الموسوعة القضائية والفقهية والقانونية والعلمية المقارنة



قانون الإجراءات الجزائية اليمني رقم (13) لسنة 1994م

دراسة تأصيلية تحليلية مقارنة في النظرية العامة للإجراءات الجزائية، والدعوى الجزائية، والضبط والتحقيق والمحاكمة وطرق الطعن

تأليف وبحث: المستشار والباحث مختار راجح

مقدمة

يمثل قانون الإجراءات الجزائية الإطار المنظم لحركة العدالة الجنائية منذ لحظة اكتشاف الجريمة والإبلاغ عنها، مروراً بمرحلة جمع الاستدلالات والتحقيق والاتهام والمحاكمة، وانتهاءً بصدور الحكم واكتسابه القوة اللازمة لتنفيذه.

وقد صدر قانون الإجراءات الجزائية اليمني بالقرار الجمهوري بالقانون رقم (13) لسنة 1994م، ونشر في الجريدة الرسمية، وجاء منظماً لمختلف مراحل الدعوى الجزائية وإجراءاتها، ابتداءً من المبادئ الأساسية والتعريفات، وانتهاءً بالأحكام الختامية. �

النيابة العامة - اليمن +1

وتنبع أهمية هذا القانون من أن قواعده لا تنظم مجرد أعمال شكلية، وإنما ترسم الحدود الفاصلة بين سلطة الدولة في مكافحة الجريمة وبين ضمانات الإنسان وحريته وحقه في الدفاع والمحاكمة العادلة.

ومن ثم فإن الإجراء الجزائي الصحيح لا يقاس بمجرد صدوره من جهة مختصة، وإنما بمدى استناده إلى سبب قانوني صحيح، وصدوره في حدود الاختصاص، ومراعاته للضمانات المقررة، واتصاله اتصالاً صحيحاً بالغاية التي شرع من أجلها.

تمهيد



الإجراءات الجزائية هي مجموعة القواعد القانونية التي تحدد كيفية انتقال الدولة من مجرد العلم بوقوع الجريمة إلى مرحلة التحقيق والمحاكمة ثم تنفيذ الحكم.

وتختلف الإجراءات الجزائية عن قانون الجرائم والعقوبات من حيث الوظيفة؛ فقانون الجرائم والعقوبات يحدد الأفعال المجرمة والعقوبات المقررة لها، بينما يتولى قانون الإجراءات تحديد الوسائل القانونية التي يتم من خلالها اكتشاف الجريمة وإثباتها ومحاكمة مرتكبها وتنفيذ الحكم الصادر بشأنها.

ولهذا يمكن القول إن:

القانون الموضوعي يحدد الجريمة والجزاء، والقانون الإجرائي يحدد الطريق القانوني للوصول إلى الجزاء.

ولا يجوز أن تتحول الإجراءات إلى وسيلة مستقلة عن العدالة؛ فالغاية من الإجراء ليست الإجراء ذاته، وإنما الوصول إلى الحقيقة القضائية في إطار الشرعية.

المبحث الأول

المبادئ الأساسية التي تحكم الإجراءات الجزائية

يقوم النظام الإجرائي الجزائي على مجموعة من المبادئ الكبرى، أهمها:


أولاً: مبدأ الشرعية الإجرائية

الأصل أن لا يجوز اتخاذ إجراء يمس حرية الإنسان أو ماله أو مسكنه أو حقوقه إلا بناءً على سند قانوني.

فالسلطة العامة لا تستمد صلاحياتها من مجرد وظيفتها، وإنما من القانون.

ومن ثم فإن الاختصاص لا يفترض، والقبض لا يفترض، والتفتيش لا يفترض، والحبس لا يفترض، وإنما يجب أن يستند كل إجراء إلى مصدر قانوني.

ثانياً: قرينة البراءة

الأصل في الإنسان البراءة حتى تثبت إدانته بحكم قضائي وفقاً للقانون.

وتترتب على هذه القاعدة نتيجة مهمة، وهي أن عبء الإثبات في الدعوى الجزائية لا يتحول إلى المتهم لمجرد توجيه الاتهام إليه.

ثالثاً: حق الدفاع

حق الدفاع ليس منحة تمنحها المحكمة، وإنما هو ضمانة أساسية من ضمانات المحاكمة العادلة.

ويشمل ذلك تمكين المتهم من معرفة التهمة، والاطلاع على ما يواجهه من أدلة، وإبداء دفاعه، والاستعانة بمن يجيز القانون له الاستعانة به.

رابعاً: استقلال القضاء


القاضي الجزائي لا يخضع في تكوين اقتناعه إلا للقانون والأدلة المطروحة أمامه.

ومن ثم لا يجوز أن تتحول الدعوى الجزائية إلى وسيلة ضغط إداري أو سياسي أو اجتماعي.

المبحث الثاني

الدعوى الجزائية وطبيعتها

الدعوى الجزائية هي الوسيلة القانونية التي تباشر بها الدولة سلطتها في ملاحقة مرتكب الجريمة أمام القضاء.

ويجب التمييز بين:

الجريمة بوصفها الواقعة المنشئة للمسؤولية.

الحق العام الناشئ عن الاعتداء على المجتمع.

الحق الشخصي للمجني عليه.

الدعوى الجزائية باعتبارها الوسيلة الإجرائية للمطالبة بتطبيق القانون.

الدعوى المدنية التابعة للجريمة عند توافر شروطها.

وهذا التمييز ضروري حتى لا تختلط آثار كل منها بالآخر.


فقد تقوم الدعوى الجزائية دون أن يكون للمجني عليه طلب تعويض، كما قد يترتب على الجريمة حق مدني مستقل إلى جانب الحق العام.

المبحث الثالث

النيابة العامة ومركزها في الدعوى الجزائية

تحتل النيابة العامة موقعاً مركزياً في النظام الجزائي؛ لأنها تتولى مباشرة الاختصاصات التي منحها لها القانون في تحريك الدعوى الجزائية والتحقيق والتصرف فيها والادعاء أمام القضاء.

غير أن سلطة النيابة ليست سلطة مطلقة.

فهي سلطة قانونية مقيدة بحدود الاختصاص والشرعية، ولا يجوز استعمالها خارج الغرض الذي قرره المشرع.

ومن هنا يظهر الفرق بين:

سلطة التقدير القانوني

و

السلطة التعسفية.

فالأولى تقوم على أسباب قانونية يمكن مراقبتها قضائياً، أما الثانية فتقوم على استعمال السلطة لتحقيق غرض غير مشروع.



مأمورو الضبط القضائي

يؤدي مأمورو الضبط القضائي وظيفة أساسية في المرحلة السابقة على التحقيق القضائي، من خلال جمع الاستدلالات والمحافظة على الأدلة واتخاذ الإجراءات التي يسمح بها القانون.

غير أن أعمال الضبط القضائي ليست بديلاً عن أعمال التحقيق التي يختص بها القانون جهات أخرى.

وهنا يجب التمييز بين:

الاستدلال

و

التحقيق.

فالاستدلال يهدف إلى الكشف الأولي عن الجريمة وجمع المعلومات المتعلقة بها، بينما التحقيق يتجه إلى بناء ملف قانوني يمكن أن يترتب عليه الاتهام والإحالة إلى القضاء.

المبحث الخامس

القبض والتوقيف

القبض من أخطر الإجراءات الجزائية لأنه يمس الحرية الشخصية بصورة مباشرة.

ولهذا لا يجوز التوسع فيه.

وقد نظم القانون حالات القبض وشروطه، ومن ذلك الحالات التي تتوافر فيها دلائل قوية على ارتكاب جريمة جسيمة مع الخشية من هروب المتهم، وكذلك بعض الحالات الخاصة بالجرائم غير الجسيمة عند توافر شروطها القانونية. �

alsaidilawyery.blogspot.com

كما وضع القانون ضوابط زمنية على تعامل مأمور الضبط مع المقبوض عليه، بما يمنع إبقاء الشخص تحت سلطة الضبط دون رقابة النيابة العامة. �

alsaidilawyery.blogspot.com

وهذه الضوابط تؤكد أن:

القبض إجراء استثنائي، وليس عقوبة.

فالمتهم المقبوض عليه لا يصبح مداناً بمجرد القبض عليه.

المبحث السادس

الاستيقاف

الاستيقاف يختلف عن القبض.

فالاستيقاف إجراء تحرٍّ محدود، ولا يجوز أن يتحول عملياً إلى قبض مقنع.

وقد عرّف القانون الاستيقاف باعتباره إجراءً يتم عند الاشتباه وفي الحدود التي يسمح بها القانون، بما في ذلك سؤال الشخص عن اسمه ومهنته ومحل إقامته وجهته في الحالات المحددة قانوناً. �

Yemen NIC

ومن ثم فإن معيار المشروعية هو:

سبب الإجراء + حدود الإجراء + الغرض المشروع منه.

فإذا انتهى السبب الذي برر الاستيقاف، وجب انتهاء الإجراء، ولا يجوز تمديده دون سند قانوني جديد.

المبحث السابع

التحقيق الابتدائي

التحقيق هو المرحلة التي تنتقل فيها القضية من مجرد الاشتباه والاستدلال إلى فحص قانوني منظم للأدلة.

ويشمل التحقيق:

سماع الأقوال.

مواجهة المتهم بالأدلة.

فحص الأدلة المادية.

سماع الشهود.

اتخاذ إجراءات الخبرة عند الحاجة.

التفتيش في الأحوال التي يجيزها القانون.

ضبط الأشياء المرتبطة بالجريمة.

اتخاذ الإجراءات التحفظية المقررة قانوناً.

ولا يجوز أن يكون التحقيق موجهاً لإثبات الاتهام فقط، بل يجب أن يكون موجهاً إلى الوصول إلى الحقيقة.

ومن أهم الضمانات أن الاستجواب ليس مجرد سؤال للمتهم، وإنما هو إجراء تتوافر فيه مواجهة قانونية بالأدلة ومناقشتها.

المبحث الثامن

الاستجواب وحق المتهم في الدفاع

الاستجواب من الإجراءات الجوهرية في الدعوى الجزائية؛ لأنه يضع المتهم في مواجهة الاتهام والأدلة.

ولهذا يجب التمييز بين:

سؤال المتهم

و

استجواب المتهم.

فالسؤال قد يكون مجرد استيضاح أولي، أما الاستجواب فيتضمن مواجهة المتهم بالأدلة ومناقشتها معه تفصيلاً.

والقاعدة الأساسية هنا:

لا يجوز استعمال وسائل غير مشروعة لحمل المتهم على الاعتراف.

فالاعتراف الذي يولد نتيجة ضغط أو إكراه يفقد قيمته القانونية بحسب الأحوال التي يقررها القانون.

المبحث التاسع

التفتيش وضمان حرمة الأشخاص والمساكن

التفتيش من الإجراءات التي تمس الحياة الخاصة وحرمة المسكن.

ولهذا لا يجوز أن يتحول التفتيش إلى وسيلة عامة للبحث عن أدلة مجهولة دون قيام سبب قانوني يبرره.

والأصل أن يكون التفتيش مرتبطاً بجريمة محددة وبغرض قانوني محدد.

كما يجب أن يكون الإجراء متناسباً مع الغرض منه، فلا يجوز استعمال سلطة التفتيش لتحقيق أغراض لا علاقة لها بالجريمة محل التحقيق.

المبحث العاشر

الحبس الاحتياطي

الحبس الاحتياطي ليس عقوبة.

وإنما هو إجراء احتياطي تفرضه ضرورة التحقيق أو حماية الأدلة أو منع الهرب أو منع التأثير في الشهود أو حماية المجتمع في الحدود التي يقررها القانون.

ومن ثم فإن الأصل هو الحرية، والاستثناء هو تقييدها.

وكلما انتفى السبب الذي قام عليه الحبس وجب إعادة النظر في استمرار هذا الإجراء وفقاً للقانون.

الباب الثاني

المحاكمة الجزائية

الفصل الأول

إحالة الدعوى إلى المحكمة

لا تبدأ المحاكمة الجزائية الصحيحة بمجرد وجود بلاغ أو شكوى.

بل يجب أن تنتقل القضية عبر المراحل القانونية التي حددها المشرع.

وتتميز مرحلة المحاكمة عن التحقيق بأن المحكمة لا تقوم بدور سلطة الاتهام، وإنما تفصل في الدعوى المعروضة عليها وفقاً للقانون والأدلة.

الفصل الثاني

مبدأ المواجهة بين الخصوم

المواجهة القضائية تعني تمكين كل طرف من معرفة ما يطرح ضده والرد عليه.

وفي الدعوى الجزائية تظهر أهمية المواجهة بصورة أكبر؛ لأن الحكم قد يؤدي إلى تقييد الحرية أو ترتيب آثار خطيرة على المركز القانوني للمتهم.

ومن ثم لا يجوز أن تبنى الإدانة على دليل لم تتح للمتهم فرصة قانونية لمناقشته.

