اليمن بين وصايةٍ لم تحدث ودولةٍ لم تولد
من «التبع» المنتظر إلى مشروع الدولة: هل يستطيع الإرث السبئي أن يصنع طريقاً ثالثاً؟هناك سؤال يرفض أن يموت في اليمن: هل أصبح اليمن دولةً تحت الوصاية الدولية؟
السؤال مفهوم في بلدٍ صار فيه القرار المحلي متشابكاً إلى هذا الحد مع قرارات مجلس الأمن، والمبعوثين الدوليين، والعقوبات، والوسطاء الإقليميين، والمساعدات الإنسانية، وتقارير الخبراء. لكنه، من الناحية القانونية، يخلط بين شيئين مختلفين تماماً: الوصاية الدولية بالمعنى الذي أنشأه ميثاق الأمم المتحدة، وبين التدخل الدولي القسري لإدارة تهديدات السلم والأمن الدوليين.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
اليمن ليس إقليماً خاضعاً لنظام الوصاية الأممي. نظام الوصاية أنشأته الأمم المتحدة أصلاً لإدارة أقاليم محددة بموجب اتفاقات وصاية، بهدف دفعها نحو الحكم الذاتي أو الاستقلال. وقد وُضع أحد عشر إقليماً تحت هذا النظام، وكان إقليم جزر المحيط الهادئ الخاضع للوصاية، الذي كانت تديره الولايات المتحدة، آخرها؛ وانتهى وضع بالاو كإقليم مشمول بالوصاية عام 1994 بعد ممارسة سكانه حق تقرير المصير. عندها علّق مجلس الوصاية نشاطه المنتظم.
اليمن لم يدخل هذا المسار.
ما حدث هو شيء آخر: مجلس الأمن تعامل مع الأزمة اليمنية باعتبارها قضية تهدد السلم والأمن الدوليين، وأصدر قرارات بموجب الفصل السابع، من بينها القرار 2140 لعام 2014 والقرار 2216 لعام 2015، وأنشأ نظام عقوبات وتدابير محددة، ثم واصل تجديد بعض هذه التدابير. والقرار 2801 الصادر في نوفمبر 2025 مدد تجميد الأصول وحظر السفر للأشخاص والكيانات المدرجة حتى نوفمبر 2026، ومدد ولاية فريق الخبراء حتى ديسمبر 2026.
وهذا فارق قانوني ليس ترفاً أكاديمياً.
ففي حالة الوصاية، تكون هناك بنية قانونية دولية صريحة لإدارة إقليم موضوع تحت نظام الوصاية، أما في الحالة اليمنية فمجلس الأمن لا يدير اليمن بوصفه «إقليماً أممياً»، ولا يملك سلطة عامة لإدارة وزاراته أو تعيين حكومته أو كتابة دستوره. إنه يتعامل مع نزاع يرى أن له آثاراً على السلم والأمن الدوليين، ويفرض تدابير محددة على أشخاص وكيانات، ويدعم مساراً سياسياً.
لكن المفارقة أن غياب الوصاية القانونية لا يعني غياب التأثير الدولي العميق.
وهنا تكمن المشكلة التي ينبغي ألا نخفيها خلف المصطلحات.
مجلس الأمن يستطيع أن يضغط… لكنه لا يستطيع أن يبني دولة
منذ 2014 أصبح اليمن موضوعاً دائماً على طاولة مجلس الأمن.
هناك عقوبات، وحظر سفر، وتجميد أصول، وحظر أسلحة موجّه، وفريق خبراء، وتقارير دورية، وقرارات متعاقبة. ويشير نظام العقوبات نفسه إلى أن التدابير تستهدف أشخاصاً أو كيانات مرتبطة بأفعال تهدد السلام أو الأمن أو الاستقرار في اليمن، أو تعرقل الانتقال السياسي أو المساعدات الإنسانية أو تنتهك القانون الدولي الإنساني.
لكن كل هذه الأدوات، مهما اتسعت، لا تصنع دولة.
مجلس الأمن يستطيع أن يعاقب.
يستطيع أن يهدد.
يستطيع أن يطالب.
يستطيع أن يفرض حظراً محدداً.
يستطيع أن يدعم وساطة.
لكنه لا يستطيع أن يمنح مجتمعاً متشظياً عقداً اجتماعياً من الخارج.
