم الأزمة ثم الإنفاق الأكبر ثم الإصلاح ثم العودة إلى الإهمال.
 
 
وأوضح محمد المسبحي أنه في المقابل هناك أشخاص يعملون بصمت ولا يظهرون في الأخبار ولا تلتقط لهم الصور لكنهم يمنعون الانهيارات قبل وقوعها. وقد لا يكون هؤلاء أصحاب قرار أو شهرة إلا أن عملهم يحفظ جزءًا من الحياة اليومية من التعطل.
 
 
وأضاف المسبحي أن هذا النوع من العمل يحتاج إلى تقدير اجتماعي وإداري أكبر. لأن المجتمع الذي يستهين بالأعمال الصغيرة التي تحافظ على تماسك حياته سيدفع لاحقًا أثمانًا باهظة لإصلاح ما كان يمكن تفاديه بكلفة وجهد أقل.
 
 
وأكد الكاتب الصحفي أن عدن وهي المدينة التي تتراكم فيها الاحتياجات والتحديات بحاجة إلى أن تتعلم قيمة تبدو بسيطة لكنها في جوهرها قيمة حضارية عميقة وهي أننا لسنا بحاجة إلى أن نبدأ من جديد في كل شيء.
 
 
وقال المسبحي إن كثيرًا مما نحتاج إليه قد يكون موجودًا بالفعل لكنه يحتاج إلى عناية وإصلاح وإدارة مستمرة.
 
 
وأضاف محمد المسبحي أننا نحتاج إلى أن نصلح ما تصدع قبل أن ينهار وأن نحافظ على المكتسبات قبل أن نفقدها وأن ندرك أن حماية ما لدينا قد تكون في بعض الأحيان أكثر أهمية من إضافة شيء جديد إليه.
 
 
وأشار الكاتب الصحفي إلى أن أعظم الأعمال ليست دائمًا تلك التي يراها الناس.
 
 
وأوضح المسبحي أنه أحيانًا يكون أعظم إنجاز هو أن يستمر المرفق في العمل دون أن يشعر أحد بمدى الجهد الذي بذل كي لا يتوقف.
 
 
وأضاف محمد المسبحي أن هذه هي مفارقة الصيانة الجميلة. فنجاحها الكامل يكمن في ألا يلاحظها أحد.
 
 
وتابع الكاتب الصحفي أنه حين يستمر الشارع دون حفر وتبقى المدرسة آمنة وتعمل المحطة بكفاءة وتحفظ الوثيقة من الضياع ويستمر المرفق في أداء وظيفته بسلاسة يبدو كل شيء طبيعيًا.
 
 
وأكد المسبحي أن وراء هذا "الطبيعي" أشخاصًا يراقبون ويصلحون وينظفون ويسجلون ويتابعون ويتدخلون قبل أن تكبر المشكلة.
 
وقال محمد المسبحي إنه ربما آن الأوان لأن نحتفي بهؤلاء وأن نعيد تعريف الإنجاز نفسه.
 
واختتم الكاتب الصحفي بالتأكيد على أنه ليس كل ما يبنى إنجازًا وليس كل ما لا يرى عملًا بلا قيمة. فأحيانًا يكون أعظم ما يمكن أن نفعله هو أن نحافظ على ما بنيناه حتى لا نضطر غدًا إلى بنائه من جديد.