الفصل الثالث

سلطة المحكمة في التكييف

من أهم المسائل التي يقوم عليها القضاء الجزائي أن المحكمة لا تتقيد بالوصف الذي أسبغته جهة الاتهام على الواقعة إذا ظهر لها أن التكييف القانوني الصحيح مختلف.

فالواقعة هي محل القضاء، أما الوصف القانوني فهو عمل قانوني يخضع لرقابة المحكمة.

وهنا يتأكد المبدأ الذي يعتمده الباحث:

القضاء حسب السبب والواقعة القانونية، لا حسب تسمية الدعوى أو الوصف الذي أسبغه الخصوم عليها.

لكن استعمال المحكمة لسلطتها في التكييف يجب ألا يؤدي إلى مفاجأة المتهم بوصف جديد دون تمكينه من ممارسة دفاعه في الحدود التي يوجبها القانون.

الفصل الرابع

سلطة المحكمة في تقدير الأدلة

الأصل أن المحكمة تكون عقيدتها من الأدلة المطروحة أمامها في الدعوى.

ولا يكفي أن يكون الدليل موجوداً، بل يجب أن يكون الدليل:

مشروعاً.

متعلقاً بالدعوى.

صالحاً للاستدلال.

مطروحاً للمناقشة.

مؤدياً إلى النتيجة التي انتهى إليها الحكم.

وهنا يجب التمييز بين:

وجود الدليل

و

قوة الدليل

و

سلامة الاستدلال به.

فقد يوجد الدليل، ولكن لا يكون كافياً للإدانة.

الباب الثالث

الحكم الجزائي

الفصل الأول

الحكم وأركانه

الحكم القضائي هو النتيجة القانونية التي تنتهي إليها المحكمة بعد فحص الدعوى وأدلتها.

ولا تكون قيمة الحكم في منطوقه وحده، وإنما في بنيانه المتكامل من الوقائع والأسباب والتكييف والمنطوق.

ولهذا فإن تسبيب الأحكام يمثل ضمانة للمتقاضي وضمانة للقاضي نفسه، لأنه يكشف الأساس الذي بني عليه القضاء.

الفصل الثاني

تسبيب الحكم

التسبيب ليس زخرفة للحكم، وإنما هو جوهر الرقابة القضائية.

فإذا قالت المحكمة إن المتهم مدان، وجب أن تبين لماذا انتهت إلى الإدانة، وما الأدلة التي اعتمدت عليها، وكيف استخلصت منها النتيجة.

كما يجب أن يكون التسبيب:

واضحاً، ومترابطاً، وكافياً، ومؤدياً إلى المنطوق.

ولا يكفي سرد الأدلة دون بيان أثرها في تكوين عقيدة المحكمة.

الفصل الثالث

البراءة

البراءة ليست فشلاً في عمل القضاء.

وإنما هي نتيجة قانونية عندما لا تتوافر شروط الإدانة.

والقاعدة أن الشك لا ينشئ إدانة، وأن الإدانة تحتاج إلى أساس إثباتي وقانوني معتبر.

ومن هنا تظهر العلاقة بين قرينة البراءة وقاعدة الشك وقاعدة تفسير النصوص الجزائية في الحدود التي يقررها القانون.

الباب الرابع

طرق الطعن في الأحكام الجزائية

تقوم طرق الطعن على فكرة جوهرية هي إتاحة مراجعة الحكم وفقاً للحدود التي رسمها القانون.

وتختلف وسائل الطعن من حيث:

الجهة المختصة.

الأحكام التي يجوز الطعن فيها.

المواعيد.

أسباب الطعن.

آثار الطعن.

حدود سلطة المحكمة التي تنظر الطعن.

ولا يجوز الخلط بين الطعن الذي يعيد بحث موضوع الدعوى والطعن الذي يقتصر على مراقبة سلامة تطبيق القانون.

الباب الخامس

القوة التنفيذية للحكم الجزائي

الحكم القضائي لا يكتمل أثره العملي بمجرد صدوره، وإنما يرتبط بما رتبه القانون عليه من آثار وبالقوة اللازمة لتنفيذه متى توافرت شروط التنفيذ.

ويجب التمييز بين:

صدور الحكم

و

نهائية الحكم

و

القوة التنفيذية للحكم القضائي.

وهذا التمييز مهم حتى لا يقال إن كل حكم صادر يصبح قابلاً للتنفيذ بالطريقة ذاتها وفي الوقت ذاته.

الباب السادس

القضاء الجزائي بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي

أولاً: الفقه الإسلامي

أقام الفقه الإسلامي القضاء الجنائي على مجموعة من الأصول الكبرى، منها:

عصمة الدماء والأموال.

أصل البراءة.

تحريم الظلم.

ضرورة البينة.

التثبت في الاتهام.

منع العقوبة بغير حق.

التمييز بين الشبهة واليقين.

حماية حقوق المجني عليه.

حفظ النظام العام.

ومن القواعد الفقهية ذات الصلة:

اليقين لا يزول بالشك.

و

الضرر يزال.

و

الأصل براءة الذمة.

و

الحدود تدرأ بالشبهات في مجالها المقرر فقهاً.

وهذه الأصول تؤكد أن العدالة الجزائية لا تقوم على مجرد الاشتباه، وإنما على التثبت والبينات والضمانات.

الباب السابع

الموقف في الفقه والقضاء المصري

أولى الفقه المصري لقانون الإجراءات الجنائية اهتماماً واسعاً باعتباره قانوناً للضمانات قبل أن يكون قانوناً للاتهام.

ويظهر ذلك في مؤلفات كبار الفقهاء، ومنهم:

أحمد فتحي سرور.

محمود نجيب حسني.

أحمد أبو الوفا.

وغيرهم من شراح الإجراءات الجنائية.

وقد ركز الفقه الإجرائي على موضوعات الشرعية الإجرائية، والبطلان، وحرية القاضي في الاقتناع، وحق الدفاع، وتسبيب الأحكام، وضمانات المتهم.

ويستفاد من القضاء المصري في المقارنة أهمية التفرقة بين الإجراء الجوهري والإجراء غير الجوهري، وبين الدليل المشروع والدليل الذي يشوبه عيب يؤثر في حجيته، وبين الخطأ في القانون والخطأ في تقدير الوقائع.

رأي الباحث

يرى الباحث أن قانون الإجراءات الجزائية اليمني يمثل منظومة متكاملة في أصل بنائها، إلا أن الإشكال الحقيقي لا يكمن دائماً في غياب النص، وإنما في التطبيق العملي للنص وفي الخلط بين السلطات والاختصاصات.

فالقاعدة الإجرائية لا تكون نافذة بصورة صحيحة إلا إذا عرفت الجهة المختصة:

من يملك الإجراء؟

ومتى يملكه؟

ولماذا يملكه؟

وما حدوده؟

وما الجزاء المترتب على مخالفته؟

ومن هنا يقترح الباحث بناء نظرية عامة للإجراء الجزائي تقوم على خمسة أركان:

الاختصاص.

السبب القانوني.

المحل.

الشكل والضمانات.

الغاية المشروعة.

فإذا تخلف ركن من هذه الأركان وجب بحث أثر ذلك التخلف في صحة الإجراء وفقاً لطبيعته وجسامته وأثره في حقوق الخصوم.

قاعدة تأسيسية

لا مشروعية لإجراء جزائي بغير سبب قانوني، ولا قيمة لإجراء صحيح في ذاته إذا استعمل لتحقيق غاية غير مشروعة، ولا يجوز أن تتحول سلطة التحقيق أو الضبط أو المحاكمة إلى سلطة مطلقة تتجاوز الحدود التي رسمها القانون.

نتائج الدراسة

أولاً: قانون الإجراءات الجزائية هو الإطار المنظم للعدالة الجنائية منذ اكتشاف الجريمة حتى تنفيذ الحكم.

ثانياً: الإجراءات الجزائية ليست شكليات، وإنما ضمانات للحرية والعدالة.

ثالثاً: القبض والتفتيش والحبس إجراءات استثنائية يجب أن تستند إلى سند قانوني.

رابعاً: الاستيقاف لا يجوز أن يتحول إلى قبض مقنع.

خامساً: النيابة العامة سلطة قانونية وليست سلطة مطلقة.

سادساً: حق الدفاع عنصر جوهري في المحاكمة العادلة.

سابعاً: المحكمة تملك التكييف القانوني الصحيح للواقعة في الحدود التي يكفل فيها القانون حق الدفاع.

ثامناً: تسبيب الحكم هو أساس الرقابة على سلامة القضاء.

تاسعاً: الإدانة لا تقوم على مجرد الاتهام، وإنما على أدلة قانونية معتبرة.

عاشراً: الحكم القضائي يظل مرتبطاً بآثاره الإجرائية حتى تتحدد قوته النهائية والتنفيذية وفقاً للقانون.

توصيات الدراسة

إعداد مدونة عملية موحدة للإجراءات الجزائية موجهة إلى القضاة وأعضاء النيابة ومأموري الضبط القضائي.

توحيد النماذج الإجرائية المتعلقة بالقبض والتفتيش والاستجواب والحبس والإحالة.

تعزيز الرقابة على مدد التوقيف والحبس الاحتياطي.

تدعيم حق الدفاع في جميع مراحل الدعوى.

وضع معايير أكثر وضوحاً للتمييز بين الاستدلال والتحقيق.

تعزيز تسبيب الأحكام الجزائية.

نشر الثقافة الإجرائية بين العاملين في أجهزة العدالة.

ربط كل إجراء بالسبب القانوني الذي يبرره.

تقرير جزاء واضح وفعال للمخالفات الإجرائية المؤثرة في الحقوق والحريات.

بناء منظومة تشريعية وقضائية تجعل القوة التنفيذية للحكم القضائي نتيجة قانونية منضبطة لا تنفصل عن سلامة الحكم ومراحله الإجرائية.

الخاتمة

إن العدالة الجزائية لا تقاس بعدد القضايا التي تنتهي بالإدانة، وإنما بمدى احترام القانون في الوصول إلى الحقيقة.

فالدولة القوية ليست التي توسع سلطات القبض والتحقيق والعقاب، وإنما التي تجعل تلك السلطات محكومة بالقانون.

والمحكمة العادلة ليست التي تبحث عن الإدانة، وإنما التي تبحث عن الحقيقة.

والنيابة العامة لا تكون قوية بتجاوز الضمانات، وإنما تكون قوية باحترامها.

والضبط القضائي لا تكون قيمته في كثرة المقبوض عليهم، وإنما في سلامة الإجراءات التي اتخذها.

ومن هنا فإن جوهر قانون الإجراءات الجزائية هو إقامة التوازن الدقيق بين حق المجتمع في مكافحة الجريمة وحق الإنسان في الحرية والكرامة والمحاكمة العادلة.

وقد جاء قانون الإجراءات الجزائية اليمني رقم (13) لسنة 1994م منظماً لهذه المنظومة في أبوابه المختلفة، وينتهي إلى قاعدة تشريعية مهمة تقضي بالرجوع فيما لم يرد فيه نص إلى قانون المرافعات وقانون الإثبات الشرعي والقواعد العامة الشرعية، بما يؤكد الطبيعة التكاملية للنظام الإجرائي اليمني. �

Yemen NIC

**وهذه الدراسة تُعتمد ضمن قسم الدراسات الجزائية في «الموسوعة القضائية والفقهية والقانونية والعلمية المقارنة»، وتصلح أساساً للتوسع لاحقاً في دراسات مستقلة عن المتهم الهارب، والقبض والتوقيف، والحبس الاحتياطي، والتفتيش، والاستجواب، والبطلان، والتصدي، وطرق الطعن، وتنفيذ الأحكام الجزائية.**

[15/‏9, 2:56 م] bljfarmhtarrajhbljfaralrajhy: الموسوعة القضائية والفقهية والقانونية والعلمية المقارنة

استكمال دراسة قانون الإجراءات الجزائية اليمني رقم (13) لسنة 1994م

دراسة تأصيلية تحليلية مقارنة في الدعوى الجزائية والتحقيق والمحاكمة والطعن والتنفيذ والبطلان

تأليف وبحث: المستشار والباحث مختار راجح

الكتابة

الباب الثامن

البطلان في الإجراءات الجزائية

الفصل الأول: ماهية البطلان الإجرائي

البطلان هو الجزاء القانوني الذي يترتب على مخالفة الإجراء للقاعدة التي أوجب القانون مراعاتها، متى كانت المخالفة مؤثرة في سلامة الإجراء أو في إحدى الضمانات التي قصد المشرع حمايتها.

ولا يكفي لقيام البطلان مجرد وجود مخالفة شكلية؛ إذ ينبغي النظر إلى طبيعة القاعدة التي خولفت، والغاية التي استهدفتها، ومدى تأثير المخالفة في حقوق الخصوم وفي سلامة العدالة.

ومن ثم فإن الإجراءات الجزائية لا ينبغي أن تفهم باعتبارها مجموعة من الشكليات الجامدة، وإنما باعتبارها ضمانات متكاملة.

الفصل الثاني: البطلان الجوهري والبطلان غير الجوهري

يمكن التمييز بين العيب الجوهري والعيب غير الجوهري على أساس أثر المخالفة.

