خمسة فصول من كتاب ابوبكر الخير
المولف المستشار والباحث مختار عبدالله راجح
الفصل الأول
سياسة الحكم وفق الإمكانيات
ليس الحكم أن تملك من القوة ما يكفي لإخضاع الناس، وإنما أن تعرف كيف تدير ما تملك، وكيف تجعل من القليل قوةً، ومن المحدود قدرةً، ومن صعوبة الواقع مجالاً للفطنة وحسن التدبير.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة اللواء الركن أبو بكر حسين سالم في إدارة محافظة أبين؛ فقد وجد نفسه أمام مجتمع ذي بنية قبلية راسخة، تتداخل فيه الاعتبارات الاجتماعية والعرفية مع مؤسسات الدولة، وتكون فيه للقبيلة في بعض البيئات سلطة اجتماعية وتأثير يتجاوز أحياناً ما تملكه المؤسسات الرسمية من أدوات مباشرة.
وكانت هذه البيئة تحتاج إلى قائد لا يقيس الحكم بعدد الجنود، ولا يزن هيبة الدولة بكثرة السلاح، وإنما يدرك أن القيادة فن إدارة الممكن.
فقد حكم أبين في ظروف بالغة التعقيد، وبإمكانات أمنية وعسكرية محدودة قياساً باتساع المحافظة وتعدد مكوناتها وتشابك مصالحها، وتُذكر عنه إدارة المحافظة خلال نحو تسع سنوات، في مرحلة لم تكن فيها أدوات الحكم متكافئة مع حجم المسؤولية.
وهنا تظهر قيمة الحنكة.
فالحنكة ليست كثرة الكلام، ولا رفع الصوت، ولا إظهار القوة في كل موطن؛ وإنما هي أن يعرف القائد متى يتقدم، ومتى يتأنى، ومتى يحسم، ومتى يترك للزمن أن يحسم.
والفطن لا يرى المجتمع كتلةً واحدة، بل يقرأ طبقاته ومصالحه وشخصياته وموازين التأثير داخله، فيعرف أن بعض المعارك تُكسب بالقرار، وبعضها بالحوار، وبعضها بالصبر، وبعضها بإشعار كل طرف أن الدولة ليست خصماً له، وإنما إطاراً جامعاً له ولغيره.
أما الدهاء السياسي، حين يكون في خدمة الدولة والقانون، فهو ليس مراوغةً مجردة، بل قدرة على قراءة المشهد قبل أن يقع، واستبصار النتائج قبل اتخاذ القرار، ومعرفة الطريق الذي يوصل إلى الغاية بأقل قدر ممكن من الصدام.
وهذه إحدى القواعد الكبرى في القيادة:
أن لا تستخدم القوة حيث يكفي العقل، ولا تستخدم العقل وحده حيث لا بد من القوة، وأن تجعل لكل موقف أداته المناسبة.
لقد كان التحدي أمام محافظ أبين أكبر من حدود المكتب الإداري؛ إذ إن المحافظ في مثل هذه البيئة لا يدير أجهزة الدولة فحسب، بل يتعامل مع مجتمع له موازينه الاجتماعية، وله أعرافه، وله وجاهاته، وله قوى مؤثرة، وله ذاكرة طويلة من الصراعات والتجاذبات.
ومن هنا تصبح القيادة امتحاناً للشخصية قبل أن تكون امتحاناً للمنصب.
فالقائد الذي لا يعرف طبيعة المجتمع الذي يحكمه قد يتحول منصبه إلى عبء عليه، أما القائد الذي يقرأ المجتمع قراءةً صحيحة، فيستطيع أن يجعل من علاقاته الاجتماعية جسراً إلى الدولة، لا بديلاً عنها.
وهنا تكمن إحدى دلالات التجربة: أن إدارة المجتمع القبلي لا تكون بإلغاء القبيلة، ولا بإطلاق يدها على الدولة، وإنما بتحويل الأعراف الاجتماعية من عامل صدام مع المؤسسات إلى عنصر مساعد في حفظ السلم الاجتماعي، مع بقاء المرجعية النهائية للقانون والدولة.
ومن أساسيات القيادة أن يعرف القائد حدود قدرته.
فليس من الحكمة أن يتصرف المسؤول كما لو كان يملك جيشاً لا ينفد، أو موارد لا تنضب، أو أجهزة تستطيع تنفيذ كل أمر في كل مكان.
القائد الحكيم يبدأ من الواقع.
ينظر إلى عدد رجاله، وإلى قدراتهم، وإلى الموارد المتاحة، وإلى طبيعة الأرض، وإلى طبيعة المجتمع، ثم يضع سياسته وفق تلك المعطيات.
وهذا هو معنى سياسة الحكم وفق الإمكانيات.
إنها ليست سياسة العجز، بل سياسة الواقعية.
