طفل الأُميين الذي صنع من الصمت مجداً



قصة واقعية.

تولد العظمة أحياناً من رحم العتمة المطلقة، وتتكسر قيود الواقع على صخرة الإرادة الصلبة حين تلتقي العزيمة الراسخة بالفرصة العادلة. في قرية غارقة في صمت البادية، حيث الأب أخرس اللسان لا ينطق بحرف، والأم تجهل حروف المعرفة، وفي محيط بشري يلفه الجهل والأمية من كل جانب، وُلد "عبدالله".

 لم تكن طفولة عادية، بل كانت وقوفاً متبصراً أمام جدار سميك من التحديات. قطع عبدالله دروبه الوعرة متخطياً المراحل الابتدائية والإعدادية بمشقة بالغة، وصولاً إلى الثانوية العامة التي ترجل منها فارساً متوجاً بالصدارة وقائمة الأوائل. وفي يوم التخرج المشهود، حيث حضر الرئيس سالم ربيع علي "سالمين" ليصافح الفرحة في عيون الخريجين، ويسأل كل طموح واعد: ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟.

إجابة هزت الجدران

حين نادى الدور على ابن البادية النائية، ابن الأبوين الأميين، لم تضعف حنجرته أمام هيبة السؤال، بل وقف بثبات الرجال، وقال بملء فيه: "طبيب". إجابة بسيطة في مبناها، عظيمة في معناها، اخترقت جدار المستحيل لتعلن ميلاد إرادة لا تعرف الانكسار.

أتم خدمته الإلزامية حاملاً رسالة خطها الرئيس سالمين، لكن دوام الحال من المحال؛ فقد هوى نظام سالمين وتم إعدامه، وجلس على كرسي الحكم الرئيس علي ناصر محمد. وهنا يتجلى المعدن الأصيل للدولة التي ترعى الكفاءات بعيداً عن صخب الانتماءات؛ إذ لم يتردد الرئيس علي ناصر محمد في اعتماد ابتعاث الشاب عبدالله إلى الخارج، استكمالاً لمشروع وطني ينبض بالإخلاص والإنصاف.

سافر الشاب المعجزة، فعاد بعد سنوات جراحاً لامعاً، استشاريّاً بارزاً لأمراض القلب وشرايينه، ليحفر اسمه عميقاً في سجلات الطب المتقدم. لم يطرق عبدالله باباً لنافذ، ولم يصول أبوه أو أمه في دهاليز البيروقراطية لانتزاع منحة، بل انتزعها بجدارة القانون وإخلاص القادة الوطنيين في دولة كانت تبحث عن الكفاءة حيث توجد، لا حيث نفوذ الأقوياء.

تقف هذه الحكاية شاهداً حيّاً على عصر ذهبيّ، كانت الدولة فيه تحتضن الموهبة من أطراف الظل، وتصنع من البؤس قادة وعلماء. عصر تلاشت فيه المحسوبية والفساد الإداري لتفسح المجال أمام وطنية خالصة الصدق. وإننا اليوم لنروي هذه الملاحم للأجيال الناشئة فكأنما نحدثهم عن الأساطير. لله درّ دولة كانت تُنبت العباقرة من شقوق الحرمان، ولله درّ إرادة جعلت من الصمت صرخات نجاح تتردد في أروقة التاريخ.