الإرهاب الذي غيَّر شكله



بعد 25 عاماً على هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، تابعتُ فيها كثيراً مما صدر حول معضلة الإرهاب، لا يمكن القول إنَّ العالمَ لم يتعلم الكثيرَ عن مكافحة الإرهاب. لكن الأمر هو أنَّ العالم عرف كثيراً عن هذا، فقد تطورت أجهزة الاستخبارات، وتم تشديد إجراءات السفر وقنوات التمويل بشكل كبير بفضل التتبع الرقمي، كما تطورت تقنيات المراقبة والتعقب والاستهداف بالصواريخ الدقيقة. ولكن السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تطورت مقاربة الإرهاب واستراتيجيات مكافحة التطرف بالنسق ذاته والكفاءة نفسها؟

 

أحسب أنَّ ثمة مشكلة تشمل جزءاً واسعاً من القطاعات البحثية ودوائر القرار الغربية، فيما يخص مسألة الإرهاب؛ حيث لا تزال تتعامل معه وفق صور نمطية مستلهَمة من حدث 11 سبتمبر: عناصر إرهابية قادمة من الخارج، تنتمي في معظمها إلى تنظيمات مصنَّفة على أسس مذهبية، تدربت في معسكرات معزولة. وعلى هذه الصورة النمطية شُيِّدت استراتيجية «الحرب على الإرهاب»، وأنتجت قوائم المراقبة والحروب خارج الحدود، واستهداف القيادات والرموز، والضربات الجوية حتى المجتمعات الصغيرة في الدول المنهارة، كما حدث في اليمن، فضلاً عن مشاريع تغيير الأنظمة السياسية، كما حدث في العراق وأفغانستان، وإعادة موضعة العلاقات مع الدول.

 

بمعنى آخر: تحول الإرهاب بعد 2001 من قضية أمنية فكرية إلى حرب استراتيجية كبرى، قبل أن تتراجع هذه المقاربة تدريجياً وتتلاشى، حتى وصلنا إلى نقطة مفصلية مع الانسحاب الأميركي من أفغانستان عام 2021، وعودة «طالبان» بعد عقود من الحرب عليها!

 

الحرب على الإرهاب حققت نجاحات مهمة؛ حيث تفككت هياكل تنظيمات كبرى، كما تمَّت تصفية أغلب رموزها وقياداتها من الصف الأول، حتى بات من الصعب تصور تنفيذ عملية بحجم وضخامة 11 سبتمبر، لأسباب لا علاقة لها بالتصدي للفكر المتطرف، ولا بالقضاء على تنظيم «القاعدة» بقدر ما ترتبط بتحولات السياق الأمني قبل 11 سبتمبر وبعده؛ ذلك الحدث الجلل الذي لا يزال إلى اليوم مغرياً بإصدار البحوث والكتب التحليلية، حتى بعد مرور 25 سنة على حدوثه.

 

في نظري، إنَّ النجاح العملياتي يُخفي مشكلات أعمق؛ خصوصاً مع حالة الفراغ التي تعقب لحظة إعلان نهاية المهمة بالقضاء على أحد القيادات، وترك إرث تلك التنظيمات وفكرها يعيدان إنتاجها من جديد، مستفيدين من خطاب المظلومية، وبالتالي فإنَّ «الجهادوية» لم تنتهِ؛ لا تنظيم «القاعدة» وأخواته، ولا تنظيم «داعش». فالأول أعاد تقديم حمزة بن لادن عبر تسجيل خاص بمناسبة 11 سبتمبر، والثاني لا تزال آلته الإعلامية متعددة اللغات تنتج بشكل دوري خطاباً يحاول الاستثمار في الفوضى، لإعادة التجنيد والاستقطاب، كما أنَّهما استطاعا تغيير الجغرافيا بعيداً عن مناطق التوتر المعتادة، لتنتقل المركزية إلى أفريقيا، وخصوصاً الساحل والصومال وغرب أفريقيا؛ حيث توفر هشاشة الدولة والنزاعات المحلية والحدود المفتوحة بيئات مناسبة لإعادة التموضع والتعبئة.

 

سقط نموذج الخلافة على الأرض، لينتقل إلى الأذهان والمخيال «الجهادوي»، ويعيد إنتاج نفسه عبر نصوص قيامية وملحمية تعبِّر عن نهاية الزمان.

 

الأكثر خطورة اليوم صعود نموذج آخر من العنف المنظَّم، كالمرتبط بـ«الحرس الثوري»، يتلبَّس شكل الدولة، مسنوداً بشبكة أذرع تتلبس مفهوم الدولة وأداءها. ومئات الميليشيات الخارجة على القانون ذات مرجعية طائفية مسيَّسة ومؤدلجة، مُنحت المال والسلاح والتدريب والقدرات الصاروخية والمُسيَّرات. هذا النموذج يستثمر اليوم في الفوضى، من خلال النفاذ عبر ثغرات التوصيف بين السياسة والتطرف والإرهاب.

 

وهنا ظهرت إحدى أكثر نقاط الضعف في المقاربة الدولية السابقة، حين كان من السهل التعرف إلى الإرهابي في كهفه أو معسكره أو من خلال انتسابه لتنظيم ما، بينما تعيش الميليشيات اليوم ككيانات داخل الدولة نفسها، ولكن بمنطقها تشارك في البرلمان، وتحتفظ بالسلاح خارج نطاق القانون، مستفيدةً من التقدم التكنولوجي؛ حيث الاتصالات المشفرة، والعملات الرقمية، والمُسيَّرات التجارية، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والذكاء الاصطناعي، جعلت قدرات كانت حكراً على الدول أو التنظيمات الكبيرة متاحة لأفراد وشبكات صغيرة.

 

إرهابيو اليوم لا يحتاجون إلى جوازات سفر؛ لأنَّهم يمكن أن ينبتوا من داخل الدول التي تستطيع مراقبة حدودها، ولكنَّها تعجز عن إقامة جدار حول المحتوى الذي يستهدف وعي مواطنيها من خلال الفضاء الرقمي، والتطور التكنولوجي الذي أمد الإرهاب اليوم بتقنيات عدة شديدة الخطورة من الاتصالات المشفرة، والعملات الرقمية، والمُسيَّرات التجارية، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وكل هذه كانت حكراً على الدول؛ لكنها باتت اليوم متاحة للميليشيات والتنظيمات الكامنة في مخابئها. والآن جاء الذكاء الاصطناعي وهو الأخطر.

 

ماذا تبقى من دروس 11 سبتمبر؟ أعتقد أن نقص المخيِّلة التي فشلت يومئذ في تصور تحوُّل الطائرة المدنية إلى قنبلة بشرية انتحارية، ما زالت تعيش قصورها، من خلال استمرار البحث عن الإرهابي النمطي في المطار، ومراقبة التنظيمات في معسكراتها النائية، بينما هي اليوم معسكرات رقمية تنفذ إلى داخل الدول من خلال سلطة الخوارزميات والمحتوى المزيف.

 

الخطر لم يختفِ؛ لكنه غيَّر شكله، بينما ما زالت أجزاء من هذا العالم عالقة في الصورة التي عرفته بها قبل ربع قرن.