وهذه هي الحلقة المفقودة في النقاش اليمني.
لقد أمضينا سنوات طويلة نناقش كيف يوقف العالم الحرب، بينما السؤال الأصعب هو: ماذا سيأتي بعد توقفها؟
وقف إطلاق النار ليس دولة.
فتح الطرق ليس دولة.
دفع الرواتب ليس دولة.
رفع العقوبات ليس دولة.
حتى الاتفاق السياسي، إذا لم يجد وراءه مؤسسات وقواعد مقبولة وقوة قانونية تحتكر السلاح، ليس دولة.
الدولة تبدأ عندما يصبح هناك اتفاق على سؤال أبسط وأخطر: من أين تأتي السلطة؟
أزمة اليمن ليست فقط أزمة حكومة… بل أزمة مصدر للشرعية
الانتقال السياسي اليمني دخل منذ سنوات في منطقة رمادية بين الشرعية الدستورية والشرعية السياسية والاعتراف الدولي.
الدستور اليمني ينص على أن رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة وأنه يُنتخب وفقاً للدستور.
لكن واقع الحرب أنتج ترتيبات سياسية استثنائية.
وفي أبريل 2022 أعلن الرئيس عبد ربه منصور هادي نقل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي، في خطوة استند الإعلان عنها إلى الدستور والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية.
وهنا تظهر المشكلة التي لا تحلها عبارة «الشرعية الدولية».
فالاعتراف الدولي شيء، والشرعية الدستورية الكاملة شيء آخر، والقدرة الفعلية على الحكم شيء ثالث.
يمكن لسلطة أن تتمتع باعتراف دولي واسع من دون أن تسيطر على الأرض كلها.
ويمكن لسلطة أخرى أن تسيطر على مساحة سكانية واسعة ومؤسسات ومقدرات عسكرية من دون أن تحظى بالاعتراف الدولي نفسه.
ويمكن لقوة ثالثة أن تمتلك نفوذاً عسكرياً ومؤسسات محلية في جزء من البلاد دون أن تكون دولة مستقلة معترفاً بها.
اكتشاف المزيد
أخبار وتقارير
أخبار جعار
صُحف
وهكذا يصبح اليمن أمام ثلاث خرائط في وقت واحد:
خريطة القانون.
وخريطة الاعتراف الدولي.
وخريطة القوة على الأرض.
والمأساة أن الخرائط الثلاث لا تتطابق.
لذلك لا تكفي مصالحة بين النخب
كل مبادرة سياسية تواجه في النهاية السؤال نفسه:
من يملك حق الحكم؟
قد نتفق على مجلس.
وقد نتفق على حكومة.
وقد نتفق على تقاسم الموارد.
وقد نتفق على شكل الدولة.
لكننا سنعود في النهاية إلى السؤال الأصلي: ما الأساس الذي يجعل المواطن يقبل سلطة فوقه؟
هل هو الانتخاب؟
أم الثورة؟
أم القوة العسكرية؟
أم النسب؟
أم الاعتراف الدولي؟
أم السيطرة الفعلية؟
أم القدرة على تقديم الخدمات؟
هنا تصبح الأزمة أعمق من مجرد خلاف بين حزبين أو جماعتين.
لكن من المهم أيضاً ألا نقع في تبسيط تاريخي يجعل اليمن كله أسيراً لمعادلة واحدة منذ 1962. فالتاريخ اليمني أكثر تعقيداً من ثنائية صلبة بين «جمهورية» و«إمامة». الجمهورية نفسها مرت بتحولات وصراعات، والإمامة اليمنية لم تكن نظاماً سياسياً ثابتاً بلا اختلافات داخلية، كما أن القبيلة والدولة والمذهب والمنطقة والمصالح الاقتصادية لعبت أدواراً متداخلة في تشكيل السلطة.
ولهذا فإن البحث عن حل لا ينبغي أن يقوم على اختراع تاريخ مبسط، بل على استخراج ما يمكن أن يكون صالحاً من التاريخ الحقيقي.
وهنا تصل القصة إلى مأرب.
سبأ ليست جمهورية حديثة… لكنها ليست أسطورة سياسية أيضاً
من أكثر الأخطاء إغراءً في الخطاب اليمني الحديث تحويل سبأ إلى نسخة قديمة من الدولة القومية الحديثة.
