الشيخ عبدالله منصور حسين عشال الميسري .. رجل الدولة والكرم والنضال في دثينة



يُعد الشيخ عبدالله منصور حسين عشال الميسري من الشخصيات البارزة في تاريخ دثينة الحديث، ومن رجالاتها الذين جمعوا بين المكانة الاجتماعية والدور السياسي والعمل الوطني والعطاء الإنساني. فقد كان من أعضاء المجلس الأعلى لولاية دثينة، وتولى حقيبتي التربية والصحة في جمهورية دثينة ثم في ولاية دثينة، وظل مرتبطًا بخدمة وطنه ومجتمعه طوال مراحل مهمة من تاريخ دثينة السياسي.


وُلد الشيخ عبدالله منصور حسين عشال في قرن عشال بمديرية مودية، ووالدته نعمة بنت الخضر عشال. وله من الأبناء: أحمد، وعيدروس، وجعفر، ومحمد، وسعيد، ومنصور.



*مكانته الدينية والإنسانية*


عرف الشيخ عبدالله منصور عشال بالصلاح وحسن السيرة وكثرة الإحسان إلى الناس، وكان ممن عُرف عنهم إطعام الطعام وبذل المال وقضاء حوائج المحتاجين. وقد حج بيت الله الحرام، وكان حريصًا على أعمال البر والخير، فساهم في بناء المساجد والمدارس وغيرها من وجوه النفع العام.

ومن أعماله الخيرية أنه أوقف أرضًا زراعية في قرن عشال لمسجد الخير في مودية، لتكون موردًا دائمًا من موارد المسجد.

وكان بيته مفتوحًا للفقراء والمحتاجين، حتى أصبح مقصدًا لأناس من مناطق مختلفة، يقصدونه طلبًا للطعام والعون. وكان يقيم الولائم ويطعم الناس، ولا يكاد يرد سائلاً أو محتاجًا.

وتروي الذاكرة المحلية أن بيته كان أشبه بملجأ للفقراء، يجد فيه الجائع طعامه، والمحتاج من يعينه، وعابر السبيل من يكرمه. وهي خصلة ارتبطت باسمه في الروايات الشفوية التي حفظها أبناء المنطقة.


*دوره السياسي في دثينة*


برز الشيخ عبدالله منصور عشال في الحياة السياسية في دثينة خلال مرحلة تأسيس مؤسساتها السياسية والإدارية، وكان عضوًا في المجلس الأعلى لولاية دثينة، كما تولى مسؤولية التربية والصحة في جمهورية دثينة ثم ولاية دثينة.


ومن الخصائص التي تذكرها الروايات المحلية عنه أنه حافظ على تولي هاتين المسؤوليتين منذ مرحلة تأسيس جمهورية دثينة، ثم خلال مرحلة الولاية، حتى الاستقلال. وهذا يمثل دلالة مهمة على المكانة التي حظي بها، وعلى الثقة التي أُوليَت له في إدارة قطاعين أساسيين هما التعليم والصحة.

وكان من الشخصيات المؤثرة في المجتمع الدثني، ولم تكن مكانته نابعة من موقعه الرسمي وحده، بل من حضوره الاجتماعي والاقتصادي وقدرته على التواصل مع مختلف شرائح المجتمع.


*موقفه من مشروع تقسيم دثينة سنة 1952م*


من المواقف السياسية التي تُنسب إلى الشيخ عبدالله منصور عشال موقفه الرافض للمشروع البريطاني الرامي إلى إعادة ترتيب دثينة وتقسيمها وضم أجزاء منها إلى سلطنتي العوذلي والفضلي سنة 1952م.

وتذكر الرواية المحلية أنه وقف ضد هذا المشروع، ودعا الشعراء والشخصيات الاجتماعية إلى حشد جماهيري في ميدان التحرير للتعبير عن رفض أبناء دثينة لمشروع التقسيم.

ويكشف هذا الموقف عن حضور مبكر لفكرة الدفاع عن وحدة دثينة ومصالح أهلها في مواجهة المشاريع السياسية التي كانت ترسمها الإدارة البريطانية للمنطقة.



*دعمه للثورة والحركة الوطنية*


كان الشيخ عبدالله منصور عشال من الداعمين لثورة ربيز، كما كان من كبار الداعمين لثورة 14 أكتوبر، بالمال والرجال.

وتروي الروايات التي حفظتها الذاكرة المحلية أنه كان يذبح الذبائح ويعد الطعام للثوار، ثم يُنقل الطعام إلى جبل فحمان حيث كان الثوار يتمركزون.

وكان ابنه سعيد عبدالله منصور عشال من أوائل الذين صعدوا إلى جبل فحمان والتحقوا بالمناضلين، الأمر الذي يعكس مشاركة الأسرة في دعم الثورة، لا بوصفها موقفًا سياسيًا مجردًا، وإنما من خلال المال والرجال والإمداد.

كما عُرف الشيخ عبدالله بمناصرته للقضايا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.


*دوره في التنمية والتعليم والصحة*


ارتبط اسم الشيخ عبدالله منصور عشال كذلك بالتنمية الاجتماعية في دثينة، وتُنسب إليه مساهمة كبيرة في تأسيس المدارس والوحدات الصحية في الولاية.

وقد جمع بين المسؤولية الحكومية والقدرة المالية، الأمر الذي جعله يؤدي دورًا اقتصاديًا واجتماعيًا يتجاوز حدود منصبه الرسمي.