فالعيب الجوهري هو الذي يمس قاعدة أساسية تتصل بالاختصاص أو الحرية أو حق الدفاع أو سلامة المحاكمة أو أحد الأوضاع التي رتب القانون عليها حماية أساسية.

أما العيب غير الجوهري فهو الذي لا يؤثر في جوهر الإجراء ولا يؤدي إلى الإخلال بحق من الحقوق التي قصد القانون حمايتها.

ويرى الباحث أن معيار التفرقة ينبغي ألا يكون مجرد تسمية النص بأنه شكلي أو موضوعي، وإنما يجب أن يقوم على سؤال جوهري:

هل أدى العيب إلى المساس بضمانة إجرائية مؤثرة أو إلى تغيير النتيجة التي كان يمكن الوصول إليها لو تم الإجراء بصورة صحيحة؟

وهذا المعيار أكثر انسجاماً مع غاية الإجراءات الجزائية.

الباب التاسع

الأدلة في الدعوى الجزائية

الفصل الأول: مفهوم الدليل

الدليل هو الوسيلة التي تستعين بها المحكمة في تكوين اقتناعها بشأن الواقعة محل الدعوى.

ولا قيمة للدليل لمجرد وجوده المادي، وإنما تتحدد قيمته القانونية بحسب مصدره وطريقة الحصول عليه ومشروعيته وصلته بالواقعة.

ومن هنا يجب التمييز بين:

الدليل الموجود، والدليل المشروع، والدليل المنتج، والدليل الكافي.

فقد يكون الشيء موجوداً في ملف الدعوى، ولكنه لا يصلح قانوناً لبناء الإدانة عليه.

الفصل الثاني: حرية القاضي في تكوين الاقتناع

الأصل في المواد الجزائية أن للقاضي سلطة تقدير الأدلة المطروحة أمامه، غير أن هذه السلطة ليست تحرراً من القانون.

فالقاضي حر في تقدير الدليل، لكنه ليس حراً في إنشاء دليل غير موجود، ولا في إسناد واقعة إلى المتهم دون أساس، ولا في تجاهل دفاع جوهري من شأنه أن يغير وجه الرأي في الدعوى.

ولهذا فإن حرية الاقتناع القضائي تقابلها ضرورة التسبيب.

فكلما اتسعت سلطة القاضي في تقدير الأدلة، ازدادت أهمية بيان أسباب الاقتناع.

الباب العاشر

الشهادة والاعتراف والخبرة والقرائن

الفصل الأول: الشهادة

الشهادة من وسائل الإثبات التي تقوم على نقل شخص لما أدركه بحواسه بشأن واقعة معينة.

ولا يكفي سماع الشاهد، وإنما يجب تقييم شهادته من حيث:

مصدر العلم.

مدى اتصال الشاهد بالواقعة.

سلامة الإدراك.

الاتساق الداخلي.

توافقها مع باقي الأدلة.

خلوها من التناقض المؤثر.

ولا يجوز تحويل الشهادة إلى وسيلة تلقائية للإدانة دون تمحيص.

الفصل الثاني: الاعتراف

الاعتراف دليل من أدلة الإثبات، لكنه لا يخرج عن القواعد العامة التي تحكم الأدلة.

ويشترط أن يكون الاعتراف صادراً عن إرادة معتبرة، وألا يكون وليد إكراه أو تهديد أو وسيلة غير مشروعة.

ويرى الباحث أن خطورة الاعتراف تكمن في إمكانية إساءة استعماله؛ ولذلك لا ينبغي أن يصبح الاعتراف بديلاً عن البحث في باقي الأدلة.

فالعدالة لا تبحث عن اعتراف بأي وسيلة، وإنما تبحث عن الحقيقة بالطريق المشروع.

الفصل الثالث: الخبرة

تظهر الخبرة عندما تتطلب الواقعة معرفة فنية أو علمية لا تتوافر عادة للقاضي.

والخبير لا يحل محل المحكمة في إصدار الحكم؛ لأن مهمته فنية، بينما التكييف القانوني والفصل في الدعوى من اختصاص القضاء.

ومن ثم:

الخبير يفسر المسألة الفنية، والقاضي يزنها قانوناً وقضائياً.

الفصل الرابع: القرائن

القرينة استنتاج واقعة مجهولة من واقعة معلومة.

وتختلف قيمة القرائن بحسب قوتها وترابطها.

وقد تكون القرينة منفردة غير كافية، بينما تؤدي مجموعة من القرائن المتساندة إلى تكوين اقتناع قضائي معتبر.

غير أن الاستنتاج يجب أن يكون منطقياً ومتصلاً بالوقائع الثابتة.

الباب الحادي عشر

التفتيش وضبط الأشياء

الفصل الأول: التفتيش

التفتيش إجراء استثنائي يتصل بحرمة الشخص أو المسكن أو المكان الذي يحميه القانون.

ولهذا يجب أن يكون مستنداً إلى سبب قانوني وأن يتم بواسطة الجهة المختصة وفي الحدود التي رسمها القانون.

ولا يجوز أن يتحول التفتيش إلى عملية بحث مفتوحة لا ترتبط بموضوع الجريمة.

الفصل الثاني: ضبط الأشياء

الضبط هو وضع الأشياء ذات الصلة بالجريمة تحت سلطة الجهة المختصة للمحافظة عليها وفحصها وإدخالها في نطاق الإثبات.

ويجب أن يكون الشيء المضبوط مرتبطاً بالجريمة أو لازماً لكشف الحقيقة وفقاً للقانون.

وإذا تجاوز الضبط غايته القانونية وجب بحث أثر ذلك التجاوز في صحة الإجراء وقيمة الدليل.

الباب الثاني عشر

المتهم الهارب

الفصل الأول: المركز القانوني للمتهم الهارب

هروب المتهم لا يعني ثبوت إدانته.

فهناك فرق جوهري بين:

الهروب من العدالة

و

ثبوت الجريمة.

وقد يكون الهروب سبباً لاتخاذ إجراءات قانونية معينة، لكنه لا يجوز أن يتحول بذاته إلى دليل حاسم على ارتكاب الجريمة.

ويرى الباحث أن التعامل مع المتهم الهارب يجب أن يقوم على معادلة متوازنة:

حماية حق المجتمع في الوصول إلى المتهم، مع المحافظة على أصل البراءة وضمانات المحاكمة.

الفصل الثاني: آثار الهروب

قد يترتب على الهروب آثار إجرائية يحددها القانون، سواء في الإعلان أو الإجراءات المتعلقة بالمحاكمة أو الضبط أو التنفيذ.

لكن هذه الآثار لا ينبغي أن تتجاوز الغرض الذي شرعت من أجله.

فإذا كان الغرض هو تمكين العدالة من مباشرة اختصاصها، فلا يجوز أن يتحول الإجراء إلى عقوبة مستقلة لم يقررها القانون.

الفصل الثالث: عودة المتهم الهارب

عند ضبط المتهم الهارب أو حضوره، يجب إعادة إدماجه في المسار الإجرائي وفقاً للقانون، وتمكينه من ممارسة حقوقه التي لا تتعارض مع طبيعة المرحلة التي وصلت إليها الدعوى.

ويؤكد الباحث هنا قاعدة:

لا يجوز أن يكون الهروب سبباً لإهدار جميع ضمانات الدفاع.

الباب الثالث عشر

التصدي في الدعوى الجزائية

الفصل الأول: مفهوم التصدي

التصدي القضائي هو معالجة المحكمة أو الجهة القضائية لمسألة أو واقعة تظهر أثناء نظر الدعوى وتقتضي حكماً أو إجراءً وفق الحدود التي يسمح بها القانون.

ويجب التمييز بين التصدي وبين إنشاء دعوى جديدة من تلقاء المحكمة خارج حدود اختصاصها.

الفصل الثاني: حدود التصدي

سلطة المحكمة في التصدي ليست سلطة مطلقة.

فهي مرتبطة بحدود الدعوى وبالوقائع المطروحة وبحقوق الدفاع وبالاختصاص.

ولا يجوز استعمال التصدي لمفاجأة المتهم بواقعة جديدة دون تمكينه من الدفاع متى كان الأمر يقتضي ذلك.

رأي الباحث

يرى الباحث أن التصدي المشروع يحقق الاقتصاد في الإجراءات ويمنع تعطيل العدالة، لكنه يتحول إلى إخلال بحقوق الدفاع إذا استعمل لتجاوز الحدود القانونية للدعوى.

ومن ثم فإن القاعدة الصحيحة هي:

التصدي جائز بقدر ما يخدم الفصل القانوني في الدعوى، ومحظور بقدر ما ينشئ خصومة جديدة دون ضماناتها.

الباب الرابع عشر

الاختصاص في المواد الجزائية

الفصل الأول: الاختصاص النوعي

الاختصاص النوعي يتعلق بطبيعة الدعوى أو الجريمة التي منح القانون محكمة معينة سلطة الفصل فيها.

وهو من أهم مسائل النظام القضائي؛ لأن المحكمة لا تستطيع أن تفصل في دعوى لا تدخل في ولايتها.

الفصل الثاني: الاختصاص المكاني

يتصل الاختصاص المكاني بمكان وقوع الجريمة أو إقامة المتهم أو غير ذلك من الضوابط التي يقررها القانون.

والغاية منه تنظيم توزيع العمل القضائي وتحقيق سهولة الوصول إلى الأدلة والشهود والخصوم.

الفصل الثالث: الاختصاص الوظيفي

يقوم الاختصاص الوظيفي على توزيع مراحل العمل القضائي بين جهات متعددة، كجهة التحقيق والمحكمة ومحكمة الطعن وجهة التنفيذ.

والتمييز بين هذه الوظائف يمنع تداخل السلطات ويضمن استقلال كل مرحلة.

الباب الخامس عشر

الدفوع في الدعوى الجزائية

الفصل الأول: الدفع بعدم الاختصاص

الدفع بعدم الاختصاص وسيلة قانونية تهدف إلى منع المحكمة من نظر دعوى لا تدخل في ولايتها.

ويجب التعامل معه وفق نوع الاختصاص وطبيعته والأثر الذي يرتبه القانون.

الفصل الثاني: الدفع بالبطلان

الدفع بالبطلان يقوم على وجود عيب في إجراء سابق أو معاصر للإجراء محل الدفع.

ولا يكفي التمسك بالبطلان بعبارة عامة، وإنما يجب تحديد الإجراء المعيب ووجه المخالفة وأثرها.

الفصل الثالث: الدفع بانتفاء أركان الجريمة

هذا الدفع يتعلق بجوهر المسؤولية الجزائية.

فإذا انتفى ركن من أركان الجريمة، سواء الركن المادي أو المعنوي أو غيرهما من العناصر التي يتطلبها النص، انتفت المسؤولية عن الجريمة المحددة في هذا الوصف.

الباب السادس عشر

انقضاء الدعوى الجزائية

تنقضي الدعوى الجزائية بالأسباب التي حددها القانون.

ويجب التمييز بين انقضاء الدعوى الجزائية وانقضاء العقوبة.

فالأول يتعلق بالحق في الاستمرار في ملاحقة الدعوى، أما الثاني فيتعلق بالعقوبة بعد صدور الحكم.

كما يجب التمييز بين انقضاء الدعوى وبين البراءة؛ فالبراءة حكم قضائي يقوم على عدم ثبوت المسؤولية، بينما الانقضاء قد يقع لأسباب إجرائية أو قانونية تحول دون الاستمرار في الدعوى.

الباب السابع عشر

الصلح والتنازل وأثرهما في الدعوى الجزائية

لا يجوز الخلط بين الحق العام والحق الخاص.

فقد يكون للمجني عليه حق خاص يمكن أن يؤثر فيه الصلح أو التنازل في الحدود التي يسمح بها القانون، بينما يبقى الحق العام خاضعاً للقواعد المقررة له.

ومن هنا يجب التمييز بين:

التنازل عن الحق الخاص

و

انقضاء الدعوى الجزائية العامة.

ولا يجوز افتراض أن كل تنازل مدني يؤدي تلقائياً إلى إنهاء المسؤولية الجزائية.

الباب الثامن عشر

علاقة الدعوى الجزائية بالدعوى المدنية

قد تنشأ عن الجريمة أضرار مالية أو أدبية تستوجب التعويض.

ولهذا قد تجتمع الدعوى الجزائية مع المطالبة المدنية التابعة لها.

لكن اجتماع الدعويين لا يعني اندماجهما الكامل.

فلكل دعوى موضوعها وأساسها وآثارها.

ويجب على المحكمة أن تميز بين الحكم في المسؤولية الجزائية والحكم في المسؤولية المدنية.

الباب التاسع عشر

حجية الحكم الجزائي

الحكم الجزائي بعد استكمال شروطه القانونية يترتب عليه من الحجية ما قرره القانون.

وتظهر أهمية الحجية في منع إعادة محاكمة الشخص عن ذات الواقعة على النحو الذي يحظره القانون.

