رحلة البراءة المسلوبة
د. وليد ناصر الماس
كان أحمد شابا متطلعا، نقي السريرة، صاحب صوت حسن، يتلو القرآن على الدوام، لم يكن صوته مجرد نبرات عذبة تطرب الآذان، بل كان نافذةً واسعة يطل قلبه الحيّ من خلالها على ملكوت الله، فكأنما تخرج الكلمات من أعماق الروح لتستقر في صميم القلوب.
عاش أحمد في قريته الهادئة، يحمل بين ضلوعه قلباً طاهراً من الأغراض الدنيئة، إذ لا يعرف الحقد طريقاً إلى فؤاده، ولا تشوب سريرته شائبة من رياء أو تكلف، إذا سار في الطرقات ترى العيون في وجهه التواضع والبساطة، وإذا جلس في محرابه، غشي المكان السكينة والوقار.
كان يتخذ من كتاب الله مؤنساً في وحشته، ومرشداً في خطاه، فكلما عصفت بالناس رياح الأهواء والتنافس على زينة الحياة، لجأ أحمد إلى مصحفه، يرتل آيات الرحمة والمغفرة، فتطمئن روحه ويسكن قلقه، فلم يكن يتلو ليمدحه الناس، بل كان يتلو ليحيي قلبه العامر، وليكون القرآن هو ترجمان أعماله ومعاملاته، وغاسل أدرانه، فكان أحمد علاوة عن ذلك باراً بوالديه، رحيماً بالضعفاء، باذلا للمعروف لمن عرف ومن لم يعرف.
التقى أحمد في أحد الجلسات المفعمة بالذكر، بشخصين كانا يتحدثان بلهجة معسولة، ويتظاهران بالتقوى والغيرة على الدين، مستغلين بساطته وطيبة قلبه، حتى عزلاه عن أسرته ومحيطه الاجتماعي، غارسين في عقله أن المجتمع بأسره قد حاد عن طريق الإيمان، وأن محاولة التعايش مع المختلفين هو تنازل عن الدين القويم.
وتحت تأثير الضخ والتلقين الاعمى تلاشى وجه أحمد البشوش، وحلّ محله العبوس الدائم ونظرات القلق، وتكفير كل من لا يدور في فلك جماعته، لقد تراجع إيمانه الحقيقي القائم على الرحمة، حتى أُفرغ قلبه من كل معاني الإنسانية والشفقة تجاه الآخرين، ليتبنى ايديولوجية صارمة تقوم على الإقصاء ورفض الآخر.
وصل المطاف بأحمد إلى أن نظر إلى أسرته المخلصة بعين الريبة والاتهام، وبات يكرر عبارات التكفير على المخالفين، مقتنعاً أنه يتقرب بذلك إلى الله تعالى.
وفي ليلة شتوية شديدة الظلام بعد أن توصل إلى قناعة بأن الخلاص من عالم آثم، لا يتحقق إلا بمحو حياة الآخرين، حتى أُلبس ما لا ينبغي لشاب أن يرتديه، وهو حزام ثقيل التف حول جسده النحيل، حتى وجد أحمد نفسه يقف في سوق شعبي مكتظ بالناس، أطفال يلعبون، وعائلات تسعى في أرزاقها، وبسطاء يملأون المكان بالحياة، وفي لحظة خاطفة، ضغط على الزر، ليفجر نفسه وسط الأبرياء، محولاً براءة الأيام التي بدأها إلى رماد، وحين انقشع دخان الموت وتكشفت جثة أحمد المتناثرة على أسفلت الشارع، لم يتبق من أحمد سوى بقايا إنسان سُرقت براءته في الغرف المغلقة، خاسراً دنياه وآخرته تحت أوهام زائفة.