وليست استسلاماً للظروف، بل حسن استخدام للموارد.
وليست تقليلاً من شأن الدولة، بل إدراكاً أن الدولة القوية هي التي تعرف كيف تستخدم إمكاناتها بكفاءة.
وفي القيادة قاعدة لا يختلف عليها أهل التجربة:
القوة بلا حكمة قد تصنع الخوف، والحكمة بلا قوة قد تصنع العجز، أما اجتماع الحكمة بالقوة المنضبطة فيصنع الهيبة.
ومن هنا يمكن فهم جانب من شخصية أبي بكر حسين سالم كما تصفها الشهادات والانطباعات المتداولة عنه: رجل يميل إلى قراءة المواقف، ويعرف أن المحافظة على الاستقرار في بيئة معقدة ليست عملاً عسكرياً محضاً، ولا عملاً إدارياً محضاً، وإنما هي مزيج من الفطنة الاجتماعية، والحساب السياسي، والقدرة الإدارية، والهدوء، والصبر، وحسن اختيار اللحظة.
لقد كان أمام مسؤولية واسعة وأدوات محدودة؛ ولذلك كانت قيمة القيادة في كيفية تحويل المحدود إلى مؤثر.
اكتشاف المزيد
أدلة سفر وقصص الرحلات
صناعة الصحافة والأخبار
الأخبار
فقد يستطيع قائد أن يملك آلاف الرجال ولا يستطيع أن يحكم شارعاً واحداً إذا فقد ثقة المجتمع، وقد يملك مسؤول موارد ضخمة ولا يستطيع إدارة مؤسسة إذا افتقد الحكمة، بينما يستطيع رجل قليل الأدوات أن يحافظ على مساحة واسعة من الاستقرار إذا امتلك شخصية قيادية تعرف كيف تتعامل مع البشر والظروف.
وهنا يظهر الفرق بين منصب القائد وشخصية القائد.
فالمنصب يمنح صاحبه سلطةً قانونية، أما الشخصية فتعطي هذه السلطة معناها العملي.
والقرار قد يصدر بتوقيع المسؤول، لكن نجاح القرار يتوقف على قدرته على فهم البيئة التي سينفذ فيها.
ولهذا فإن القيادة ليست إصدار الأوامر فقط، بل معرفة كيف تتحول الأوامر إلى واقع.
ومن أجمل ما يمكن أن يقال في وصف القائد الذي يعمل في ظروف صعبة:
إنه لا ينتظر أن يصبح الطريق سهلاً حتى يسير، وإنما يعرف كيف يسير في الطريق الصعب دون أن يفقد وجهته.
لقد كانت أبين بالنسبة إليه ليست مجرد رقعة جغرافية، وإنما مجتمعاً متعدد البنى والتأثيرات، ومن يتولى أمر مجتمع كهذا يحتاج إلى نفس طويل، وعقل بارد، وعين ترى ما وراء الظاهر، ولسان يعرف متى يقول الكلمة، ومتى يصمت.
فالصمت عند القائد ليس دائماً ضعفاً، كما أن الكلام ليس دائماً قوة.
وقد يكون أعظم القرار أحياناً هو القرار الذي لم يُتخذ في لحظة الغضب.
ومن أساسيات القيادة أيضاً أن لا يجعل القائد نفسه طرفاً في كل خلاف؛ لأن المسؤول الذي يدخل في كل معركة يفقد موقع الحكم، أما الذي يحافظ على موقع الدولة، فإنه يستطيع أن يستمع إلى الجميع دون أن يصبح أسيراً لأحد.
وهنا تتجلى الفطنة السياسية والاجتماعية.
أن تسمع القبيلة دون أن تصبح القبيلة.
أن تستمع إلى الفرد دون أن تهدم الجماعة.
أن تحفظ هيبة الدولة دون أن تستفز المجتمع.
أن تستخدم سلطة القانون دون أن تجعل القانون أداة انتقام.
أن تكون قريباً من الناس دون أن تفقد هيبة المنصب.
وأن تكون حازماً دون أن تتحول الحزم إلى قسوة.
وهذه كلها معادلات دقيقة لا يتقنها إلا من جمع بين الفهم والتجربة وضبط النفس وحسن التقدير.
ولذلك فإن الحديث عن تجربة أبي بكر حسين سالم في أبين لا ينبغي أن يقتصر على عدد السنوات التي قضاها في المنصب، بل ينبغي أن يتجه إلى السؤال الأعمق:
كيف يستطيع قائد أن يدير مجتمعاً شديد التعقيد في ظل إمكانات محدودة؟
والجواب الذي تقدمه التجربة، في جانبها القيادي، أن الإدارة ليست بكثرة الأدوات وحدها، وإنما بكفاءة استعمالها.