وهذا غير دقيق.
الدراسات الأكاديمية تصف النظام السبئي القديم بوصفه نظاماً سياسياً معقداً تطور عبر مراحل. وتشير المصادر إلى دور المكاربة، ثم الملوك، وإلى وجود مؤسسات قبلية ومراكز دينية وقوى محلية، وإلى أن علاقة السلطة المركزية بالقبائل والمناطق لم تكن على صورة الدولة المركزية الحديثة.
لكن هذا لا يجعل الإرث السبئي عديم القيمة.
العكس تماماً.
قيمته الحقيقية ليست في أن نقول لليمنيين: «عودوا إلى نظام سبأ».
فلا يمكن إعادة القرن الأول قبل الميلاد.
ولا يمكن تحويل النقوش القديمة إلى دستور حديث.
ولا يمكن استنساخ المكاربة أو الملوك أو مجالس القبائل في دولة القرن الحادي والعشرين.
القيمة الحقيقية أن سبأ تقدم ذاكرة سياسية يمنية أقدم من الصراعات الحديثة.
تقدم نموذجاً تاريخياً لدولة نشأت حول إدارة الموارد، وتنظيم القبائل، وحماية طرق التجارة، وإدارة المياه، وبناء المؤسسات، وربط مناطق متعددة بمصالح مشتركة.
وهنا تصبح مأرب أكثر من مدينة.
تصبح رمزاً.
الماء قبل السياسة
ربما كان أعظم درس سبئي ليس في القصر ولا في التاج، وإنما في السد.
فالحضارة التي تعيش في بيئة قاسية لا تستطيع البقاء بالشعارات.
الماء كان قضية دولة.
والتجارة كانت قضية دولة.
والطرق كانت قضية دولة.
والأمن كان قضية دولة.
وهذه نقطة شديدة الأهمية لليمن المعاصر.
إذا أراد اليمنيون بناء مشروع جامع، فربما يكون الخطأ الأكبر أن يبدأوا بالسؤال:
من سيكون الرئيس؟
السؤال الأكثر واقعية قد يكون:
من سيبني الطريق؟
من سيعيد تشغيل شبكة المياه؟
من سيحمي الموانئ؟
من سيعيد توحيد السوق؟
من سيضمن انتقال السلع؟
من سيعيد المؤسسات النقدية؟
من سيمنح المواطن راتباً مقابل عمل لا مقابل ولاء؟
من سيجعل الدولة مفيدة للمواطن قبل أن يطلب منه المواطن الولاء للدولة؟
هذه هي الشرعية التي يمكن تسميتها شرعية الإنجاز.
ولا يعني ذلك إلغاء الشرعية الدستورية أو الانتخابية.
بل يعني أن الدستور نفسه يحتاج إلى دولة قادرة على تطبيقه.
من «الهوية» إلى مشروع دولة
لهذا يمكن النظر إلى فكرة «الإرث السبئي» بصورة مختلفة تماماً عن الخطاب القومي أو العاطفي.
ليست الفكرة أن نستبدل أيديولوجية بأيديولوجية.
ولا أن نضع سبأ في مواجهة الإسلام.
ولا أن نحول التاريخ القديم إلى أداة لإقصاء أي مكوّن يمني معاصر.
بل أن نبحث عن هوية وطنية تاريخية مشتركة لا تتطلب من اليمني أن يعلن ولاءه لمحور إقليمي كي يكون يمنياً.
وهذا فرق جوهري.
فالهوية الوطنية لا تحتاج إلى محو الدين.
ولا تحتاج إلى محو المناطق.
ولا تحتاج إلى محو القبيلة.
ولا تحتاج إلى محو التاريخ الإسلامي.
بل تحتاج إلى وضع كل ذلك داخل إطار سياسي أعلى: المواطنة.ل
يمكن لليمني أن يكون زيدياً أو شافعياً، هاشمياً أو قبلياً، شمالياً أو جنوبياً، حضرمياً أو تهامياً، وأن يظل قبل كل شيء مواطناً في دولة واحدة.
هذه ليست معادلة سهلة.
لكنها أكثر واقعية من محاولة إجبار المجتمع على اختيار هوية واحدة وإلغاء بقية الهويات.
هل يمكن للثقافة أن تسبق السياسة؟
هنا تصبح النقوش القديمة أكثر أهمية مما تبدو عليه.
