ثمانية رؤوس وقرار غائب.. هل تحول مجلس القيادة من مظلة لتوحيد الدولة إلى جزء من أزمتها..؟ (تقرير)
تقرير - عين عدن – خاص:
دخل مجلس القيادة الرئاسي عامه الخامس وسط تحديات متراكمة أعادت إلى الواجهة السؤال الذي رافق تشكيله منذ البداية حول قدرته على توحيد القرار السياسي والعسكري وإدارة مؤسسات الدولة في مرحلة شديدة التعقيد، فالمجلس الذي تشكل في أبريل 2022 كصيغة قيادة جماعية ضمت قوى متعددة داخل المعسكر المناهض للحوثيين وجد نفسه أمام اختبار صعب يتمثل في تحويل هذا التنوع إلى مؤسسة قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه في وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية وتتفاقم الأزمات الاقتصادية والخدمية وتزداد الحاجة إلى قيادة موحدة قادرة على التعامل مع هذه الملفات.
ويرى الكاتب الصحفي محمد المسبحي أن المجلس الرئاسي لم ينجح في تحويل التعدد السياسي والعسكري داخله إلى قوة للدولة وأن التوازنات بين مكوناته ظلت حاضرة في معظم الملفات بينما بقي السؤال الأهم دون إجابة واضحة وهو من يقرر في اليمن، معتبرا أن المجلس كان يفترض أن يكون المؤسسة التي تنتهي عندها تعددية القرار وليس المكان الذي تتعايش داخله قرارات ومراكز نفوذ متعددة، وأن الخلاف السياسي بحد ذاته ليس المشكلة وإنما المشكلة تكمن في غياب آلية حاسمة تجعل القرار النهائي قرار الدولة.
ويذهب المسبحي إلى أن السنوات التي مرت منذ تشكيل المجلس لم تحقق الغاية الأساسية التي كان ينتظرها اليمنيون منه والمتمثلة في توحيد مؤسسات الدولة وبناء قرار سياسي وعسكري واحد، ويرى أن الشراكة عندما تتحول من وسيلة لإنتاج القرار إلى عملية مستمرة لتوزيع النفوذ فإنها تصبح جزءا من الأزمة نفسها بدلا من أن تكون أداة لمعالجتها، خصوصا عندما تتداخل الصلاحيات وتتوزع المسؤوليات بطريقة تجعل تحديد الجهة المسؤولة عن النجاح أو الفشل أكثر صعوبة.
وسبق للمسبحي أن دعا إلى إعادة هيكلة مجلس القيادة الرئاسي وتقليصه إلى رئيس ونائب أو اعتماد صيغة دستورية وسياسية أكثر وضوحا تحدد المسؤوليات ومصدر القرار وآليات المحاسبة، مؤكدا في طرح سابق أن تغيير الأشخاص دون معالجة بنية القرار لن يؤدي سوى إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها وأن المطلوب ليس استبدال مركز نفوذ بمركز آخر وإنما بناء مؤسسة أصغر يكون فيها القرار واضحا والمسؤولية محددة والمحاسبة ممكنة.
ويعتقد المسبحي أن تعدد مراكز القوة داخل مؤسسات السلطة انعكس بصورة مباشرة على قدرة الدولة على التعامل مع ملفاتها الأساسية وأن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالخلاف بين شخصيات أو مكونات سياسية وإنما بطريقة إدارة السلطة نفسها، فوجود مؤسسات وقوات وقوى سياسية متعددة دون مركز قرار قادر على تحويل التوافقات إلى سياسات قابلة للتنفيذ يجعل الدولة أمام حالة مستمرة من التوازنات التي قد تمنع الانفجار السياسي لكنها لا تؤدي بالضرورة إلى بناء مؤسسة تنفيذية موحدة.
وتبرز خطورة هذه الإشكالية بصورة أكبر مع التحولات العسكرية المتسارعة التي يشهدها اليمن إذ تصبح الحاجة إلى وحدة القرار أكثر إلحاحا في أوقات المواجهة والحرب لأن تعدد غرف القرار وضعف التنسيق بين القوى المختلفة يمكن أن ينعكس على سرعة التعامل مع التطورات الميدانية وعلى قدرة القوات التابعة للحكومة على التحرك وفق استراتيجية عسكرية وسياسية واحدة بدلا من استجابات منفصلة تفرضها حسابات كل قوة ومكون.
ولا تتوقف تداعيات هذا الوضع عند الجانب العسكري والسياسي فقط بل تمتد إلى الملفات الاقتصادية والخدمية التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة إذ تحتاج إدارة ملفات الكهرباء والرواتب والعملة والإيرادات والخدمات إلى مؤسسات قادرة على اتخاذ القرار ومتابعة تنفيذه ومحاسبة المسؤول عن التقصير، وهي قضايا يرى المسبحي أنها تكشف الفارق بين امتلاك الاعتراف والمؤسسات الرسمية وبين امتلاك دولة قادرة فعليا على إدارة مواردها وتحويل قراراتها إلى نتائج يلمسها المواطن.
وفي قراءة للمشهد يرى الباحث السياسي علي الذهب أن أحد التحديات التي تواجه الحكومة يتمثل في التعامل مع آثار الانقسام وتعدد مراكز القرار في مقابل قيادة حوثية أكثر مركزية في اتخاذ قراراتها العسكرية والسياسية، مشيرا إلى أن تعدد المؤسسات والتشكيلات والقوى السياسية يفرض حاجة مستمرة إلى التنسيق قبل الانتقال من القرار إلى التنفيذ، وهو تحليل يتقاطع في جانب منه مع ما يطرحه المسبحي بشأن تأثير تعدد مراكز القرار على قدرة مؤسسات الدولة على التحرك بصورة موحدة.
كما تناولت دراسات وتحليلات سياسية بنية مجلس القيادة باعتبارها محاولة لجمع مراكز النفوذ المختلفة داخل إطار سياسي واحد لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن هذا التنوع أوجد تحديات مرتبطة بتباين الرؤى وآليات اتخاذ القرار، وهو ما يجعل مستقبل المجلس مرتبطا بقدرته على تحويل الشراكة بين مكوناته إلى قرار مؤسسي قابل للتنفيذ وتحديد المسؤوليات بصورة أكثر وضوحا في ظل مرحلة لا تحتمل استمرار حالة التشتت السياسي والعسكري والمؤسسي.