فالرجل الذي يملك أربعين جندياً ويعرف أين يضعهم، ومتى يحركهم، ومتى لا يحركهم، قد يكون أكثر أثراً من رجل يملك أربعمائة ولا يعرف كيف يديرهم.
وهذه قاعدة في القيادة العسكرية والإدارية معاً:
ضع الرجل المناسب في المكان المناسب، والقوة المناسبة في اللحظة المناسبة، والكلمة المناسبة في الموقف المناسب.
إنها فلسفة تقوم على الاقتصاد في القوة، وحسن توزيعها، وتجنب الاستنزاف، وإبقاء أبواب التواصل مفتوحة.
ومن هنا يمكن القول إن الحنكة القيادية لا تظهر في الظروف السهلة؛ فالظروف السهلة لا تكشف معدن القائد كاملاً.
أما حين تضيق الإمكانات، وتتعدد القوى، وتتشابك المصالح، وتصبح المحافظة على التوازن ضرورة يومية، فهناك يظهر معدن الرجل.
وقد تكون أعظم صفات القائد في تلك الظروف أنه لا يسمح لقلة الإمكانات أن تتحول إلى ذريعة للفوضى، ولا يسمح لكثرة المشكلات أن تدفعه إلى القرارات المرتجلة.
وهكذا تصبح سياسة الحكم وفق الإمكانيات مدرسة في القيادة قبل أن تكون منهجاً في الإدارة.
مدرسة تقول:
اعرف واقعك قبل أن تضع سياستك، واعرف رجالك قبل أن تكلفهم، واعرف مجتمعك قبل أن تحكمه، واعرف حدود قوتك قبل أن تستخدمها، واعرف عواقب قرارك قبل أن توقعه.
ومن امتلك هذه الملكات، امتلك شيئاً من جوهر القيادة.
ولهذا فإن أبا بكر حسين سالم، في الصورة التي ترسمها تجربته الطويلة في أبين، يقدم نموذجاً جديراً بالدراسة في إدارة الممكن، وقراءة المجتمع، وموازنة القوة، واستخدام الحنكة والفطنة في صناعة الاستقرار؛ وهي صفات تجعل القيادة أبعد من كرسي المنصب وأعمق من سلطة القرار.
فالقائد الحقيقي لا يقاس فقط بما يملك من رجال، وإنما بما يستطيع أن يصنعه من هيبة الدولة، وثقة المجتمع، وانضباط المؤسسات، وحسن إدارة الاختلاف.
وتلك هي خلاصة القيادة:
أن تحكم بما لديك، لا بما تتمنى أن يكون لديك؛ وأن تصنع من الإمكان المحدود أثراً واسعاً، ومن العقل قوة، ومن الصبر قراراً، ومن الهيبة جسراً بين الدولة والمجتمع.
الفصل الثاني
إسقاط المراكز والمقامات وصناعة القرب
ليست هيبة المسؤول في أن يمشي الناس من حوله على أطراف أصابعهم، ولا في أن تُفتح له الأبواب قبل أن يصل إليها، ولا في أن يسبقه الحرس حيثما اتجه؛ فالهيبة التي تُصنع بالحواجز سرعان ما تتحول إلى مسافة، والمسافة إذا طالت بين المسؤول والناس تحولت إلى عزلة، والعزلة إذا استقرت في صاحب المنصب حجبت عنه حقيقة المجتمع.
أما الهيبة التي تُصنع بالحضور بين الناس، وبالعدل، والتواضع، وحسن السيرة، فهي هيبة من نوع آخر؛ هيبة لا تحتاج إلى حائط يحرسها، ولا إلى موكب يعلن عنها، ولا إلى لقب يثبتها.
وفي هذا الجانب تبرز صورة أبو بكر حسين سالم وهو يمشي مترجلاً بين الناس، بعيداً عن التكلف الذي يحيط عادةً ببعض أصحاب المناصب، وكأن الرسالة التي يحملها حضوره تقول إن المنصب مهما علا بصاحبه لا ينبغي أن يرفعه فوق الناس، وإنما يرفعه بخدمتهم.
فما أعجب الفرق بين رجل يمشي بين الناس لأنه واحد منهم، ورجل يمشي بعيداً عنهم لأنه يظن أن المنصب أخرجه من صفوفهم!
الأول يكسب القلوب، والثاني قد يكسب المسافات.
والقائد الذي يعرف قيمة الناس لا يحتاج إلى أن يضع بينه وبينهم أبواباً من الخوف؛ لأنه يعلم أن المسؤولية تكليف قبل أن تكون تشريفاً، وأن المقام مهما ارتفع يبقى مؤقتاً، وأن الإنسان يعود بعد المنصب إلى اسمه الأول، فلا يبقى له من أثره إلا ما تركه في نفوس الناس.
وهنا تكمن قيمة إسقاط المراكز والمقامات.