وتروي الروايات المحلية أنه كان يُقرض السلطة في ولاية دثينة عندما تتأخر رواتب الموظفين، حتى شبّهه بعض أبناء المنطقة بـ البنك المركزي للولاية؛ في إشارة إلى قدرته المالية واستعداده لتسخير ماله لخدمة الإدارة والمجتمع.


هذه الرواية بتفاصيلها تقدم صورة مهمة عن طبيعة العلاقة بين رجال المال والدولة في دثينة خلال تلك المرحلة، حيث لم تكن مؤسسات الدولة تملك دائمًا الموارد الكافية، وكان بعض الوجهاء والتجار يسدون جانبًا من احتياجاتها المالية.


*مجلسه العرفي ومكانته الاجتماعية*


كان في ولاية دثينة نظامان للقضاء والتحكيم: المحكمة الشرعية والمحكمة العرفية.

وكان للشيخ عبدالله منصور عشال مجلس عرفي في بيته، تُعرض فيه القضايا والمنازعات القبلية، ويُحتكم إليه في بعض الخلافات بين القبائل.


وتروي الرواه أن أحد الضباط السياسيين في ولاية دثينة قال له مازحًا:

«ما تقع حكومة في حكومة».

وهي عبارة تختصر، على سبيل الدعابة، حجم النفوذ الاجتماعي الذي كان يتمتع به الشيخ عبدالله، إلى جانب منصبه الرسمي.

وكان قوي الحجة، قوي البنية، حاضر الشخصية، جامعًا بين مكانة الشيخ الاجتماعي، ونفوذ رجل الدولة، وقدرة رجل الأعمال، وكرم صاحب البيت المفتوح.


ولهذا ارتبط اسمه في الذاكرة المحلية بدثينة نفسها؛ حتى قيل إن الرجل إذا ذُكرت دثينة في تلك المرحلة ذُكر معها عبدالله منصور عشال.


*صورته في الأرشيف البريطاني*


إن صورة الشيخ عبدالله منصور عشال محفوظة في المتحف البريطاني في لندن ضمن أرشيف الصور المتصلة بحكام وشيوخ محمية عدن.


"مأساة الأسرة بعد الثورة*


على الرغم من الدعم الذي قدمه الشيخ عبدالله منصور عشال وأسرته للحركة الوطنية وثورة 14 أكتوبر، فإن الأسرة تعرضت لاحقًا لمأساة قاسية.

ففي عام 1973م اختُطف ابنه عيدروس عبدالله منصور عشال قسرًا، ولم يُعرف حتى اليوم مصيره أو مكان دفنه، بحسب الروايات المتداولة لدى الأسرة وأبناء المنطقة.

ثم قُتل ابنه جعفر عبدالله منصور عشال، لتعيش الأسرة بعد ذلك مأساة مضاعفة تمثلت في يتم أطفال الضحايا وترمل نسائهم.

كما تعرضت ممتلكات الأسرة للمصادرة والتأميم، وشملت دكاكين وبيوتًا وعقارات، وفق الرواية التي نقلتها الأسرة وأبناء المنطقة.


*شهادة حول زيارة الرئيس سالمين إلى مودية*


ومن الروايات اللافتة التي بقيت في الذاكرة المحلية حادثة زيارة الرئيس سالم ربيع علي «سالمين» إلى مودية.

وتروي الرواية أنه عندما زار سالمين مودية، رأى المناضل سعيد عبدالله منصور عشال بين المستقبلين، فتوجه إليه مسرعًا وعرض عليه خدماته.


فطلب سعيد منه الإفراج عن شقيقه عيدروس عبدالله منصور، فوعده سالمين قائلاً:

«إن وجدته سأطلق سراحه».

وتضيف الرواية أنه بعد أن افترق سالمين عن سعيد، قال لمن حوله:

«هذا المناضل سعيد عبدالله هو من كان يصرف علينا أيام الثورة».

وقد نُسبت رواية هذه الحادثة إلى كل من المهندس عبداللاه سعيد الظهر وعبدالله عنبر رحمهما الله.

كما تروي الرواية أن المهندس عبداللاه الظهر قال، بعد مشاهدته موقف سالمين من سعيد: «لما شفت سالمين هوى على سعيد عبدالله، قلت في نفسي با يلحقه عيدروس».


*وفاته*


توفي الشيخ عبدالله منصور حسين عشال الميسري سنة 1975م، بعد حياة حافلة بالعمل العام والعطاء الاجتماعي والوطني، وبعد أن ترك حضورًا بارزًا في تاريخ دثينة السياسي والاجتماعي.

كان رجل دولة، ورجل مجتمع، ورجل مال، وصاحب مجلس مفتوح للفقراء والمحتاجين، وداعمًا للتعليم والصحة والعمل الوطني.

ولعل أبرز ما يميز سيرته أن حضوره لم يكن محصورًا في مجال واحد؛ فقد جمع بين السياسة والإدارة والتجارة والعمل الاجتماعي والكرم والنضال الوطني، وهي صفات جعلته واحدًا من الأسماء التي تستحق أن تُحفظ في سجل أعلام دثينة.

رحم الله الشيخ عبدالله منصور عشال، ورحم ابنيه عيدروس وجعفر، ورحم جميع من قضوا في تلك المرحلة، وأنصف هذه الأسرة، وحفظ تاريخ الرجال الذين أسهموا في بناء مجتمعهم ووطنهم ثم غابت سيرتهم عن كثير من كتب التاريخ.



*أبو زين الوليدي*