هاني القاسمي: عندما يكون اختيار رجال الدولة خطأ تتحول المناصب العليا إلى مصدر للأزمات وتدفع الحكومة ثمن سوء الاختيار
قال الكاتب السياسي د. هاني بن محمد القاسمي إن ليست كل أزمة تبدأ من الشارع ولا كل أزمة تصنعها الظروف ولا كل أزمة تكون الدولة ضحية لها. موضحًا أن ثمة أزمات تبدأ بقرار في غرفة مغلقة حين يُختار الرجل الخطأ للمكان الخطأ ثم يُترك المنصب ليثبت مع مرور الوقت أن الخطأ لم يكن في الأداء وحده وإنما في الاختيار من الأساس.
وأضاف القاسمي أن المسألة هنا تصبح أكبر من وزير أخطأ أو قرار لم يكن موفقًا أو تصرف أثار استياءً عامًا. مؤكدًا أن المسألة تصبح سؤالًا عن كيفية إدارة الدولة وكيفية اختيار رجالها.
وأوضح الكاتب السياسي أن المناصب العليا ليست مكافآت سياسية ولا مساحات لتجريب الأشخاص ولا امتدادًا للعلاقات والنفوذ. مشددًا على أنها أمانة عامة وأن قرار اختيار شاغليها هو في الأصل قرار في مستقبل مؤسسة وفي ثقة الناس بها وفي صورة الدولة وهيبتها.
وأشار د. هاني القاسمي إلى أن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يخطئ المسؤول فالخطأ وارد في كل إدارة. لافتًا إلى أن الأخطر هو أن تتكرر الأخطاء من موقع يفترض أن يكون مصدرًا للاستقرار ثم تجد الحكومة نفسها مضطرة إلى دفع ثمنها سياسيًا وتبريرها إداريًا واحتواء آثارها أمام الرأي العام.
وتابع القاسمي أنه عندها لا يعود السؤال لماذا أخطأ المسؤول. بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا لماذا وُضع هذا المسؤول أصلًا في هذا المكان. مؤكدًا أن ذلك سؤال مشروع بل هو من صميم المسؤولية السياسية.
وأكد الكاتب السياسي أن من يملك سلطة الاختيار لا يستطيع أن يتنصل من نتائج اختياره. موضحًا أن من يمنح الثقة لشخص في موقع حساس عليه أن يدرك أن هذه الثقة ليست شأنًا شخصيًا بين مانح وممنوح. بل إنها مسؤولية عامة لأن نتائجها تمس مؤسسة وحقوقًا ومصالح وسمعة دولة.
وقال د. هاني بن محمد القاسمي إنه إذا كان بعض المسؤولين قد باتوا يتصرفون بما يجعل الحكومة في حرج ويضعون رئاسة الوزراء أمام مواقف لم تكن بحاجة إليها ويفتحون ملفات من الجدل كان يمكن إغلاقها قبل أن تبدأ فإن المشكلة لم تعد في طريقة إدارة الأزمة فقط. بل إن المشكلة تكمن في أن الأزمة خرجت أصلًا من داخل البيت الحكومي.
وأضاف القاسمي أن هذه هي الأخطر. فالحكومة لا يفترض أن تكون مشغولة كل يوم بإطفاء الحرائق التي يشعلها بعض أعضائها بقرارات متسرعة أو مواقف غير محسوبة أو اجتهادات تتجاوز حدود المسؤولية السياسية والقانونية.
وشدد الكاتب السياسي على أن الحكومة جاءت لإدارة أزمات البلاد لا لصناعة أزمات إضافية لنفسها. مؤكدًا أن رئاسة الوزراء ليست مكتبًا لتصحيح أخطاء الآخرين بعد وقوعها ولا ينبغي أن تتحول في كل مرة إلى جهة مطالبة بتفسير ما لم يكن ينبغي أن يحدث أصلًا.
وأوضح القاسمي أن الوزير الذي يملك صلاحية واسعة لا يملك دولة خاصة به. كما أن الاختصاص الوزاري ليس تفويضًا مفتوحًا. والقرار الإداري لا يكتسب المشروعية لمجرد أنه خرج من مكتب يحمل صفة رسمية.
وأشار د. هاني القاسمي إلى أنه يجب أن يُعرف أن كل سلطة في الدولة محكومة بالقانون وأن كل قرار إداري يجب أن يقوم على أساس سليم من الاختصاص والسبب والإجراء والغاية وأن كل مسؤول يبقى مهما علا موقعه خاضعًا للمساءلة السياسية والقانونية.
وأكد القاسمي أن هذه ليست مسألة نظرية. فالقرار غير المحسوب قد يتحول إلى أزمة والتصرف غير المسؤول قد يتحول إلى إحراج للحكومة والخطأ الفردي حين يصدر من موقع سيادي قد يتحول إلى ضرر مؤسسي.