فالمقصود ليس إسقاط مقام الدولة، ولا إضعاف هيبة السلطة، وإنما إسقاط الحواجز المصطنعة التي تجعل صاحب المنصب يرى نفسه في طبقة، والناس في طبقة أخرى.
الدولة شيء، والغرور بالمنصب شيء آخر.
هيبة القانون شيء، والتعالي على المواطنين شيء آخر.
احترام المسؤول شيء، وتأليه المسؤول في أعين الناس شيء آخر.
والقائد الحكيم هو الذي يفرق بين هذه المعاني كلها.
إنه يحافظ على هيبة الدولة، لكنه لا يجعل من نفسه صنماً للدولة.
ويحافظ على مقام المسؤولية، لكنه لا يجعل المقام ستاراً يحجبه عن المواطن.
ويعرف أن النزول إلى الناس لا يعني النزول من مكانة القيادة، بل قد يكون هو الطريق الحقيقي إلى القيادة.
فالقائد الذي يمشي في الأسواق، ويجلس مع الناس، ويسمع حديثهم، ويعرف وجوههم، ويرى أحوالهم بعينه، يمتلك من المعرفة ما لا تمنحه التقارير وحدها.
إن الورق يخبر المسؤول بما حدث، أما الناس فيخبرونه لماذا حدث.
والتقارير تصف المشكلة، أما الاقتراب من المجتمع فيكشف جذورها.
ولهذا فإن القرب من الناس ليس حركة بروتوكولية، وإنما هو أداة من أدوات الحكم الرشيد.
ومن هنا يصبح التواضع عند القائد قوةً لا ضعفاً.
فالضعيف يحتاج إلى الحواجز كي يشعر بالقوة، أما الواثق من نفسه فلا يخشى أن يقترب من الناس.
والذي يعرف قدره لا يحتاج إلى أن يرفعه الناس كل دقيقة.
والذي يستمد احترامه من عمله لا يحتاج إلى أن يفرض احترامه بصوت مرتفع.
ولعل أجمل ما في التواضع القيادي أنه يعيد للمنصب معناه الإنساني.
فحين يرى المواطن المسؤول يمشي بين الناس، يشعر أن المسافة بينه وبين الدولة ليست مستحيلة.
وحين يستطيع أن يقترب منه، ويخاطبه، ويعرض مشكلته، يشعر أن الدولة ليست جداراً مغلقاً.
وحين يجد المسؤول مستمعاً قبل أن يكون آمراً، تتغير طبيعة العلاقة من الخوف إلى الثقة.
وهنا تكتمل حلقة القيادة:
قربٌ من الناس، وهيبةٌ للدولة، وعدلٌ في القرار، وتواضعٌ في السلوك.
وليس التواضع أن يتخلى القائد عن مقامه، بل أن يعرف أن مقامه ليس ملكاً شخصياً له.
فالمنصب عارية من الزمن، والكرسي لا يورث صاحبه الخلود.
كم من رجلٍ كان الناس يقفون له احتراماً، ثم انتهى منصبه فلم يقف له أحد!
وكم من رجلٍ كان يملك الأبواب والمواكب والحراس، ثم خرج من الباب الأخير ولم يحمل معه إلا ما صنعته يداه في ذاكرة الناس!
لهذا فإن القيادة الحقيقية لا تقاس بعدد من يقف خلف المسؤول، وإنما بعدد من يبقى يحترمه بعد أن يغادر المسؤولية.
وهنا يظهر الفارق بين من اعتلى المنصب، ومن ارتقى بالمنصب.
فكم من شخص اعتلى كرسياً لم تؤهله له خبرة، ولا علم، ولا قدرة، فحاول أن يعوض نقصه بكثرة الحواجز، وشدة الحراسة، وفخامة المظهر، ورفع الألقاب.
وكم من رجل امتلك المقام دون أن يمتلك أدواته، فكان أول ما فعله أن صنع بينه وبين الناس أسواراً من التكلف.
أما من امتلك القدرة الحقيقية، فإنه لا يحتاج إلى كل ذلك.
الكفاءة لا تحتاج إلى زينة، والشخصية لا تحتاج إلى ضجيج، والقيادة لا تحتاج إلى استعراض.
ومن هنا فإن صورة الرجل الذي يمشي مترجلاً بين أبناء مجتمعه تحمل معنى يتجاوز بساطة المشهد.
إنها تقول إن المسؤول يستطيع أن يكون قريباً دون أن يفقد هيبته، وأن يكون متواضعاً دون أن يفقد سلطته، وأن يكون إنساناً دون أن ينتقص ذلك من مقامه.
وهذه من أصعب معادلات القيادة.
أن تكون قريباً ولا تصبح مبتذلاً.
أن تكون متواضعاً ولا تصبح ضعيفاً.
أن تكون حازماً ولا تصبح قاسياً.