والحجية لا تعني أن كل ما ورد في الحكم يصبح حقيقة مطلقة في كل نزاع، وإنما تتحدد بحدود الحكم وموضوعه وأطرافه والأسباب التي قامت عليها النتيجة القضائية.

قاعدة الباحث

حجية الحكم لا تقاس بمجرد وجود حكم سابق، وإنما بحدود ما فصل فيه الحكم فصلاً قضائياً لازماً.

الباب العشرون

طرق الطعن ومراجعة الأحكام

الفصل الأول: الاستئناف

الاستئناف وسيلة لإعادة عرض الحكم أمام درجة قضائية أعلى في الحدود التي يسمح بها القانون.

وتتحدد آثاره بنوع الحكم وبنطاق الطعن وبطلبات الخصوم وبالقواعد الإجرائية المنظمة له.

الفصل الثاني: الطعن أمام المحكمة العليا

تتجه الرقابة العليا أساساً إلى سلامة تطبيق القانون وصحة الإجراءات والتسبيب، وفق الحدود التي يرسمها القانون.

وهنا يظهر الفرق بين:

محكمة الموضوع

و

محكمة القانون.

فالأولى تنظر في الوقائع والأدلة في نطاق ولايتها، بينما تركز الثانية على سلامة التطبيق القانوني في الحدود التي يسمح بها نظام الطعن.

الفصل الثالث: إعادة النظر

إعادة النظر طريق استثنائي لا يلجأ إليه إلا في الحالات التي يحددها القانون.

والسبب في استثنائيته أن الأصل استقرار الأحكام وعدم فتح الخصومة إلى ما لا نهاية.

الباب الحادي والعشرون

تنفيذ الأحكام الجزائية

الفصل الأول: مبدأ تنفيذ الحكم

بعد استكمال الحكم للشروط القانونية اللازمة للتنفيذ، تنتقل الدعوى من مرحلة الفصل القضائي إلى مرحلة التنفيذ.

والتنفيذ ليس عملاً إدارياً منفصلاً عن القضاء، وإنما هو امتداد للأثر القانوني للحكم.

الفصل الثاني: حدود التنفيذ

لا يجوز تنفيذ حكم بغير منطوقه وحدوده.

فجهة التنفيذ لا تملك تعديل الحكم أو إضافة عقوبة لم يقض بها أو إنقاص ما قضى به القضاء خارج الحالات التي يسمح بها القانون.

ومن هنا:

التنفيذ تابع للحكم، وليس منشئاً له.

الفصل الثالث: الإشكالات التنفيذية

قد تظهر أثناء التنفيذ مسائل تحتاج إلى تفسير أو معالجة قانونية.

ويجب التمييز بين الإشكال الذي يتعلق بتنفيذ الحكم وبين الطعن في أصل الحكم.

فجهة التنفيذ لا ينبغي أن تتحول إلى محكمة طعن جديدة.

الباب الثاني والعشرون

العلاقة بين قانون الإجراءات الجزائية وقانون المرافعات

تظهر أهمية العلاقة بين القانونين في المسائل التي لم يرد بشأنها تنظيم خاص في الإجراءات الجزائية.

وقد أخذ المشرع اليمني بمبدأ الإحالة إلى القواعد الإجرائية العامة في المسائل التي لا يوجد بشأنها نص خاص، مع مراعاة طبيعة الدعوى الجزائية وخصوصيتها.

وهذا يدل على أن النظام الإجرائي اليمني يقوم على التكامل التشريعي.

لكن الإحالة لا تعني النقل الآلي لكل قاعدة مدنية إلى المجال الجزائي.

فما يصلح للدعوى المدنية قد لا يصلح للدعوى الجزائية بسبب اختلاف طبيعة الخصومة والحقوق محل الحماية.

الباب الثالث والعشرون

المقارنة بين الإجراءات الجزائية في الفقه الإسلامي والقانون اليمني

يمكن استخلاص عدد من المبادئ المشتركة بين الفقه الإسلامي والنظام الإجرائي الحديث، من أهمها:

ضرورة التثبت قبل ترتيب الجزاء.

حماية الإنسان من الاتهام المجرد.

اعتبار البينة وسيلة أساسية لإثبات الحقوق.

منع الظلم والإكراه.

ضرورة قيام الحكم على أساس معتبر.

التفريق بين الشبهة واليقين.

حماية المجتمع من الجريمة.

تحقيق التوازن بين الحق العام والحق الخاص.

ويرى الباحث أن المقارنة الصحيحة لا تكون بإسقاط المصطلحات الحديثة على كتب الفقه دون تمييز، وإنما بالكشف عن الأصول والمقاصد المشتركة مع المحافظة على خصوصية كل نظام.

الباب الرابع والعشرون

المقارنة مع القانون والقضاء المصري

أظهرت التجربة المصرية أهمية البناء المتكامل لقواعد الإجراءات، ولا سيما في موضوعات:

الاختصاص.

البطلان.

القبض والتفتيش.

الحبس الاحتياطي.

الاعتراف.

الأدلة.

تسبيب الأحكام.

حق الدفاع.

طرق الطعن.

ويفيد القضاء المصري في المقارنة من حيث تطوير المعايير القضائية التي تميز بين الإجراء الجوهري والإجراء غير الجوهري، وبين العيب المؤثر والعيب الذي لا يغير من سلامة الحكم.

لكن النقل التشريعي لا ينبغي أن يكون حرفياً؛ إذ يجب أن تراعي المقارنة البيئة الدستورية والتشريعية والقضائية اليمنية.

الباب الخامس والعشرون

نظرية الباحث في الإجراء الجزائي

يقترح الباحث بناء النظرية العامة للإجراء الجزائي على ستة مستويات مترابطة:

المستوى الأول: المشروعية

هل يوجد نص قانوني يجي الإجراء؟

المستوى الثاني: الاختصاص

هل الجهة التي باشرت الإجراء مختصة به؟

المستوى الثالث: السبب

هل تحقق السبب الواقعي والقانوني الذي يبرر الإجراء؟

المستوى الرابع: الضمانة

هل روعيت حقوق الشخص الذي مسه الإجراء؟

المستوى الخامس: التناسب

هل كان الإجراء في حدود الغرض الذي شرع من أجله؟

المستوى السادس: الأثر

ما الجزاء القانوني المترتب على مخالفة الإجراء؟

وبناء على ذلك يرى الباحث أن:

صحة الإجراء الجزائي ليست وصفاً شكلياً، وإنما نتيجة لاكتمال المشروعية والاختصاص والسبب والضمانة والتناسب والأثر.

الباب السادس والعشرون

المبادئ القضائية المقترحة

المبدأ الأول

القضاء الجزائي حسب الواقعة والسبب القانوني، لا حسب مجرد تسمية الاتهام.

المبدأ الثاني

الصمت عن طلب جوهري لا يعد رفضاً له، ما لم يتبين من الحكم موقف المحكمة منه على نحو واضح.

المبدأ الثالث

لا إدانة بلا دليل مشروع منتج.

المبدأ الرابع

القبض إجراء وليس عقوبة.

المبدأ الخامس

الحبس الاحتياطي تدبير احتياطي وليس حكماً بالإدانة.

المبدأ السادس

التنفيذ لا ينشئ حكماً ولا يعدله.

المبدأ السابع

لا يجوز أن يكون الإجراء وسيلة لتحقيق غاية غير التي شرع من أجلها.

المبدأ الثامن

حق الدفاع يمتد إلى كل مرحلة يكون فيها الشخص معرضاً لأثر إجرائي جوهري، في الحدود التي يقررها القانون.

المبدأ التاسع

كلما اتسعت سلطة القاضي في تقدير الدليل ازدادت ضرورة تسبيب الحكم.

المبدأ العاشر

القوة التنفيذية للحكم القضائي أثر قانوني تابع للحكم وحدوده وشروط تنفيذه، ولا يجوز أن تتجاوز منطوقه أو سببه اللازم.

الخاتمة

تكشف دراسة قانون الإجراءات الجزائية اليمني أن العدالة الجنائية لا تتحقق بمجرد تطبيق العقوبة، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، منذ اللحظة التي تتحرك فيها أجهزة الضبط والتحقيق، وتستمر عبر النيابة والمحكمة وطرق الطعن، وتنتهي بالتنفيذ المشروع للحكم.

ومن ثم فإن الإجراء الجزائي هو الحلقة التي تصل بين سلطة الدولة وحقوق الإنسان.

فإذا غابت الشرعية تحول الإجراء إلى اعتداء على الحرية.

وإذا غابت الضمانات تحول الاتهام إلى إدانة مسبقة.

وإذا غاب التسبيب تحول الحكم إلى نتيجة لا يمكن مراقبتها.

وإذا تجاوز التنفيذ حدود الحكم تحول التنفيذ إلى مصدر لخصومة جديدة.

أما إذا اجتمعت الشرعية والاختصاص والسبب والضمانة والتناسب والتسبيب، أمكن أن تقوم العدالة الجزائية على أساس من القانون والفقه والقضاء.

النتائج النهائية

قانون الإجراءات الجزائية هو العمود الإجرائي للعدالة الجنائية.

لا يجوز فصل الإجراءات عن غايتها في حماية الحقوق وتحقيق العدالة.

سلطة الدولة في مكافحة الجريمة سلطة قانونية مقيدة وليست مطلقة.

لا يجوز اتخاذ إجراء ماس بالحرية بغير سند قانوني.

المتهم لا يفقد قرينة البراءة بسبب القبض أو الاتهام أو الهروب.

التحقيق يجب أن يبحث عن الحقيقة، لا عن أدلة الإدانة وحدها.

حق الدفاع ضمانة أصلية وليس إجراءً تكميلياً.

البطلان يقدر بحسب طبيعة العيب وأثره في الضمانة الإجرائية.

الدليل لا يكتسب قيمته بمجرد وجوده، وإنما بمشروعيته وصلته وإنتاجه.

الحكم الجزائي يجب أن يكون مسبباً تسبيباً كافياً.

طرق الطعن وسيلة لتحقيق سلامة القضاء واستقرار الحقوق في آن واحد.

التنفيذ مرحلة قانونية لاحقة للحكم ولا يجوز أن يتجاوزه.

المقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي تكشف عن أصول مشتركة في حماية الإنسان ومنع الظلم.

تطوير القضاء الجزائي اليمني يحتاج إلى تطوير التطبيق الإجرائي بقدر حاجته إلى تطوير النصوص.

إن بناء دولة النظام والقانون يقتضي أن يعرف كل قاضٍ وعضو نيابة ومأمور ضبط حدود سلطته كما يعرف واجبه.

توصيات الباحث

يوصي الباحث بإعادة تنظيم الدراسات التطبيقية لقانون الإجراءات الجزائية في صورة سلسلة متخصصة، بحيث تفرد دراسة مستقلة لكل من:

القبض والاستيقاف.

التفتيش وضبط الأشياء.

الاستجواب والاعتراف.

الحبس الاحتياطي.

المتهم الهارب.

البطلان الإجرائي.

التصدي.

الاختصاص الجزائي.

الأدلة الجنائية.

المحاكمة الغيابية.

طرق الطعن.

حجية الأحكام الجزائية.

تنفيذ الأحكام.

الإشكالات التنفيذية.

علاقة الدعوى الجزائية بالدعوى المدنية.

انقضاء الدعوى والعقوبة.

وبذلك تتحول دراسة قانون الإجراءات الجزائية من عرض للنصوص إلى نظرية إجرائية متكاملة تشرح النص، وتؤصل أساسه الفقهي، وتقارنه بالتجربة المصرية، وتكشف مواضع القوة والقصور، وتقترح حلولاً تشريعية وقضائية قابلة للتطبيق.

الهوامش والتأصيل

قانون الإجراءات الجزائية اليمني رقم (13) لسنة 1994م.

كتب الفقه الإسلامي في القضاء والدعاوى والبينة والشهادات والحدود والتعزير.

أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية.

محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية.

أحمد أبو الوفا، المرافعات والإثبات والإجراءات القضائية، في حدود المسائل المقارنة.

مؤلفات الفقه الإجرائي المتعلقة بالبطلان والاختصاص وحق الدفاع وحجية الأحكام.

المبادئ القضائية المستقرة في شأن سلامة الإجراءات وتسبيب الأحكام وتقدير الأدلة.

القواعد العامة في قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني فيما أحال إليه قانون الإجراءات الجزائية.

تم بذلك استكمال الجزء النظري الموسع، ويمكن أن يكون الجزء التالي مخصصاً للتطبيق التفصيلي مادةً مادةً من قانون الإجراءات الجزائية اليمني رقم (13) لسنة 1994م، مع تحليل كل مجموعة من المواد، وبيان الفقه الإسلامي والقضاء المصري ورأي الباحث والجزاء المترتب على مخالفة كل إجراء.