وقال الكاتب السياسي إنه من هنا فإن الصمت أمام تكرار الأخطاء ليس حكمة. كما أن الدفاع عن كل قرار لمجرد أنه صدر من داخل الحكومة ليس تضامنًا حكوميًا. مضيفًا أن أقوى موقف حكومي أحيانًا هو أن تقول الدولة أخطأنا في الاختيار ونصحح الاختيار. مؤكدًا أن لا شيء يهدم هيبة الدولة في ذلك بل العكس تمامًا.
وأضاف د. هاني بن محمد القاسمي أن الذي يهدم هيبة الدولة هو أن يرى المواطن الخطأ واضحًا ثم يرى المؤسسة تعرفه ثم يرى الحكومة تتردد في معالجته ثم يصبح الدفاع عن الخطأ أهم من تصحيح آثاره.
وأوضح القاسمي أن هناك لحظة في إدارة الدول يجب عندها أن تتقدم مصلحة الدولة على الاعتبارات الشخصية. مشيرًا إلى أنه حين تأتي تلك اللحظة فإن الإبقاء على المسؤول لمجرد أن تغييره قد يُفسر سياسيًا باعتباره تراجعًا هو في حد ذاته قرار سياسي أكثر كلفة من التغيير.
وأكد الكاتب السياسي أن الدولة لا تُدار بمنطق الإحراج ولا تُحمى هيبتها بالمكابرة ولا تُقاس قوة الحكومة بقدرتها على حماية رجالها من النقد وإنما بقدرتها على حماية مؤسساتها من سوء الإدارة.
وأشار القاسمي إلى أنه إذا كانت بعض التطورات الأخيرة قد كشفت شيئًا فإنها كشفت أن اختيار رجل الدولة ليس مسألة سير ذاتية وشهادات ومواقع سابقة فقط.
وقال د. هاني القاسمي إن رجل الدولة يُعرف أيضًا بقدرته على ضبط نفسه قبل أن يضبط مؤسسته وعلى تقدير نتائج قراره قبل توقيعه وعلى معرفة حدود سلطته قبل استعمالها وعلى فهم أن الكرسي الذي يجلس عليه ليس ملكًا له وأن كل كلمة يقولها وكل قرار يصدره قد يُقرأ باعتباره موقفًا للدولة.
وأضاف القاسمي أنه هنا تحديدًا ينبغي إعادة النظر في فلسفة التعيين نفسها. متسائلًا هل نختار من نعرف أم نختار من تحتاجه الدولة. وهل نكافئ الحضور أم نبحث عن القدرة. وهل ننظر إلى الشهادة وحدها أم نقرأ معها السيرة والخبرة والاتزان والنزاهة والقدرة على إدارة مؤسسة في ظرف استثنائي.
وأوضح الكاتب السياسي أن البلاد لا ينقصها أصحاب الألقاب ولا ينقصها من يعرفون كيف يصلون إلى المناصب. مؤكدًا أن ما ينقصها هو من يعرف كيف يحمل المنصب دون أن يصبح المنصب عبئًا على الدولة.
وأكد د. هاني بن محمد القاسمي أن هذا هو الفارق بين شاغل المنصب ورجل الدولة. فالأول يستمد قوته من الكرسي أما الثاني فيضيف إلى الكرسي قيمة وهيبة.
وتابع القاسمي أن ما يجري اليوم يجب ألا يُقرأ بعين الخصومة مع أحد ولا بمنطق تصفية الحسابات وإنما بعين أكثر مسؤولية. متسائلًا هل تخدم هذه الاختيارات الدولة فعلًا. فإن كانت الإجابة نعم فليستمر أصحابها وليُحاسبوا على نتائجهم. وإن كانت الإجابة لا فإن الاستمرار يصبح هو الخطأ الأكبر.
وأشار الكاتب السياسي إلى أن الدولة التي تخشى تغيير اختيار غير موفق ستدفع غدًا ثمنًا أكبر من مجرد تغيير شخص. مؤكدًا أنها ستدفع من ثقة الناس ومن هيبة المؤسسات ومن رصيد الحكومة ومن الوقت الذي تحتاجه البلاد أصلًا للخروج من أزماتها.
وخاطب القاسمي من بيدهم قرار الفصل مؤكدًا أن الوطن لا يحتمل أن تكون بعض المناصب العليا مصدرًا لأزمات جديدة ولا يحتمل أن تتحول الحكومة إلى طرف في الدفاع عن أخطاء كان يمكن تفاديها بحسن الاختيار.
وقال د. هاني القاسمي إن زمن المجاملات قد طال وإن زمن المعايير قد حان. مؤكدًا أنه حان الوقت لأن يُقال بوضوح ودون أسماء ودون خصومة ودون حسابات شخصية إن ليس كل من يصلح لأن يكون مسؤولًا يصلح لأن يكون رجل دولة.
واختتم الكاتب السياسي د. هاني بن محمد القاسمي رسالته إلى أصحاب القرار بالتأكيد على أنها ليست دعوة إلى التغيير من أجل التغيير وإنما هي شيء أبسط وأعمق. قائلًا: «اختاروا من يحمي الدولة من أخطائه لا من يجعل الدولة تحميه من أخطائه».