المسند ليس مجرد حروف على حجر.
إنه أرشيف دولة.
إنه سجل للأسماء والتحالفات والمشاريع والبناء والعبادة والتجارة والحرب والموارد.
وإحياء دراسة المسند لا يعني إقامة مهرجان فولكلوري آخر.
يمكن أن يتحول إلى مشروع وطني حقيقي:
مراكز لدراسة النقوش.
رقمنة الآثار.
إنشاء قواعد بيانات مفتوحة.
تدريس تاريخ اليمن القديم بصورة علمية في المدارس والجامعات.
إعادة بناء طرق التجارة القديمة رقمياً.
إنشاء متاحف حديثة في مأرب وشبوة وحضرموت وتعز وصنعاء وعدن.
دعم صناعة أفلام وألعاب وكتب وروايات تستند إلى التاريخ اليمني.
تحويل المواقع الأثرية إلى اقتصاد ثقافي وسياحي.
وخلق علامة دولية لليمن لا تبدأ من الحرب.
هذه ليست أحلاماً منفصلة عن الاقتصاد.
إنها جزء من اقتصاد المعرفة والهوية.
والأهم أنها مشاريع تستطيع أن تجمع اليمنيين حول سؤال لا يحتاج إلى اتفاق مسبق على الرئيس القادم.
لكن هناك فخاً يجب تجنبه
أخطر ما يمكن فعله هو تحويل «سبأ» إلى أيديولوجية جديدة.
إذا قيل للجنوبي إن سبأ تعني إلغاء هويته الجنوبية، فسيقاومها.
وإذا قيل للحوثي إن سبأ تعني إلغاء هويته الدينية، فسيرفضها.
وإذا قيل للقبيلة إن سبأ تعني إلغاء بنيتها الاجتماعية، فسترفضها.
وإذا قيل لليبرالي إن سبأ هي البديل عن الدستور، فسيرفضها.
وإذا قيل للإسلامي إن استعادة سبأ تعني استبدال الإسلام بحضارة ما قبل الإسلام، فسيرفضها.
ولهذا فإن المشروع الثقافي لا يمكن أن ينجح بوصفه مشروعاً بديلاً عن المجتمع.
إنما يمكن أن ينجح بوصفه جسراً بين مكونات المجتمع.
الرسالة ليست: «عودوا إلى سبأ».
بل:
تذكروا أنكم كنتم مجتمعاً قادراً على بناء دولة.
وهذه رسالة مختلفة تماماً.
الدولة لا تُستورد من الخارج
المشكلة اليمنية ليست أن العالم لا يملك أفكاراً لليمن.
العالم لديه عشرات الأفكار.
مبادرات.
مؤتمرات.
خرائط.
خطط.
مبعوثون.
خبراء.
مانحون.
لكن الدولة لا يمكن استيرادها في صندوق مساعدات.
يمكن للخارج أن يمول مشروعاً.
يمكنه أن يدعم عملية سياسية.
يمكنه أن يضغط على الأطراف.ف
يمكنه أن يفرض عقوبات.
لكن لا يستطيع أن يخلق في مجتمع منقسم شعوراً بأن الدولة ملك الجميع.
وهذا بالضبط ما يجعل الحديث عن «الخروج من الوصاية» مضللاً إذا فهم باعتباره خروجاً قانونياً منف نظام وصاية لم يوجد أصلاً.
المطلوب ليس إخراج اليمن من وصاية أممية.
المطلوب هو إخراج اليمن من الاعتماد على الخارج في تعريف مشكلته وفي تحديد مستقبل دولته.
وهذا فرق هائل.
من انتظار «التبع» إلى صناعة المستقبل
في المخيال الشعبي اليمني، تظهر بين حين وآخر صورة المنقذ القادم من الجبل، أو الملك الذي سيظهر في اللحظة الأخيرة ليعيد النظام إلى البلاد.
لكن الدول لا تنهض بهذه الطريقة.ق
التاريخ لا يعمل كحكاية شعبية.
لا يأتي رجل واحد من جبل عيبان حاملاً مفتاح اليمن.
ولا يوجد «تبع» معاصر يستطيع أن يختصر قروناً من التحولات في قرار واحد.
المنقذ الحقيقي، إن كان ثمة منقذ، ليس شخصاً.