[15/‏9, 3:19 م] bljfarmhtarrajhbljfaralrajhy: الموسوعة القضائية والفقهية والقانونية والعلمية المقارنة


قانون الإجراءات الجزائية


دراسة تأصيلية تحليلية مقارنة في القانون اليمني والفقه الإسلامي والقانون والقضاء المصري وآراء الفقهاء ورأي المؤلف


تأليف وبحث: المستشار والباحث مختار راجح


---


الدراسة الأولى


المبادئ العامة الحاكمة للإجراءات الجزائية


الباب الأول: المبادئ العامة للإجراءات الجزائية


الفصل الأول: ماهية قانون الإجراءات الجزائية وأساسه


المبحث الأول: مفهوم قانون الإجراءات الجزائية


المطلب الأول: التعريف القانوني للإجراءات الجزائية


الإجراءات الجزائية هي مجموعة القواعد القانونية التي تنظم الوسائل والطرق التي تباشر بها الدولة الدعوى الجزائية منذ ظهور الجريمة أو العلم بها، مروراً بجمع الاستدلالات والتحقيق والمحاكمة والطعن، وانتهاءً بتنفيذ الحكم.


وهذا التعريف يكشف أن قانون الإجراءات الجزائية ليس قانوناً شكلياً بالمعنى الضيق، وإنما هو قانون ينظم سلطة الدولة في مواجهة الجريمة، وحدود هذه السلطة، وضمانات الفرد في مواجهتها.


وقد نصت المادة (1) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني على أن:


««يسمى هذا القانون قانون الإجراءات الجزائية».»


أما المادة (2) فقد وضعت مجموعة من التعريفات التي تساعد على فهم المصطلحات التي يقوم عليها القانون، ومن بينها المسوغ القانوني، والمدعى بالحق الشخصي، والشكوى، وإجراءات التحقيق، والاستجواب، ومحل التوقيف، والاستيقاف، وغيرها.


وتظهر أهمية المادة (2) في أنها لا تترك المصطلحات الأساسية لاجتهاد متباين في كل واقعة، بل يحاول المشرع تحديد مدلولها القانوني.


المطلب الثاني: الطبيعة القانونية للإجراءات الجزائية


تتميز الإجراءات الجزائية بأنها ذات طبيعة مزدوجة:


أولاً: طبيعة سلطوية.


لأن الدولة تمارس من خلالها سلطة التحقيق والاتهام والقبض والتفتيش والحبس والمحاكمة والتنفيذ.


ثانياً: طبيعة ضمانية.


لأن القانون ذاته يقيد هذه السلطة ويمنع استعمالها إلا وفق شروط وضوابط محددة.


وهنا تظهر المفارقة الأساسية في قانون الإجراءات الجزائية:


كلما ازدادت خطورة السلطة التي يمنحها القانون لجهة من الجهات، ازدادت الحاجة إلى ضبطها بضمانات قانونية.


فلا يجوز أن يكون البحث عن الجريمة سبباً في إلغاء حقوق الإنسان، كما لا يجوز أن تتحول الضمانات إلى وسيلة لتعطيل العدالة.


---


المبحث الثاني: المسؤولية الجزائية الشخصية


المطلب الأول: النص القانوني


تنص المادة (3) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني على أن:


««المسؤولية الجزائية شخصية فلا يجوز إحضار شخص للمساءلة الجزائية إلا عما ارتكبه هو من أفعال يعاقب عليها القانون».»


وهذا النص يؤسس قاعدة جوهرية مفادها أن المسؤولية لا تنتقل من شخص إلى آخر لمجرد رابطة القرابة أو المصاهرة أو الانتماء أو الصداقة أو المسؤولية الوظيفية.


المطلب الثاني: التحليل القانوني


المقصود بالشخصية هنا أن يكون محل المساءلة هو من نسبت إليه الجريمة وفقاً للقانون.


فلا يجوز، مثلاً، أن يقبض على والد شخص متهم لمجرد أن الابن هارب.


ولا يجوز حبس موظف لمجرد أن رئيسه متهم.


ولا يجوز مساءلة مسؤول عن فعل موظف آخر لمجرد وجود علاقة إدارية بينهما ما لم يوجد أساس قانوني للمسؤولية.


المطلب الثالث: التأصيل في الفقه الإسلامي


تقوم الشريعة الإسلامية على أصل واضح في فردية المسؤولية وعدم مؤاخذة الإنسان بجريرة غيره.


قال تعالى:


﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.


فالأصل أن يتحمل كل إنسان نتيجة فعله، ولا يحمل شخص تبعة فعل غيره إلا في الحالات التي ينشئ فيها الشرع أو القانون مسؤولية مستقلة قائمة على فعل ذلك الشخص نفسه.


المطلب الرابع: المقارنة بالقانون المصري


يتفق الاتجاه التشريعي المصري مع أصل شخصية المسؤولية الجنائية؛ فالمساءلة الجزائية تتعلق بمن ارتكب الفعل أو اشترك فيه وفقاً للقواعد التي يقررها القانون.


ولا يعني ذلك أن المسؤول الإداري لا يمكن مساءلته مطلقاً عن أفعال تابعيه، وإنما يجب أن تكون مسؤوليته قائمة على أساس قانوني مستقل، كالإهمال أو الاشتراك أو الامتناع الذي يرتب القانون عليه مسؤولية.


المطلب الخامس: آراء الفقهاء


يرى الفقه الجنائي أن شخصية المسؤولية الجنائية تعد من المبادئ الأساسية للعدالة الجنائية، لأن العقوبة لا تستهدف مجرد وجود صلة بين الشخص والجريمة، وإنما تستهدف المسؤولية التي تثبت في حقه.


ويفرق الفقه بين:


المسؤولية عن الفعل الشخصي


و:


المسؤولية التي تنشأ عن فعل آخر بسبب مساهمة قانونية مستقلة.


وهذا التفريق مهم جداً في المسؤولية الوظيفية.


المطلب السادس: التطبيق العملي


إذا ارتكب موظف جريمة اختلاس، فلا يجوز قانوناً إدانة مدير الإدارة لمجرد أنه مدير.


ولكن إذا ثبت أن المدير اشترك في الجريمة، أو سهل ارتكابها، أو ارتكب فعلاً مستقلاً يعاقب عليه القانون، فإن مركزه يصبح محل بحث مستقل.


المطلب السابع: رأي المؤلف


يرى المؤلف أن مبدأ شخصية المسؤولية الجزائية يجب أن يظل أصلاً حاكماً لجميع مراحل الدعوى، من القبض إلى التحقيق والمحاكمة والتنفيذ.


ويجب عدم الخلط بين:


المسؤولية عن الجريمة


و:


المسؤولية الإدارية عن التقصير في أداء الوظيفة.


فالأولى لا تثبت إلا وفق قواعد المسؤولية الجزائية، أما الثانية فقد تقوم على أساس وظيفي أو تأديبي مختلف.


---


الدراسة الثانية


قرينة البراءة وتفسير الشك لمصلحة المتهم


الباب الأول: المبادئ العامة للإجراءات الجزائية


الفصل الثاني: قرينة البراءة


المبحث الأول: الأساس القانوني لقرينة البراءة


المطلب الأول: النص اليمني


تنص المادة (4) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني على أن:


««المتهم برئ حتى تثبت إدانته ويفسر الشك لمصلحة المتهم».»


كما تقرر المادة ذاتها أن العقاب لا يكون إلا بعد محاكمة تجري وفق القانون وتصان فيها حرية الدفاع.


وهذا النص يجمع بين مبدأين مترابطين:


الأول: قرينة البراءة.


الثاني: تفسير الشك لمصلحة المتهم.


المطلب الثاني: معنى قرينة البراءة


قرينة البراءة ليست مجرد عبارة أدبية، وإنما هي قاعدة إجرائية لها آثار عملية.


فالمتهم يدخل الدعوى الجزائية من الناحية القانونية وهو غير مدان.


ولا ينتقل من مركز البراءة إلى مركز الإدانة إلا بعد إثبات مسؤوليته وفق الإجراءات القانونية.


وهذا يعني أن الاتهام ليس حكماً.


وأن محضر الاستدلال ليس حكماً.


وأن قرار الاتهام ليس حكماً.


وأن إحالة المتهم إلى المحكمة ليست حكماً.


وأن مجرد اعتقاد رجل الضبط أو المحقق بارتكاب المتهم للجريمة لا ينشئ إدانة.


المطلب الثالث: عبء الإثبات


الأصل أن جهة الاتهام هي التي تقدم أدلة الإدانة.


ولا يطالب المتهم بإثبات براءته من كل احتمال.


وهذه قاعدة بالغة الأهمية في التطبيق؛ لأن قلب عبء الإثبات يؤدي إلى نتيجة خطيرة تتمثل في افتراض الذنب بدلاً من افتراض البراءة.


المطلب الرابع: الشك وتفسيره


ليس المقصود من تفسير الشك لمصلحة المتهم أن كل احتمال بسيط يؤدي تلقائياً إلى البراءة.


وإنما المقصود أن تكون هناك حالة شك حقيقية مؤثرة في عناصر الجريمة أو نسبتها إلى المتهم، بحيث لا تبلغ الأدلة درجة تكفي قانوناً لبناء الإدانة.


المطلب الخامس: التأصيل في الفقه الإسلامي


يتصل هذا المبدأ بأصول راسخة في الفقه الإسلامي، ومنها:


اليقين لا يزول بالشك.


كما يرتبط بأصل براءة الذمة، وبقاعدة أن البينة على من ادعى.


فمن يدعي شغل ذمة شخص أو ارتكابه فعلاً موجباً للعقوبة لا يكفيه مجرد الادعاء، بل يحتاج إلى دليل معتبر.


المطلب السادس: القضاء المصري


استقر الفكر القضائي الجنائي المصري على أهمية اقتناع المحكمة بالأدلة المطروحة عليها، وأن الإدانة لا تقوم على الظن المجرد، وإنما على أدلة تطمئن إليها المحكمة وفقاً للقواعد القانونية.


وتبرز هنا سلطة محكمة الموضوع في تقدير الأدلة، مع خضوع حكمها للرقابة فيما يتعلق بصحة تطبيق القانون والتسبيب.


المطلب السابع: آراء الفقهاء


يرى الفقه الجنائي أن قرينة البراءة تؤدي ثلاث وظائف رئيسية:


1. حماية المتهم من الإدانة بمجرد الشبهة.

2. تحديد اتجاه عبء الإثبات.

3. إلزام القضاء ببناء الإدانة على أدلة معتبرة.


ويرى جانب من الفقه أن قرينة البراءة لا تنتهي بمجرد بدء التحقيق، وإنما تظل قائمة حتى صدور حكم نهائي بالإدانة.


المطلب الثامن: التطبيق العملي


إذا اتهم شخص بسرقة مبلغ مالي، ولم توجد إلا شهادة غير مستقرة لا تؤيدها قرائن أو أدلة أخرى، وكان مضمونها متناقضاً بصورة مؤثرة، فإن المحكمة لا ينبغي أن تستبدل نقص الدليل بمجرد احتمال.


أما إذا اجتمعت أدلة مستقلة ومتساندة، كوجود المتهم في مكان الجريمة، وضبط المال بحوزته في ظروف مرتبطة بالجريمة، ووجود آثار مادية تؤيد الرواية، فقد تنتقل المسألة إلى تقدير قيمة هذه الأدلة ومجموعها.


المطلب التاسع: رأي المؤلف


يرى المؤلف أن قرينة البراءة ليست امتيازاً للمتهم وإنما ضمانة للمجتمع أيضاً؛ لأن المجتمع لا يحتاج إلى مجرد كثرة الأحكام، وإنما يحتاج إلى أحكام صحيحة.


فالعدالة لا تتحقق بإدانة أكبر عدد من المتهمين، وإنما بإدانة من تثبت مسؤوليته وإبراء من لم تثبت مسؤوليته.


---


الدراسة الثالثة


المساواة أمام القانون وحظر التعذيب وحماية حرية الدفاع


الباب الأول: المبادئ العامة للإجراءات الجزائية


الفصل الثالث: ضمانات الإنسان أثناء الإجراءات


المبحث الأول: مبدأ المساواة أمام القانون


المطلب الأول: النص القانوني


تنص المادة (5) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني على أن:


««المواطنون سواء أمام القانون».»


كما تحظر التمييز بسبب الجنسية أو العنصر أو الأصل أو اللغة أو العقيدة أو المهنة أو درجة التعليم أو المركز الاجتماعي.


وهذا النص يضع قاعدة عامة تمنع تحويل الإجراءات الجزائية إلى وسيلة للتمييز بين الناس.


المطلب الثاني: الأثر العملي للمساواة


المساواة لا تعني أن تكون كل الإجراءات متطابقة في جميع القضايا.


فالجريمة الجسيمة قد تستلزم إجراءات تختلف عن الجريمة غير الجسيمة بسبب اختلاف طبيعتها وخطورتها.


لكن المساواة تعني أن الاختلاف في المعاملة يجب أن يكون قائماً على سبب قانوني موضوعي، لا على المكانة الاجتماعية أو النفوذ أو القدرة المالية.


المطلب الثالث: الفقه الإسلامي


يقوم القضاء في الشريعة الإسلامية على أصل المساواة في الحكم، وعدم تفضيل شخص على آخر بسبب الغنى أو النسب أو الجاه.