أن تكون مهيباً ولا تصبح متكبراً.
أن تسمع الناس ولا تصبح أسيراً لأهوائهم.
أن تعرف أن لهم مكانتهم، وأن للدولة مكانتها، وأن العدل هو الميزان بين الاثنين.
وهذه هي القيادة التي لا تُدرّس كلها في الكتب.
فبعض القيادة علم، وبعضها تجربة، وبعضها طبع، وبعضها أخلاق.
وقد يتعلم الإنسان كيف يصدر القرار، لكنه لا يتعلم بسهولة كيف يجعل الناس يقبلون القرار.
وقد يتعلم كيف يأمر، لكنه لا يتعلم كيف يجعل الناس يطيعون عن اقتناع.
وقد يتعلم كيف يحكم من مكتبه، لكنه لا يتعلم كيف يعرف نبض الشارع.
ومن هنا فإن النزول إلى الناس ليس نزولاً من مقام القيادة، وإنما هو صعود إلى حقيقتها.
فالقيادة في جوهرها علاقة بين الإنسان والمسؤولية.
وكلما ازدادت قدرة القائد على إسقاط الحواجز الوهمية بينه وبين المجتمع، ازداد اطلاعه على الواقع، واتسعت قدرته على فهم الناس، وأصبح قراره أكثر اتصالاً بالحياة اليومية.
إن المسؤول الذي لا يرى الناس إلا في المكاتب الرسمية قد يعرف أسماء الملفات، لكنه قد يجهل أسماء الوجع.
أما الذي يمشي بينهم، ويصافحهم، ويستمع إليهم، ويرى حياتهم كما هي، فإنه يملك نافذة مفتوحة على المجتمع.
ولذلك يمكن قراءة هذه السمة في تجربة أبي بكر حسين سالم باعتبارها وجهاً من وجوه القيادة الاجتماعية؛ فالقيادة ليست فقط إدارة الأجهزة، وإنما إدارة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
وكلما قلت الحواجز غير الضرورية، أمكن أن تزيد الثقة.
وكلما اقترب المسؤول من الناس دون أن يتخلى عن القانون، أمكن أن تتحول السلطة من صورة مجردة إلى حضور إنساني.
وهنا يبلغ الأدب السياسي غايته:
ليس العظيم من جعل الناس ينحنون أمام مقامه، وإنما العظيم من جعلهم يرفعون رؤوسهم احتراماً لأخلاقه.
وليس القائد من جعل الناس يخافون من الاقتراب منه، وإنما القائد من جعل الناس يشعرون أن الدولة قريبة منهم، عادلة فيهم، وحاضرة بينهم.
إن الموكب قد يعلن وصول المسؤول، لكن المشي بين الناس يعلن وصول الإنسان.
والحراسة قد تحمي الجسد، لكن حسن السيرة يحمي الذكرى.
واللقب قد يرفع الاسم في الأوراق، لكن المواقف هي التي ترفعه في قلوب الناس.
ومن هنا نصل إلى أصل عظيم من أصول القيادة:
كلما استطاع القائد أن يسقط الحواجز التي لا تحتاجها الدولة، استطاع أن يبني جسراً أقوى بينها وبين المجتمع.
فالدولة لا تحتاج إلى أن تكون بعيدة حتى تكون قوية، والمسؤول لا يحتاج إلى أن يكون متعالياً حتى يكون مهاباً.
إنما القوة في دولةٍ يحكمها القانون، والهيبة في مسؤولٍ يحترم الناس، والقيادة في رجلٍ يعرف أن أعلى درجات المنصب هي أن يبقى إنساناً.
وهكذا يتحول مشهد بسيط ــ رجل يمشي مترجلاً بين الناس ــ إلى درس كامل في القيادة:
اقترب لتعرف، وتواضع لتُحترم، واستمع لتُحسن القرار، واحفظ مقام الدولة دون أن تجعل من مقامك حجاباً بينها وبين الناس.
تلك هي القيادة حين تتجرد من مظاهرها، وتبقى حقيقتها؛
إنسانٌ يحمل مسؤولية، لا مسؤوليةٌ تبتلع إنسانه.
الفصل الثالث
اللعب على فن المستحيل
في إدارة المحافظات لا تُقاس القيادة دائماً بما يتوافر للقائد من إمكانات، بل بما يستطيع أن يصنعه حين تضيق الإمكانات، وتتعقد الظروف، وتغيب الأدوات التي تبدو في ظاهر الأمر شرطاً لازماً للنجاح.
وهنا تبرز صورة أبي بكر حسين سالم بوصفها تجربة تستحق التأمل في معنى القيادة حين تصبح الإمكانات محدودة، والواقع شديد التعقيد، والموارد أقل من حجم المسؤولية.
