من الحدود إلى عمق الجبهات.. تلاحم القوات الجنوبية يحول محاولات الحوثيين إلى معركة استنزاف قاسية (تقرير)
تقرير – عين عدن – خاص:
لم تكن الضربات الدقيقة التي نفذها صقور قوات العمالقة الجنوبية خلال الأيام الماضية ضد آليات وتجمعات ومواقع مليشيات الحوثي في أكثر من جبهة مجرد مشاهد عسكرية عابرة. بل جاءت لتقدم دليلا ميدانيا جديدا على حجم الجاهزية التي باتت تتمتع بها القوات الجنوبية في مواجهة أي محاولة للتقدم نحو الجنوب. وهي رسالة تعيد إلى الأذهان الدروس القاسية التي تلقتها المليشيات منذ معارك عام 2015 عندما اصطدمت بمقاومة شرسة انتهت بإخراجها من العاصمة عدن ومناطق جنوبية أخرى. واليوم وبعد أكثر من عقد تعود الجبهات لتقول إن الجنوب الذي واجه الحوثيين بالأمس ما يزال قادرا على الدفاع عن أرضه وحدوده.
فمن كهبوب والمرتفعات المطلة على باب المندب إلى الوازعية والبيضاء وبيحان وغيرها من خطوط المواجهة برزت خلال الأسابيع الأخيرة صورة عسكرية عنوانها تلاحم القوات الجنوبية بمختلف تشكيلاتها. ورغم تعدد الوحدات والمهام فإن المعركة جمعتها أمام هدف واحد يتمثل في منع مليشيات الحوثي من تحقيق اختراق جديد باتجاه الجنوب والتصدي لأي محاولة لفرض واقع عسكري جديد بالقوة.
وكانت قيادات جنوبية قد وجهت خلال الفترات الماضية تحذيرات متكررة للحوثيين من مغبة اختبار حدود الجنوب أو التفكير في إعادة سيناريو الغزو. لكن الجماعة واصلت التصعيد في ظل علاقتها الوثيقة بإيران ودعم طهران لها. وهي علاقة موثقة دوليا عبر سنوات من العقوبات والتقارير المتعلقة بنقل الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية إلى الحوثيين. ومع تجدد المواجهات وجد المقاتلون أنفسهم أمام اختبار جديد لمدى قدرة خطوط الدفاع الجنوبية على الصمود ومنع أي تقدم.
وما حدث في الجبهات خلال الأيام الماضية أعاد رسم جانب من صورة المواجهة. فقد أعلنت قوات العمالقة الجنوبية تنفيذ ضربات دقيقة استهدفت آليات وتجمعات ومواقع للحوثيين في كهبوب والوازعية. كما أعلنت في وقت سابق عمليات عسكرية في جبهة البيضاء وإسقاط طائرات مسيرة في كهبوب وبيحان. وهي عمليات جاءت بالتزامن مع اشتداد المواجهات في عدد من المحاور وتحول المرتفعات الاستراتيجية إلى نقاط صراع حاسمة للسيطرة النارية وتأمين خطوط الحركة والإمداد.
وفي كهبوب تحديدا اكتسبت المواجهة أهمية استثنائية بفعل موقع المنطقة المطل على باب المندب. فهناك لم تعد المعركة مرتبطة بموقع جبلي فحسب بل بمرتفعات تمنح من يسيطر عليها قدرة على مراقبة مساحات واسعة والتأثير في طرق الحركة والإمداد. ولهذا دفعت شدة المواجهات كلا الطرفين إلى محاولة تثبيت مواقعه ومنع الطرف الآخر من امتلاك أفضلية ميدانية على الأرض.
أما الضربات التي ينفذها صقور قوات العمالقة الجنوبية فقد أظهرت بعدا آخر في طبيعة المعركة يقوم على الرصد والاستهداف الدقيق للآليات والثكنات والخنادق والتجمعات العسكرية. وأعلن المركز الإعلامي للقوات خلال الأيام الماضية تدمير مركبات وآليات واستهداف تجمعات حوثية في كهبوب والوازعية. كما نشر مقاطع قال إنها توثق جانبا من تلك العمليات.
وبعيدا عن أسماء التشكيلات فإن الصورة الأوسع التي تقدمها الجبهات اليوم هي صورة قوات جنوبية تقاتل في مساحة واحدة وضمن هدف دفاعي مشترك. فالخطر الذي يقترب من الحدود لا يسأل المقاتل عن اسم وحدته العسكرية. وحين تصبح الأرض هي المستهدفة تتحول البنادق المختلفة إلى خط دفاع واحد وتصبح القدرة على التنسيق والثبات وإسناد الجبهات أهم من الشعارات والأسماء.
ويرى محللون سياسيون وعسكريون أن محاولة الحوثيين فتح معركة طويلة باتجاه الجنوب تحمل مخاطر كبيرة على الجماعة بسبب اتساع خطوط القتال وصعوبة التضاريس ووجود قوات تمتلك خبرة متراكمة في مواجهتها. ويذهب بعضهم إلى وصف أي اندفاع حوثي واسع جنوبا بأنه معركة خاسرة إذا تحول إلى استنزاف طويل وفشلت الجماعة في تأمين خطوط الإمداد وتثبيت المواقع التي تحاول الوصول إليها.
ومع ذلك فإن المعركة لم تنته بعد. فالحوثيون ما يزالون يمتلكون قدرات عسكرية تشمل الطائرات المسيرة والصواريخ وتحريك القوات بين الجبهات. ولذلك فإن قراءة المشهد لا ينبغي أن تقوم على إعلان انتصار مبكر بقدر ما يجب أن تنطلق من حقيقة أن الحفاظ على الأرض يحتاج إلى يقظة مستمرة وإمداد وتنسيق عسكري وقدرة على التعامل مع حرب قد تطول وتتغير أدواتها.
وإذا كانت لهذه المعارك رسالة تتجاوز خطوط النار فهي موجهة أيضا إلى التحالف العربي. فالقوات الجنوبية أثبتت خلال سنوات الحرب أنها شريك ميداني فاعل في مواجهة الحوثيين وأن الاستثمار في جاهزيتها وتسليحها وتدريبها وتعزيز قدراتها الدفاعية يمثل عاملا مهما في حماية المناطق المحررة وتأمين باب المندب ومواجهة أي تمدد جديد. وفي المقابل أظهرت تجارب السنوات الماضية أن بعض الجبهات اليمنية الأخرى شهدت انهيارات وانسحابات وفقدان مواقع رغم ما تلقته من دعم كبير وهو ما يجعل تقييم الأداء على أساس النتائج الفعلية في الميدان أمرا ضروريا.
واليوم تبدو الحاجة أكبر إلى دعم القوات التي تصمد على الأرض وتدافع عن مواقعها وتتحمل كلفة المواجهة. فالمعركة لا تحتاج إلى تشكيلات تحمل أسماء كبيرة بقدر حاجتها إلى قوات تثبت عند الاختبار أنها قادرة على حماية الأرض التي تتولى الدفاع عنها. ومن هنا تأتي أهمية استمرار دعم القوات الجنوبية ورفع قدراتها باعتبارها قوة شاركت التحالف في مواجهة الحوثيين منذ سنوات وظلت حاضرة في ساحات القتال عندما أصبحت الأرض والحدود والأمن تحت الاختبار.