والعدالة القضائية لا تستقيم إذا كان القانون يطبق على الضعيف بطريقة وعلى القوي بطريقة أخرى.


المطلب الرابع: القانون والقضاء المصري


يعد مبدأ المساواة أمام القانون من المبادئ الدستورية والقانونية العامة التي تؤثر في تطبيق الإجراءات الجنائية، مع مراعاة أن اختلاف المراكز القانونية قد يؤدي إلى اختلاف الأحكام متى كان الاختلاف مستنداً إلى معيار قانوني موضوعي.


المطلب الخامس: رأي المؤلف


يرى المؤلف أن أخطر صور الإخلال بالإجراءات الجزائية هي أن يصبح مركز الشخص الاجتماعي أو الوظيفي عاملاً في تحديد مدى تمتعه بالضمانات القانونية.


فالإجراء الصحيح هو الذي يطبق على الجميع وفقاً للقانون.


---


المبحث الثاني: حظر التعذيب والإكراه


المطلب الأول: النص القانوني


تنص المادة (6) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني على حظر تعذيب المتهم أو معاملته بطريقة غير إنسانية أو إيذائه بدنياً أو معنوياً بقصد حمله على الاعتراف، كما تهدر الأقوال التي يثبت صدورها تحت وطأة ذلك.


وهذه من أهم الضمانات التي قررها القانون.


المطلب الثاني: الحكمة من الحظر


التعذيب لا يهدم كرامة الإنسان فقط، وإنما يهدم قيمة الدليل نفسه.


فالاعتراف الذي ينتزع بالإكراه لا يعبر بالضرورة عن الحقيقة، وإنما قد يكون استجابة للخوف أو الألم.


ومن هنا فإن مكافحة التعذيب ليست مسألة إنسانية فقط، بل هي أيضاً ضمانة لحقيقة التحقيق.


المطلب الثالث: الفقه الإسلامي


عرف الفقه الإسلامي أهمية الإقرار الصادر عن إرادة معتبرة، وميز بين الإقرار الصحيح وبين ما يشوبه الإكراه المؤثر.


والقاعدة العامة أن الإكراه المؤثر يفسد الاختيار والإرادة في المجالات التي يشترط فيها صدور القول عن إرادة معتبرة.


المطلب الرابع: القانون المصري والفقه الجنائي


يربط الفقه الجنائي بين سلامة الاعتراف وحرية الإرادة، ويؤكد أن قيمة الاعتراف تتأثر بظروف صدوره ومدى مشروعية الوسيلة التي تم الحصول عليه بها.


المطلب الخامس: التطبيق العملي


إذا اعترف متهم أثناء التحقيق بعد تعرضه للضرب، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون:


هل اعترف؟


بل:


كيف حصل الاعتراف؟


فإذا ثبت أن الإكراه هو الذي حمله على الاعتراف، فإن البحث ينتقل إلى أثر ذلك على قيمة الاعتراف وعلى الإجراءات والأدلة الأخرى المرتبطة به.


المطلب السادس: رأي المؤلف


يرى المؤلف أن مكافحة التعذيب يجب أن تكون جزءاً من حماية النظام القضائي ذاته؛ لأن القضاء الذي يعتمد على دليل منتزع بالقوة لا يستطيع أن يضمن الوصول إلى الحقيقة.


كما أن إهدار الدليل غير المشروع لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مكافأة للمتهم، وإنما باعتباره جزاءً على مخالفة القانون وحمايةً لسلامة العدالة.


---


الدراسة الرابعة


الحرية الشخصية وشرعية تقييدها


الباب الأول: المبادئ العامة للإجراءات الجزائية


الفصل الرابع: الحرية الشخصية


المبحث الأول: الأصل في الحرية


الأصل أن الإنسان حر، وأن تقييد حريته استثناء يحتاج إلى سند قانوني.


وهذا الأصل يفرض أن يكون القبض والحبس من الإجراءات التي لا تمارس إلا وفق الضوابط التي حددها القانون.


المطلب الأول: المسوغ القانوني


عرف قانون الإجراءات الجزائية اليمني في المادة (2) المسوغ القانوني بأنه:


«سند من أي قانون ساري المفعول».


وتكمن أهمية هذا التعريف في أنه يجعل السلطة الإجرائية مرتبطة بمصدر قانوني، فلا يكفي مجرد الأمر الإداري أو الرغبة الشخصية أو الاعتقاد المجرد.


المطلب الثاني: الحبس غير المشروع


أولى المشرع اليمني عناية خاصة لمن يتعرض للحبس دون مسوغ قانوني؛ إذ أوجب على من يعلم بذلك إبلاغ أحد أعضاء النيابة العامة، وأوجب على عضو النيابة الانتقال والإفراج عمن حبس بغير حق وفقاً لما قرره القانون.


وهذا يكشف عن أن حماية الحرية ليست مجرد حق نظري، وإنما لها آلية رقابة وإفراج.


المطلب الثالث: الفقه الإسلامي


الأصل في الإنسان الحرية، ولا يجوز تقييدها بغير سبب معتبر.


والحبس في الفقه الإسلامي ليس عقوبة مفتوحة بلا ضوابط، وإنما هو إجراء أو جزاء يرتبط بمسوغ شرعي معتبر بحسب نوع الحالة.


المطلب الرابع: المقارنة المصرية


يقوم التنظيم المصري كذلك على إخضاع القبض والحبس لضوابط قانونية، وتظهر أهمية الإذن القضائي والقيود المفروضة على سلطات الضبط والتحقيق بحسب طبيعة الإجراء وحالته.


المطلب الخامس: التطبيق


إذا قام رجل الضبط باحتجاز شخص في مكان غير مخصص لذلك دون مسوغ، فإن وصف الواقعة لا يتغير لمجرد أن رجل الضبط يعتقد أن الشخص مشتبه فيه.


فالسؤال الأول:


ما هو السند القانوني للحرمان من الحرية؟


ثم:


هل توافرت شروطه؟


ثم:


هل احترمت المدة والجهة والمكان والإجراءات؟


المطلب السادس: رأي المؤلف


يرى المؤلف أن شرعية تقييد الحرية يجب أن تقوم على ثلاثة عناصر متلازمة:


المشروعية + الاختصاص + احترام الإجراءات.


فوجود سبب مشروع وحده لا يكفي إذا صدر الإجراء من غير مختص، كما أن اختصاص الجهة لا يغني عن ضرورة وجود سبب قانوني واحترام شروط الإجراء.


---


الدراسة الخامسة


حماية الحياة الخاصة والمراسلات ووسائل الاتصال


الباب الأول: المبادئ العامة للإجراءات الجزائية


الفصل الخامس: حماية الخصوصية


المبحث الأول: الأساس القانوني


يحمي قانون الإجراءات الجزائية اليمني الحياة الخاصة، كما يقرر حماية المراسلات والاتصالات، ولا يسمح بمراقبتها أو تفتيشها أو إفشاء سريتها أو تأخيرها أو مصادرتها إلا في الحالات التي يحددها القانون وبالضوابط المقررة فيه.


وهذا المبدأ يكتسب أهمية متزايدة مع تطور وسائل الاتصال الحديثة.


المطلب الأول: الحكمة من الحماية


الحياة الخاصة ليست منطقة خارجة عن القانون، ولكنها أيضاً ليست مجالاً مفتوحاً للسلطة العامة.


ولهذا فإن تدخل الدولة فيها يحتاج إلى:


1. سند قانوني.

2. غاية مشروعة.

3. ضرورة.

4. جهة مختصة.

5. احترام الإجراءات.

6. عدم تجاوز نطاق الإذن أو المسوغ.


المطلب الثاني: الفقه الإسلامي


تتصل حماية الخصوصية في الفقه الإسلامي بمبدأ حرمة التجسس وانتهاك حرمات الناس بغير حق.


قال تعالى:


﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾.


ولا يعني ذلك منع كل إجراء تحقيقي، وإنما يعني أن الأصل هو احترام حرمة الإنسان، وأن الانتقال إلى الاستثناء يحتاج إلى أساس معتبر.


المطلب الثالث: المقارنة بالقانون المصري


تظهر في التشريع المصري كذلك قيود على المساس بالخصوصية والمراسلات والاتصالات، ويظل معيار المشروعية مرتبطاً بحدود السلطة القانونية والجهة المختصة والشروط التي وضعها المشرع.


المطلب الرابع: التطبيق العملي


إذا أرادت جهة التحقيق الوصول إلى رسالة إلكترونية أو تسجيل اتصال أو تفتيش جهاز إلكتروني، فلا يكفي أن يكون الجهاز متعلقاً بالمتهم.


بل يجب بحث:


هل الإجراء جائز قانوناً؟


هل صدر الإذن من الجهة المختصة عند اشتراطه؟


ما حدود الإذن؟


هل تجاوز التنفيذ نطاقه؟


ما أثر الدليل الناتج؟


المطلب الخامس: رأي المؤلف


يرى المؤلف أن التطور التقني لا ينبغي أن يؤدي إلى إلغاء الضمانات التقليدية، وإنما يجب أن يؤدي إلى تطويرها.


فالهاتف والحاسوب والوسائل الرقمية أصبحت في كثير من الحالات أكثر كشفاً للحياة الخاصة من المسكن نفسه، ولذلك فإن حماية البيانات والاتصالات يجب أن تعامل باعتبارها امتداداً طبيعياً لحماية الخصوصية.


---


خاتمة الدراسات الخمس


تكشف المبادئ السابقة أن قانون الإجراءات الجزائية لا يمكن فهمه باعتباره مجموعة من الإجراءات المتفرقة، وإنما هو نظام متكامل يقوم على توازن دقيق بين سلطتين: سلطة الدولة في مكافحة الجريمة، وحق الإنسان في ألا تمس حريته وحقوقه إلا وفق القانون.


وقد ظهر من الدراسة أن المبادئ الأساسية مترابطة:


شخصية المسؤولية الجزائية تمنع مؤاخذة الإنسان بفعل غيره.


قرينة البراءة تمنع اعتبار الاتهام إدانة.


حرية الدفاع تضمن قدرة المتهم على مواجهة الدعوى.


حظر التعذيب والإكراه يحمي كرامة الإنسان وسلامة الدليل.


شرعية تقييد الحرية تمنع القبض والحبس بغير سند قانوني.


حماية الخصوصية تمنع تحول وسائل التحقيق إلى سلطة مطلقة.


وهذه المبادئ ستظل حاضرة في جميع أبواب الدراسة اللاحقة؛ لأنها تمثل الأساس الذي ستبنى عليه دراسة الدعوى الجزائية والاستدلال والتحقيق والقبض والتفتيش والأدلة والمحاكمة والحكم والطعن والتنفيذ والبطلان.


النتائج الأولية


1. قانون الإجراءات الجزائية قانون موضوعي في آثاره، وإن كانت قواعده إجرائية في طبيعتها.

2. الشرعية الإجرائية هي الأساس الذي يضبط سلطة الدولة في مواجهة الجريمة.

3. قرينة البراءة أصل مستمر إلى أن تثبت الإدانة بحكم قضائي وفق القانون.

4. الشك المؤثر في ثبوت الجريمة أو نسبتها يفسر لمصلحة المتهم.

5. شخصية المسؤولية الجزائية تمنع مساءلة الشخص عن فعل غيره بغير أساس قانوني مستقل.

6. حظر التعذيب والإكراه ضمانة للإنسان وضمانة لحقيقة الدليل في الوقت ذاته.

7. تقييد الحرية لا يكون مشروعاً بمجرد وجود شبهة، بل يجب أن يستند إلى مسوغ قانوني وتختص به الجهة التي منحها القانون هذه السلطة.

8. حماية الخصوصية والمراسلات والاتصالات أصبحت من أهم موضوعات الإجراءات الجزائية الحديثة.

9. المقارنة بالقانون والقضاء المصري لا تهدف إلى إحلال القانون المصري محل القانون اليمني، وإنما إلى الكشف عن الحلول الممكنة ومقارنتها بالنظام اليمني والفقه الإسلامي.

10. رأي المؤلف لا يأتي بديلاً عن النص أو القضاء، وإنما يمثل نتيجة التحليل والموازنة والترجيح.


---


الدراسة التالية


الباب الثاني: الدعوى الجزائية


الفصل الأول: مفهوم الدعوى الجزائية وطبيعتها


سيبدأ الجزء التالي بدراسة الدعوى الجزائية من أساسها، ابتداءً من مفهومها وتمييزها عن الدعوى المدنية، ثم صاحب الحق في تحريكها، والنيابة العامة، والمجني عليه والمدعي بالحق الشخصي، والشكوى والبلاغ، والقيود الواردة على تحريك الدعوى، ثم انقضائها، مع دراسة كل مسألة وفق التسلسل الموحد:


النص اليمني → التحليل → الفقه الإسلامي → القانون المصري → القضاء المصري → آراء الفقهاء → التطبيقات والأمثلة → النقد والمقارنة → رأي المؤلف → المقترح التشريعي عند الحاجة.


