حين يصبح الألف الريال ميزانية مدرسة في عدن



من يقف خارج أسوار المدرسة، قد يرى الألف ريال مبلغًا عابرًا لا يستحق كل هذا الحديث، لكن من يقف داخلها يعرف أن الأرقام الصغيرة قد تخفي خلفها أعباءً كبيرة، وأن المدرسة الحكومية اليوم لا تعيش أزمة رسوم بقدر ما تعيش أزمة موارد ومسؤوليات تتسع يومًا بعد يوم.

مع بداية العام الدراسي، وجدت إدارات المدارس الحكومية نفسها أمام احتياجات متراكمة، في وقت لم تصل فيه كثير من المدارس إلى ما يكفيها من الأثاث المدرسي، والقرطاسية، والأوراق، والسبورات، ومستلزمات النظافة والتشغيل. ومع ذلك، يُطلب من المدرسة أن تواصل عامها الدراسي وكأن كل شيء متوفر.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

فالألف ريال التي يدفعها الطالب لا تبقى رقمًا في دفتر، بل تتوزع بين مياه الشرب، وتصوير الاختبارات والمقررات، وأعمال النظافة، وإصلاحات الكهرباء، وبعض الاحتياجات الطارئة للطلاب والمعلمين، وغيرها من التفاصيل التي لا يراها من يجلس بعيدًا عن واقع المدرسة.

قد يكون المبلغ قليلًا في نظر البعض، لكنه عندما يوضع أمام عشرات الاحتياجات يصبح عاجزًا عن تغطية أبسط الضروريات، خصوصًا في المدارس التي تشهد كثافة طلابية كبيرة ونقصًا في الأثاث والمستلزمات.


المشكلة إذن ليست في الألف ريال وحده، وإنما في السؤال الأكبر: هل أصبحت المدرسة مطالبة بأن تموّل جزءًا من بقائها من موارد محدودة، بينما تتراجع عنها الإمدادات الأساسية التي يفترض أن تصلها من الجهات التعليمية؟

إن مدير المدرسة لا يستطيع أن يقول للطالب: لا توجد مياه اليوم، ولا يستطيع أن يؤجل الاختبار لأن الورق غير متوفر، ولا يستطيع أن يترك الكهرباء معطلة لأن موازنة المدرسة لا تسمح. وفي النهاية يجد نفسه مضطرًا للبحث عن حلول من هنا وهناك، حتى لا تتوقف عجلة التعليم.

وهنا يجب أن ندرك أن مدير المدرسة لم يعد مديرًا إداريًا فحسب؛ بل أصبح في كثير من الأحيان مديرًا للأزمة، يبحث عن الورقة، والماء، والإصلاح، والنظافة، والأثاث، ثم يعود إلى فصله ومدرسته ليُسأل عن جودة التعليم وانضباطه.

رسالتي إلى وزير التربية والتعليم الدكتور عادل العبادي، وإلى الدكتورة مايسة عشيش، وإلى مكاتب التربية في مديريات محافظة عدن: إن المدارس لا تحتاج إلى تحميلها مزيدًا من الأعباء بقدر حاجتها إلى أن تشعر بأن الجهات المسؤولة تقف إلى جانبها.

التعليم لا يُبنى بالقرارات وحدها، ولا تستقيم المدرسة بالتوجيهات فقط؛ المدرسة تحتاج إلى موارد حقيقية، وأثاث، وقرطاسية، وبيئة آمنة ونظيفة، ومعلم يجد ما يساعده على أداء رسالته.

أما أن نطالب المدرسة بالنتائج، ونحاسب مديرها على التقصير، ثم نتركه يبحث عن أبسط مقومات العمل، فذلك يعني أننا نحمّل الحلقة الأضعف مسؤولية نقصٍ لم تصنعه.

فالمدرسة الحكومية ليست مبنى وفصولًا وطلابًا فقط؛ إنها مؤسسة تحمل مستقبل جيل كامل.

وإذا أردنا تعليمًا قويًا، فعلينا أولًا أن نسأل أنفسنا بصدق:

ماذا قدمنا للمدرسة قبل أن نسألها: ماذا قدمت للطالب؟

فمن أراد نتائج كبيرة من التعليم، عليه أن يبدأ أولًا بتوفير الأدوات التي تجعل تلك النتائج ممكنة.

فهل من تحركات عاجلة ، لتحافظ تلك المؤسسات التعليمية على مهنتيها التربوية الناجحة ؟!

فمن يزرع الورد ، يشم الريحان

إذا عاد هناك تعليم في بلادي

من رائد الفضلي