إنه جيل.
جيل يتعلم المسند لا ليعبد الماضي، بل ليفهمه.
يقرأ تاريخ سبأ لا ليعود إلى الماضي، بل ليكتشف أن اليمن لم يكن دائماً بلداً ينتظر المساعدات.
ينظر إلى مأرب لا بوصفها أطلالاً، بل بوصفها سؤالاً:
كيف يستطيع مجتمع فقير بالمياه والموارد أن يبني نظاماً اقتصادياً وسياسياً معقداً؟
ينظر إلى حضرموت لا بوصفها هامشاً، بل بوصفها تاريخاً تجارياً عابراً للحدود.
ينظر إلى عدن لا بوصفها ساحة صراع، بل بوصفها مدينة ارتبطت بالتجارة العالمية.
ينظر إلى تعز وصنعاء والحديدة وشبوة والجوف والمهرة وسقطرى بوصفها أجزاء مختلفة من قصة واحدة.
الطريق الثالث ليس شعاراً
اليمن لا يحتاج بالضرورة إلى مشروع ثالث بمعنى حزب ثالث.
قد يحتاج إلى منظومة ثالثة من الأفكار.
دولة لا تقوم على النسب.
ولا تقوم على السلاح.
ولا تقوم على الرعاية الخارجية.
ولا تقوم على تقسيم المجتمع إلى مؤمنين وخونة.
ولا تختزل الجمهورية في شخص.
ولا تختزل الوحدة في خريطة.
ولا تختزل الجنوب في ملف تفاوضي.
ولا تختزل الشمال في جماعة مسلحة.
ولا تختزل اليمن في أزمة إنسانية.
دولة يكون معيارها:
المواطنة.
الانتخاب.
القانون.
المؤسسة.
الاقتصاد.
الماء.
التعليم.
الأمن.
والقدرة على تقديم الخدمات.
وإذا كان للإرث السبئي معنى في القرن الحادي والعشرين، فربما يكون هذا هو معناه الأكثر عقلانية: أن تصبح الدولة مشروعاً عملياً مشتركاً، لا عقيدةً تفرضها جماعة على بقية المجتمع.
اليمن لا يحتاج إلى وصي جديد
في النهاية، السؤال الحقيقي ليس: متى تنتهي «الوصاية الدولية»؟
لأن الوصاية، بالمعنى القانوني لنظام الأمم المتحدة، ليست هي الوضع الذي يوجد فيه اليمن.
السؤال الحقيقي هو:
متى يستطيع اليمن أن ينتقل من كونه ملفاً دولياً إلى كونه دولةً قادرة على إدارة نفسها؟
وهذا الانتقال لن يحدث بمجرد قرار في نيويورك.
ولا بمجرد اتفاق في الرياض.
ولا بمجرد تفاهم في مسقط.
ولا بمجرد وقف للحرب.
إنه يحتاج إلى إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة.
وإلى إعادة تعريف معنى الشرعية.
وإلى اتفاق على أن السلاح لا يمنح حق الحكم، وأن الاعتراف الخارجي لا يكفي وحده، وأن التاريخ لا يمكن أن يكون ملكاً لجماعة، وأن الهوية الوطنية لا تعني إلغاء الهويات الفرعية.
وربما هنا تكمن المفارقة اليمنية الكبرى:
قبل آلاف السنين، احتاج اليمنيون إلى تنظيم الماء والتجارة والقبائل كي يصنعوا قوة سياسية قادرة على البقاء.
واليوم، بعد آلاف السنين، يعود اليمن إلى السؤال نفسه ولكن بأدوات جديدة:
كيف نبني دولة تجعل مصالح اليمنيين المشتركة أقوى من صراعاتهم؟
قد لا يكون الجواب في استعادة سبأ.
لكن ربما يكون الجواب في استعادة الفكرة التي جعلت سبأ ممكنة: أن المصلحة المشتركة تستطيع أن تصنع وحدةً تتجاوز الانقسام.
فلا التبع سيخرج من عيبان لينقذ اليمن، ولا مجلس الأمن سيبني الدولة نيابة عن اليمنيين.
الدولة، في نهاية المطاف، لا يولدها القرار الدولي.
الدولة يولدها مجتمع يقرر أن مستقبله المشترك أغلى من انتصاراته المنفردة.