وسيستمر ترقيم الدراسة من الباب الثاني دون إعادة ترقيم أو تغيير النظام، مع عدم تكرار الاسم بعد المقدمة.

[15/‏9, 3:28 م] bljfarmhtarrajhbljfaralrajhy: الموسوعة القضائية والفقهية والقانونية والعلمية المقارنة


الباب الخامس: التحقيق الابتدائي


الدراسة الحادية والعشرون: التحقيق الابتدائي ـ ماهيته وطبيعته وضماناته


المبحث الأول: مفهوم التحقيق الابتدائي


المطلب الأول: التعريف التشريعي


عرّف المشرع اليمني «إجراءات التحقيق» بأنها:


««كافة الإجراءات التي تتخذها النيابة العامة أثناء مباشرتها لوظيفتها في تحقيق القضايا».»


ويظهر من هذا التعريف أن التحقيق ليس إجراءً واحداً، وإنما منظومة متكاملة من الإجراءات تستهدف الوصول إلى الحقيقة، والتحقق من وقوع الجريمة، وتحديد مرتكبها، وجمع الأدلة المؤيدة للاتهام أو النافية له، تمهيداً للتصرف القانوني في الدعوى.


ومن هنا فإن التحقيق الابتدائي لا ينبغي أن يفهم باعتباره مرحلة مخصصة لإثبات الاتهام فقط، وإنما هو مرحلة للبحث عن الحقيقة بكل عناصرها.


المطلب الثاني: العوامل المؤسسة للتحقيق الابتدائي


يقوم التحقيق الصحيح على مجموعة عوامل مترابطة:


1. وجود واقعة يحتمل أن تكون جريمة.

2. اختصاص الجهة القائمة بالتحقيق.

3. وجود سند قانوني للإجراء.

4. تحديد الشخص أو الواقعة محل التحقيق.

5. جمع الأدلة بطريقة مشروعة.

6. تمكين الخصوم من ممارسة حقوقهم.

7. إثبات الإجراءات في محاضر رسمية.

8. الحياد في تقدير الأدلة.

9. احترام الحرية الشخصية.

10. عدم استعمال الإكراه أو التعذيب أو التحايل.


وهذه العوامل تمثل معياراً عملياً للحكم على سلامة التحقيق.


فليس السؤال الصحيح:


هل تم التحقيق؟


وإنما السؤال الأدق:


هل تم التحقيق من الجهة المختصة، وبالطريقة التي رسمها القانون، وبالضمانات التي تحمي الحقيقة وحقوق الخصوم؟


---


المبحث الثاني: سلطة النيابة العامة في التحقيق


المطلب الأول: النص القانوني


تنص المادة (115) على تحديد اختصاص أعضاء النيابة العامة في التحقيق بالجرائم الواقعة في نطاق اختصاص المحاكم التي يعملون في دوائرها.


وتنص المادة (116) على أن النائب العام يتولى سلطة التحقيق والادعاء وكافة الاختصاصات التي يقررها القانون، وله أن يباشر سلطة التحقيق بنفسه أو بواسطة أحد أعضاء النيابة العامة أو من يندب لذلك من القضاء أو مأموري الضبط القضائي.


كما أجازت المادة (117) لعضو النيابة أن يندب مأمور الضبط القضائي للقيام بعمل أو أكثر من أعمال التحقيق، مع استثناء استجواب المتهم من نطاق هذا الندب.


المطلب الثاني: دلالة النص


يتضح من ذلك أن المشرع أقام توزيعاً وظيفياً للسلطة:


النائب العام → أعضاء النيابة → الانتداب في الحدود القانونية → مأمور الضبط القضائي.


وهذا التدرج ليس مسألة إدارية مجردة، وإنما له أثر مباشر في مشروعية الإجراء.


فإذا كان الإجراء من الإجراءات التي لا يجوز لمأمور الضبط القضائي مباشرتها إلا بتكليف أو إذن، فلا يجوز تحويل الندب الجزئي إلى تفويض شامل.


رأي المؤلف


الاختصاص في التحقيق ليس مجرد قاعدة تنظيمية؛ بل قد يتحول إلى ضمانة جوهرية متى كان متعلقاً بالحرية الشخصية أو المسكن أو سرية الاتصالات أو الاستجواب.


ولهذا ينبغي تفسير الاختصاص تفسيراً يحمي الحقوق، لا تفسيراً يوسع السلطة بغير نص.


---


الدراسة الثانية والعشرون: سرية التحقيق وعلانية المحاكمة


المبحث الأول: سرية التحقيق


تنص المادة (121) على أن إجراءات التحقيق تكون سرية مع عدم المساس بحقوق الدفاع، ويلتزم كل من يباشر التحقيق أو يشترك فيه بعدم إفشائه، مع ترتيب الجزاء القانوني على مخالفة ذلك.


المطلب الأول: الحكمة من السرية


سرية التحقيق تحقق عدة أهداف:


1. حماية الأدلة من العبث.

2. حماية الشهود من التأثير.

3. حماية المتهم من التشهير قبل ثبوت مسؤوليته.

4. منع التأثير في التحقيق.

5. حماية الحياة الخاصة.

6. ضمان سلامة الإجراءات.


ولكن السرية لا تعني أن المتهم يصبح غائباً عن التحقيق.


وهنا تظهر العبارة الجوهرية في النص:


«مع عدم المساس بحقوق الدفاع».


أي أن السرية موجهة أساساً إلى الجمهور والغير في الحدود التي يقررها القانون، ولا يجوز استخدامها لإلغاء حقوق الخصوم.


---


المبحث الثاني: الفرق بين سرية التحقيق وعلانية المحاكمة


التحقيق الابتدائي يقوم على السرية المنظمة.


أما المحاكمة فتقوم في أصلها على ضمانات المواجهة والعلانية وفق الحدود التي يقررها القانون.


والحكمة في ذلك أن مرحلة التحقيق تبحث عن الأدلة، بينما المحاكمة هي المرحلة التي يعرض فيها الاتهام والدفاع على القضاء للفصل فيهما.


رأي المؤلف


لا ينبغي أن تتحول سرية التحقيق إلى ستار يمنع المتهم من معرفة الأدلة التي يحق له قانوناً مواجهتها، كما لا ينبغي أن تتحول العلانية القضائية إلى وسيلة للتشهير.


والحل الصحيح هو:


سرية تحفظ التحقيق، وحقوق دفاع تحفظ المتهم، وعلانية قضائية تحفظ الثقة العامة.


---


الدراسة الثالثة والعشرون: حضور الخصوم في التحقيق وحقوقهم الإجرائية


المبحث الأول: حضور الخصوم


تنص المادة (122) على حق المتهم والمجني عليه وورثته ومن أصابه ضرر من الجريمة والمطالب بالحقوق المدنية والمسؤول عنها ووكلائهم، وفق القانون، في حضور إجراءات التحقيق، مع تنظيم حقهم في الكلام أمام المحقق.


كما أجاز النص للمحقق، في حالات الاستعجال، مباشرة بعض الإجراءات في غيبة الخصوم، مع حقهم في الاطلاع على الأوراق المثبتة لهذه الإجراءات بعد ذلك.


المطلب الأول: القاعدة


الأصل هو تمكين الخصوم من الحضور وفق القانون.


المطلب الثاني: الاستثناء


يجوز إجراء بعض أعمال التحقيق في غياب الخصوم عند وجود حالة استعجال أو مقتضى يبرر ذلك.


لكن الاستثناء لا يجوز أن يتحول إلى قاعدة.


رأي المؤلف


كل استثناء من حضور الخصوم يجب أن يكون:


محدداً + مبرراً + ضرورياً + متناسباً + قابلاً للمراجعة.


ولا يكفي القول بوجود الاستعجال دون بيان وجهه.


---


الدراسة الرابعة والعشرون: الطلبات والدفوع أثناء التحقيق


المبحث الأول: النص القانوني


قررت المادة (125) أن للخصوم تقديم أوجه الدفاع والطلبات التي يرونها أثناء التحقيق، وعلى المحقق إثباتها وتحقيقها.


وهذا النص بالغ الأهمية؛ لأنه يجعل التحقيق مجالاً للمواجهة القانونية، وليس مساراً أحادياً تتحرك فيه سلطة التحقيق دون مشاركة المتهم.


المطلب الأول: الطلبات


من أمثلة الطلبات:


- سماع شاهد.

- إجراء معاينة.

- ندب خبير.

- ضم مستند.

- فحص دليل.

- إجراء مواجهة.

- إثبات واقعة معينة.

- التحقيق في واقعة تنفي الاتهام.


المطلب الثاني: الدفوع


قد يدفع المتهم:


- بعدم الاختصاص.

- بعدم مشروعية إجراء.

- بعدم صحة القبض.

- ببطلان التفتيش.

- بانعدام الصلة بالدليل.

- بعدم كفاية الأدلة.

- بوجود سبب ينفي المسؤولية.


القاعدة


طلب المتهم لا يعني وجوب الاستجابة إليه دائماً، ولكنه يعني وجوب التعامل القانوني معه.


وهذا فرق جوهري.


فالمحقق قد يرفض الطلب، لكن الرفض ينبغي أن يكون قائماً على سبب قانوني ومنطقي، لا على التجاهل.


---


الباب السادس: الاستجواب والمواجهة


الدراسة الخامسة والعشرون: الاستجواب ـ ماهيته وحدوده وضماناته


المبحث الأول: مفهوم الاستجواب


عرّف المشرع اليمني الاستجواب بأنه، بالإضافة إلى توجيه التهمة إلى المتهم، مواجهته بالأدلة القائمة قبله ومناقشته فيها تفصيلاً.


وهذا التعريف يبين أن الاستجواب يختلف عن مجرد سؤال المتهم عن بياناته أو سماع أقواله.


فالاستجواب يقوم على ثلاثة عناصر:


1. توجيه التهمة.

2. عرض الأدلة.

3. مناقشة المتهم فيها.


ومن هنا فإن الاستجواب إجراء مركب وليس مجرد استفسار.


---


المبحث الثاني: الاستجواب كوسيلة دفاع


قد يبدو لأول وهلة أن الاستجواب وسيلة اتهام، لكنه في الحقيقة قد يكون وسيلة دفاع كذلك.


فالمتهم يستطيع من خلال الاستجواب:


- تفسير الواقعة.

- بيان ظروفها.

- تقديم مستندات.

- الكشف عن شهود.

- مناقشة الأدلة.

- بيان التناقضات.

- إثارة الدفوع.

- نفي صلته بالجريمة.


وقد أكد المشرع اليمني ضرورة كفالة حقوق الدفاع كاملة، وأجاز للمتهم في كل وقت أن يبدي دفاعه أو يطلب اتخاذ إجراء من إجراءات التحقيق، مع إثبات أقواله وطلباته في المحضر.


---


الدراسة السادسة والعشرون: حق المتهم في الصمت وعدم إجباره على الإجابة


المبحث الأول: النص القانوني


تنص المادة (178) على:


««لا يجوز تحليف المتهم اليمين الشرعية ولا إجباره على الإجابة ولا يعتبر امتناعه عنها قرينة على ثبوت التهمة ضده.»»


كما تحظر المادة ذاتها وسائل الإكراه والتحايل والضغط والإغراء والإجبار لحمل المتهم على الاعتراف.


وهذا النص يمثل ضمانة جوهرية.


المطلب الأول: الصمت ليس اعترافاً


إذا امتنع المتهم عن الإجابة، فلا يجوز تحويل هذا الامتناع إلى دليل إدانة.


لأن تحميل الصمت معنى الإقرار يؤدي عملياً إلى إجبار المتهم على الكلام.


المطلب الثاني: لا إجبار على الاعتراف


الاعتراف الذي ينتج عن:


- التعذيب،

- العنف،

- التهديد،

- الإكراه،

- الضغط غير المشروع،

- التحايل المؤثر في الإرادة،


لا يجوز أن يكون ثمرة مشروعة للتحقيق.


رأي المؤلف


أرى أن حرية الإرادة في القول شرط سابق على قيمة الاعتراف.


فإذا كانت الإرادة مكسورة، فقد بقيت الكلمات، ولكن سقطت قيمتها القانونية.


---


الدراسة السابعة والعشرون: حضور المحامي أثناء الاستجواب


المبحث الأول: ضمانة الدفاع


نظم المشرع اليمني حضور المحامي في مرحلة التحقيق، وأجاز للمتهم إعلان اسم محاميه، ونظم حق المحامي في الاطلاع على التحقيق قبل الاستجواب أو المواجهة، كما منع الفصل بين المتهم ومحاميه الحاضر معه أثناء التحقيق.


وتزداد أهمية هذه الضمانة في الجرائم الجسيمة.


فالمحامي لا يحل محل المتهم في الدفاع عن نفسه، وإنما يساعده على ممارسة حقوقه بصورة قانونية.


المطلب الأول: أهمية المحامي


وجود المحامي يحقق:


1. التوعية بالحقوق.

2. مراقبة سلامة الإجراءات.

3. منع سوء فهم الأقوال.

4. تقديم الطلبات.