فقد واجه أبين في مراحل من إدارته ظروفاً اقتصادية وأمنية وإدارية صعبة، مع محدودية الموارد والتمويل المركزي مقارنةً باتساع المحافظة وتعدد احتياجاتها. وفي مجتمع تتداخل فيه الدولة مع البنية القبلية والاجتماعية، لا يكون الحكم مجرد إصدار قرارات من مكتب المحافظ، وإنما يصبح فنّاً في صناعة الممكن من رحم المستحيل.
وهنا يظهر معنى العبارة:
العب على فن المستحيل
ليس المقصود بالمستحيل أن يعجز القائد، وإنما أن يرى فيه غيره جداراً، فيراه هو باباً يحتاج إلى مفتاح.
فالقائد التقليدي يسأل:
ماذا أملك؟
أما القائد صاحب الرؤية فيسأل:
ماذا أستطيع أن أصنع بما أملك؟
وهذا الفارق الصغير في السؤال قد يصنع فارقاً كبيراً في النتائج.
كان أبو بكر حسين سالم أمام محافظة واسعة، ومجتمع متنوع، وتحديات متراكمة، وإمكانات لا تتناسب دائماً مع حجم المسؤولية؛ ولذلك لم يكن أمامه ترف انتظار الظروف المثالية.
فالسياسة الإدارية في الظروف الصعبة لا تقوم على انتظار المال حتى يبدأ العمل، ولا على انتظار اكتمال المؤسسات حتى تمارس القيادة، وإنما على ترتيب الأولويات، وحشد الممكن، والاستفادة من العلاقات الاجتماعية، واستثمار الطاقات المحلية، وإدارة المتاح بأقصى قدر من الكفاءة.
وهذه هي إحدى علامات القائد الذي يعرف كيف يلعب على فن المستحيل.
فهو لا يملك عصا سحرية، ولا يستطيع أن يصنع المال من الهواء، ولا يستطيع أن يبدل واقع المحافظة بقرار إداري واحد؛ لكنه يستطيع أن يجعل من كل مورد صغير قيمة، ومن كل علاقة اجتماعية جسراً، ومن كل فرصة بداية، ومن كل عائق مسألة قابلة للحل.
وهنا يمكن أن نضع أبا بكر حسين سالم أمام مرآة القيادة فنقول:
لم تكن قوته في أن أبين كانت سهلة، وإنما في أن أبين لم تكن سهلة، ومع ذلك ظل عليه أن يحكمها.
وهذه وحدها معادلة تستحق التأمل.
فالحكم في المجتمعات المعقدة يحتاج إلى أكثر من القوة الرسمية؛ يحتاج إلى معرفة دقيقة بالنسيج الاجتماعي، وإلى قراءة الشخصيات المؤثرة، وإلى التمييز بين الخصومة السياسية والخلاف الاجتماعي، وإلى القدرة على بناء جسور مع مختلف الأطراف دون أن تتحول الدولة إلى رهينة لأي طرف.
وهنا تتجلى الفطنة.
إن المحافظ الذي يدير مجتمعاً قبلياً لا يستطيع أن يتعامل معه بمنطق الأوامر وحده، كما لا يستطيع أن يترك المجتمع بلا مرجعية للدولة.
إنما عليه أن يصنع المعادلة الدقيقة:
احترام المجتمع دون الخضوع للفوضى، والاستفادة من العرف دون إلغاء القانون، والتواصل مع القبيلة دون تحويلها إلى بديل عن الدولة.
وهذه ليست مهمة يسيرة.
إنها تحتاج إلى رجل يعرف متى تكون الكلمة أقوى من القوة، ومتى يكون الصمت أبلغ من الكلام، ومتى يكون التقارب أكثر نفعاً من المواجهة، ومتى تكون الحزم ضرورة لا يجوز تأجيلها.
ومن هنا تأتي قيمة أبي بكر حسين سالم في هذه الصورة القيادية.
فالرجل الذي يجد نفسه أمام إمكانات محدودة لا يملك إلا أحد طريقين:
إما أن يجعل قلة الإمكانات عذراً لكل تعثر،
وإما أن يجعلها امتحاناً لقدراته.
والقائد الحقيقي يختار الطريق الثاني.
فإذا لم يجد التمويل الكافي، بحث عن الأولويات.
وإذا لم يجد الأدوات الكاملة، استخدم الأدوات المتاحة.
وإذا وجد مجتمعاً متعدد القوى، فتح قنوات التواصل.
وإذا واجه مشكلة أكبر من إمكاناته، قسمها إلى مسائل أصغر، ثم بدأ من الممكن.
وهكذا تتحول القيادة من انتظار المعجزات إلى صناعة متدرجة للنتائج.
إن أعظم ما يميز القائد في الأزمات أنه لا يسمح للواقع أن يحدد له سقف طموحه، وإن كان ملزماً بأن يحدد له أدواته.
فالطموح يمكن أن يكون واسعاً، لكن الوسيلة يجب أن تكون واقعية.
والغاية قد تكون كبيرة، لكن الطريق إليها يبدأ بخطوة صغيرة.
ومن هنا يصبح فن المستحيل ليس مغامرةً عمياء، وإنما ذكاءً في إدارة الموارد والفرص.
وقد يكون أبو بكر حسين سالم قد أدرك، بحكم تجربته العسكرية والإدارية، أن المحافظة لا تُدار كلها بالقرارات المكتبية، وأن جزءاً كبيراً من نجاح الإدارة يكمن في القدرة على تحريك المجتمع نحو الهدف.
فالقائد الذي يستطيع أن يجعل الناس يرون في المشروع مصلحة لهم، لا يحتاج دائماً إلى أن يحمل المشروع على كتفيه وحده.
وهذه قاعدة من قواعد القيادة:
لا تحمل الدولة كل شيء وحدها إذا كان المجتمع يستطيع أن يحمل معها جزءاً من العبء.
ولكن بشرط أن يبقى التنظيم والمسؤولية والمرجعية ضمن إطار الدولة والقانون.
وهنا تظهر براعة القائد في تحويل المجتمع من مجرد متلقٍ للخدمة إلى شريك في صناعة الحل.
إنها ليست بطولة الفرد، بل هندسة التعاون.
ولذلك فإن عبارة «فن المستحيل» تليق بالحديث عن القيادة في الظروف التي تقل فيها الموارد وتكثر فيها المطالب؛ لأن القائد فيها لا يستطيع أن يقول للناس: لا أملك شيئاً.
فالناس لا ينتخبون الظروف، وإنما ينتظرون من المسؤول أن يديرها.
وقد لا يستطيع المحافظ أن يوفر كل ما يحتاجه المجتمع، لكنه يستطيع أن يحدد ما هو عاجل، وما هو مهم، وما يمكن تأجيله، وما يحتاج إلى تدخل مركزي، وما يمكن إنجازه محلياً.
وهذه القدرة على ترتيب الأولويات هي من صميم الإدارة.
فليس النجاح أن تفعل كل شيء؛ فهذا مستحيل.
إنما النجاح أن تعرف ما الذي يجب أن يُفعل أولاً.
وهنا يعود أبو بكر حسين سالم إلى المشهد بوصفه رجل تجربة، لا رجل شعارات؛ رجل عاش في مساحة بين الممكن والمأمول، وكان عليه أن يتحرك في تلك المساحة دون أن يفقد الاتجاه.
ولذلك يمكن أن يقال في مدح تجربته:
كان يملك من الأدوات أقل مما تفرضه المسؤولية، لكنه كان يحاول أن يجعل من العقل أداة، ومن العلاقات جسراً، ومن الصبر مورداً، ومن الوقت حليفاً.
وهذه صفات لا تُشترى بالمال.
فقد تملك الدولة المال ولا تملك حسن الإدارة، وقد تملك المؤسسة الموارد ولا تملك الرؤية، وقد يملك المسؤول الصلاحية ولا يملك القدرة على تحويلها إلى أثر.
أما القائد الذي يعرف كيف يستثمر المحدود، فإنه يجعل الإمكان الصغير بدايةً لأثر كبير.
وهنا تتجلى قيمة الرجل الذي لم تكن مهمته أن يحكم محافظة مثالية، وإنما أن يتعامل مع أبين كما كانت، لا كما يتمنى أن تكون.
وهذا هو الفارق بين الحالم والقائد:
الحالم ينتظر الواقع الذي يناسب مشروعه،
أما القائد فيبني مشروعه داخل الواقع، ثم يحاول تغييره خطوة بعد خطوة.
ولذلك فإن تجربة أبي بكر حسين سالم تصلح أن تُقرأ من زاوية أخرى:
ليست قصة وفرة، وإنما قصة إدارة الندرة.
وليست قصة مجتمع بسيط، وإنما قصة إدارة مجتمع شديد التركيب.
وليست قصة أدوات مكتملة، وإنما قصة البحث عن الممكن داخل المحدود.
ومن هنا يكون الإطراء الأدبي في موضعه:
يا أبا بكر حسين سالم، ما كل من جلس على كرسيٍ صار قائداً، ولا كل من امتلك أمراً استطاع أن يدير أمراً؛ فبين السلطة والقيادة وادٍ لا يعبره إلا من امتلك بصيرة الرجال.
وقد يكون الكرسي مرتفعاً، لكن صاحبه يظل صغيراً إذا عجز عن حمل أعبائه؛ وقد يكون الكرسي بسيطاً، لكن الرجل الذي يجلس عليه يكبر به لأنه يعرف أن المنصب مسؤولية لا زينة.