5. إثارة الدفوع.

6. حماية المتهم من الإكراه.

7. ضمان سلامة المحضر.


رأي المؤلف


حق الدفاع لا يكتمل بمجرد السماح النظري للمحامي بالحضور، بل يتطلب أن يكون حضوره فعّالاً وحقيقياً، وأن يستطيع أداء دوره في الحدود التي رسمها القانون.


---


الباب السابع: الأدلة في الدعوى الجزائية


الدراسة الثامنة والعشرون: مفهوم الدليل الجزائي ومشروعيته


المبحث الأول: معنى الدليل


الدليل هو الوسيلة التي يمكن من خلالها إثبات واقعة منتجة في الدعوى.


لكن الدليل الجزائي لا تقاس قيمته بمجرد وجوده، وإنما بعناصر متعددة:


المصدر + المشروعية + الصلة + السلامة + القدرة على الإثبات + خضوعه للمناقشة.


المطلب الأول: الدليل المشروع


الدليل المشروع هو الذي تم الحصول عليه بواسطة إجراء يسمح به القانون، ومن جهة تملك الاختصاص، وبالطريقة التي رسمها القانون.


المطلب الثاني: الدليل غير المشروع


إذا كان الدليل ثمرة إجراء غير مشروع، تثار مسألة أثر هذا العيب على قيمة الدليل وما يترتب عليه من آثار.


وهنا يجب التفريق بين:


- بطلان الإجراء.

- استبعاد الدليل.

- ضعف القيمة الإثباتية.

- انعدام الدليل.

- فساد الاستدلال.


فليست كل المخالفات متساوية في آثارها.


---


الدراسة التاسعة والعشرون: الاعتراف كدليل جزائي


المبحث الأول: مفهوم الاعتراف


الاعتراف هو إقرار المتهم على نفسه بارتكاب الواقعة أو بجزء منها.


لكن الاعتراف لا يصبح دليلاً صحيحاً لمجرد صدوره من المتهم.


بل يجب بحث:


1. أهلية المقر.

2. سلامة الإرادة.

3. عدم الإكراه.

4. صدور الاعتراف أمام الجهة المختصة.

5. وضوح مضمونه.

6. توافقه مع باقي الأدلة.


المبحث الثاني: الاعتراف أمام جهة التحقيق


إذا اعترف المتهم أثناء التحقيق، فلا بد من التحقق من الظروف التي صدر فيها الاعتراف.


فالسؤال القضائي ليس:


هل اعترف؟


بل:


كيف اعترف؟ ولماذا اعترف؟ وهل كانت إرادته حرة؟ وهل يتفق اعترافه مع الأدلة الموضوعية؟


وهذه الأسئلة هي التي تحول الاعتراف من مجرد قول إلى عنصر يمكن تقييمه قضائياً.


---


الدراسة الثلاثون: الشهادة والقرائن والخبرة


المبحث الأول: الشهادة


الشهادة وسيلة لإثبات الوقائع من خلال إدلاء شخص بما أدركه بحواسه.


لكن الشهادة تختلف عن السماع، ويجب على المحكمة أن تميز بين:


- ما شاهده الشاهد بنفسه.

- ما سمعه مباشرة.

- ما نقله إليه الغير.

- ما استنتجه شخصياً.


كلما ابتعدت الشهادة عن الإدراك المباشر، ازدادت الحاجة إلى التثبت من قيمتها.


---


المبحث الثاني: القرائن


القرينة استنتاج واقعة مجهولة من واقعة معلومة.


ومن أمثلتها:


وجود آثار مادية، أو تطابق بيانات، أو توافر ظروف متساندة.


لكن القرينة لا تكون قوية بمجرد تسميتها قرينة.


بل يجب أن تكون:


ثابتة الأصل + منطقية الاستنتاج + متصلة بالواقعة + غير متعارضة مع دليل أقوى.


---


المبحث الثالث: الخبرة


الخبير لا يحل محل القاضي.


وظيفته تقديم المعرفة الفنية التي يحتاج إليها القضاء.


فالخبير قد يقرر:


- نتيجة فنية.

- نسبة مادة.

- طبيعة إصابة.

- مصدر أثر.

- نتيجة فحص مالي.

- تحليل فني أو رقمي.


لكن التكييف القانوني النهائي يبقى للقاضي.


رأي المؤلف


كلما زادت الخبرة الفنية في القضايا الحديثة، وجب أن تزداد قدرة القضاء على مناقشة التقرير الفني، حتى لا تتحول الخبرة من وسيلة مساعدة للقاضي إلى سلطة بديلة عنه.


---


الباب الثامن: المحاكمة الجزائية


الدراسة الحادية والثلاثون: الاختصاص القضائي وأثره في صحة المحاكمة


المبحث الأول: الاختصاص


الاختصاص هو السلطة القانونية الممنوحة لمحكمة معينة لنظر نوع محدد من الدعاوى.


ويتفرع إلى:


1. اختصاص ولائي.

2. اختصاص نوعي.

3. اختصاص مكاني.

4. اختصاص وظيفي.


القاعدة


لا يكفي أن تكون المحكمة محكمة جزائية، وإنما يجب أن تكون المحكمة المختصة قانوناً بهذه الدعوى تحديداً.


رأي المؤلف


الاختصاص ليس مجرد ترتيب داخلي بين المحاكم؛ لأن المحكمة التي لا تملك الولاية أو الاختصاص لا تستطيع أن تنشئ شرعية من العدم.


---


الدراسة الثانية والثلاثون: المحاكمة بين الاتهام والدفاع


المحاكمة هي المرحلة التي تتحول فيها نتائج التحقيق إلى خصومة قضائية علنية منظمة وفق القانون.


وتقوم على عناصر:


محكمة مختصة + خصوم + اتهام محدد + دفاع + أدلة + مناقشة + مداولة + حكم.


وإذا غاب أحد العناصر الجوهرية، اختل البناء الإجرائي.


المطلب الأول: حق الدفاع


حق الدفاع لا يعني مجرد حضور المتهم.


بل يشمل:


- العلم بالتهمة.

- العلم بالأدلة في الحدود القانونية.

- إبداء الطلبات.

- تقديم الدفوع.

- مناقشة الأدلة.

- الاستعانة بمحام.

- تقديم ما يبرئ المتهم.

- الرد على أدلة الاتهام.


المطلب الثاني: مبدأ المواجهة


لا يكفي أن تكون الأدلة موجودة في ملف الدعوى، بل ينبغي أن تكون قابلة للمناقشة القضائية في الحدود التي يقررها القانون.


وهنا تظهر القاعدة:


الدليل الذي لا يستطيع الخصم مناقشته لا ينبغي أن يمنح القيمة نفسها للدليل الذي خضع للمواجهة القضائية.


---


الباب التاسع: الحكم الجزائي


الدراسة الثالثة والثلاثون: الحكم الجزائي ـ ماهيته وأركانه وأسبابه


المبحث الأول: الحكم بوصفه ثمرة الخصومة


الحكم الجزائي هو القرار القضائي الذي تنتهي به المحكمة إلى نتيجة قانونية بشأن الاتهام المعروض عليها.


ولا يكون الحكم سليماً لمجرد صدوره من محكمة، وإنما يجب أن يقوم على:


1. اختصاص المحكمة.

2. صحة انعقادها.

3. سلامة الإجراءات الجوهرية.

4. ثبوت الواقعة.

5. سلامة التكييف.

6. كفاية الأدلة.

7. التسبيب.

8. منطوق واضح.

9. ارتباط النتيجة بالأسباب.


المبحث الثاني: التسبيب


التسبيب هو الجسر الذي يربط الوقائع بالدليل بالقانون بالنتيجة.


ولهذا فإن الحكم الذي يقول:


ثبتت الجريمة


دون بيان كيف ثبتت، ولماذا اعتبرت الأدلة كافية، وكيف انطبقت النصوص، يفتقر إلى البناء المنطقي للحكم.


رأي المؤلف


يمكن تلخيص وظيفة التسبيب في المعادلة الآتية:


واقعة ثابتة → دليل معتبر → تكييف قانوني → نتيجة قضائية.


وإذا انقطع أحد هذه الروابط، وجب إعادة فحص سلامة الحكم.


---


الدراسة الرابعة والثلاثون: حجية الحكم الجزائي والقوة التنفيذية للحكم القضائي


المبحث الأول: حجية الحكم


الحجية تعني أن الحكم القضائي، متى استوفى شروطه القانونية وأصبح نهائياً في الحدود التي يقررها القانون، لا يجوز التعامل معه وكأنه لم يوجد.


لكن يجب التمييز بين:


- حجية الحكم.

- نهائية الحكم.

- قابليته للطعن.

- القوة التنفيذية للحكم القضائي.

- التنفيذ الفعلي.


المبحث الثاني: القوة التنفيذية للحكم القضائي


القوة التنفيذية للحكم القضائي هي الأثر الذي يجعل الحكم قابلاً لأن تنتقل آثاره من الورق إلى الواقع بواسطة السلطة المختصة بالتنفيذ.


ومن هنا فإن العدالة لا تكتمل بالحكم وحده.


الحكم الذي لا يصل أثره إلى الواقع يظل عدالة ناقصة الأثر.


لكن التنفيذ لا يكون بالقوة الخاصة للأفراد، وإنما بواسطة السلطة المختصة ووفق القانون.


---


الباب العاشر: طرق الطعن في الأحكام الجزائية


الدراسة الخامسة والثلاثون: الطعن باعتباره ضمانة للعدالة


الطعن ليس امتيازاً إجرائياً، وإنما وسيلة لإعادة فحص الحكم في الحدود التي يسمح بها القانون.


وهو يحقق غايتين:


1. حماية حقوق الخصوم.

2. تصحيح الأخطاء القضائية.


وتختلف طرق الطعن من حيث:


- الجهة المختصة.

- شروط القبول.

- المواعيد.

- نطاق الفحص.

- أثر الطعن.

- سلطة المحكمة.


رأي المؤلف


ينبغي ألا ينظر إلى الطعن باعتباره تشكيكاً في القضاء، بل باعتباره جزءاً من النظام القضائي نفسه.


فالقضاء القوي ليس القضاء الذي يفترض عدم الخطأ، وإنما القضاء الذي يضع آليات قانونية لتصحيح الخطأ.


---


الباب الحادي عشر: تنفيذ الأحكام الجزائية


الدراسة السادسة والثلاثون: تنفيذ الحكم الجزائي وضمانات المحكوم عليه


المبحث الأول: التنفيذ مرحلة مستقلة


بعد صدور الحكم تبدأ مرحلة أخرى هي مرحلة التنفيذ.


وهذه المرحلة لا تعني انتهاء الضمانات، بل تنتقل الضمانات من مرحلة المحاكمة إلى مرحلة تنفيذ الجزاء.


عوامل التنفيذ المشروع


1. وجود حكم قابل للتنفيذ.

2. اختصاص جهة التنفيذ.

3. تحديد مضمون الحكم.

4. احترام شخص المحكوم عليه.

5. عدم تجاوز منطوق الحكم.

6. مراعاة المدد القانونية.

7. احترام الحقوق التي لا يسلبها الحكم.


قاعدة


لا يجوز أن يكون التنفيذ أشد من الحكم ذاته.


فإذا حكم القضاء بعقوبة محددة، فلا يجوز لجهة التنفيذ أن تضيف إليها عقوبة أخرى لم يقض بها الحكم.


---


الباب الثاني عشر: البطلان والانعدام في الإجراءات الجزائية


الدراسة السابعة والثلاثون: النظرية العامة للبطلان


المبحث الأول: مفهوم البطلان


البطلان هو الجزاء الذي يرتبه القانون على مخالفة إجرائية تؤثر في صحة الإجراء وفقاً للشروط التي يحددها التشريع.


لكن ليس كل خطأ إجرائي يؤدي بالضرورة إلى النتيجة نفسها.


ولهذا يجب التمييز بين:


1. المخالفة البسيطة.

2. المخالفة المؤثرة.

3. البطلان الجوهري.

4. البطلان المقرر لمصلحة الخصم.

5. البطلان المتعلق بالنظام العام.

6. الانعدام.


المطلب الأول: عوامل الحكم بالبطلان


يجب فحص:


النص المخالف + طبيعة الإجراء + الغرض من القاعدة + المصلحة المحمية + أثر المخالفة + إمكانية تصحيحها.


وهذا هو المنهج العلمي الأدق بدلاً من القول:


كل مخالفة = بطلان.


---


الدراسة الثامنة والثلاثون: البطلان الجوهري وغير الجوهري


المبحث الأول: العيب الجوهري


العيب الجوهري هو الذي يمس ضمانة أساسية أو ركناً مؤثراً في الإجراء، بحيث لا يمكن اعتبار الإجراء قد أدى وظيفته القانونية على الوجه الصحيح.


ومن أمثلته ـ بحسب الحالة والنص ـ الإخلال الجسيم بضمانات الدفاع أو مباشرة إجراء من جهة لا تملك الاختصاص اللازم أو المساس الجوهري بضمانة قررها القانون لحماية الحرية.