وفي أبين، حيث تتشابك الجغرافيا بالتاريخ، والمجتمع بالعُرف، والقبيلة بالدولة، تصبح القيادة امتحاناً للعقل قبل أن تكون امتحاناً للسلطة.
ومن هذه الزاوية تبدو تجربة أبي بكر حسين سالم مدرسة في سؤال بالغ الأهمية:
كيف يدير القائد ما لا يستطيع تغييره فوراً، ويغير ما يستطيع تغييره، ويؤجل ما لا تسمح الإمكانات بإنجازه، دون أن يفقد مشروعه العام؟
ذلك هو فن المستحيل.
وذلك هو الفرق بين من يشكو قلة الأدوات، ومن يبحث داخل القليل عن أداة جديدة.
وفي نهاية هذا الفصل تبقى قاعدة القيادة الكبرى:
ليس القائد من يملك كل شيء، وإنما من يعرف كيف يجعل ما يملكه كافياً لبدء الطريق؛ وليس صاحب القيادة من ينتظر المستحيل، وإنما من يحول الممكن الصغير إلى واقعٍ أكبر.
وهكذا يصبح أبو بكر حسين سالم، في هذا الجانب من تجربته، مثالاً أدبياً لمعنى القائد الذي لم ينتظر أن تكتمل الإمكانات حتى يتحرك، بل تحرك بما لديه، وقرأ مجتمعه كما هو، وحاول أن يصنع من ضيق الموارد فسحةً للعمل، ومن صعوبة الواقع مجالاً للفطنة والتدبير
.
الفصل الرابع
قوة الفطنة والانتقال من القيادة العسكرية إلى الإدارة المدنية
إن الانتقال من الميدان العسكري إلى ميدان الإدارة المدنية ليس انتقالاً من كرسي إلى كرسي، ولا من رتبة إلى منصب؛ إنه انتقال من منطق الأوامر إلى منطق المؤسسات، ومن سرعة القرار العسكري إلى اتساع القرار الإداري، ومن مواجهة الخطر إلى إدارة المصالح، ومن قيادة الرجال إلى قيادة مجتمع كامل.
وفي هذا الانتقال تتجلى قيمة الفطنة أكثر من أي موضع آخر؛ لأن القائد العسكري قد يملك أمراً واضحاً وسلسلة قيادة محددة، أما المسؤول الإداري فيجد أمامه مجتمعاً متعدد المصالح، ومؤسسات متفاوتة القوة، واحتياجات متراكمة، وأطرافاً اجتماعية وسياسية، وموارد محدودة، ثم يُطلب منه أن يحافظ على الدولة وهي في أضعف حالاتها.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة أبي بكر حسين سالم باعتبارها تجربة انتقال من عقلية القيادة الميدانية إلى عقلية الإدارةخ المؤسسية.
فلم تكن المسألة أن يأتي رجل عسكري إلى مكتب إداري فحسب، وإنما أن يتعلم كيف يجعل من خبرته العسكرية أساساً للانضباط، دون أن يجعل الإدارة المدنية ثكنة عسكرية.
وهذه معادلة دقيقة.
فالجيش يقوم على التسلسل والانضباط والأوامر، أما الإدارة المدنية فتقوم على القانون، والمؤسسات، والتنسيق، والتشاور، وتوزيع الاختصاصات، وإدارة الاختلاف.
والقائد الذي لا يدرك الفرق بين المجالين قد يحمل أدوات الميدان إلى الإدارة، فيضيق بها المجتمع؛ أما القائد الفطن فيأخذ من العسكرية انضباطها، ومن الإدارة مرونتها، ومن السياسة حكمتها، ومن المجتمع معرفته بطبيعته.
وهنا يمكن أن نفهم أحد وجوه شخصية أبي بكر حسين سالم القيادية.
الفطنة في المحافظة على البناء المؤسسي
في الظروف الطبيعية تستطيع الدولة أن تعتمد على مؤسساتها القائمة؛ فكل مؤسسة تعرف اختصاصها، وكل جهاز يعرف حدود عمله، وكل مسؤول يجد أمامه جهازاً إدارياً متكاملاً.
أما عندما تضعف الدولة أو تتراجع قدرتها على الحضور، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تبدأ المؤسسات في السقوط واحدة بعد أخرى، وأن تحل العلاقات الشخصية محل القواعد، والقوة الاجتماعية محل القانون، وردود الأفعال محل التخطيط.
وفي مثل هذه البيئة تصبح المحافظة على المنظمة الأساسية لبناء الدولة مهمة بحد ذاتها.
وهنا تظهر الفطنة الإدارية.
فبدلاً من أن تُهدم البنية القائمة كلما تعقدت الظروف، تكون الحكمة في المحافظة على ما يمكن المحافظة عليه، وإعادة تنشيط ما يمكن تنشيطه، وإنشاء أدوات مساعدة لا تلغي المؤسسات الأصلية.
ومن هذا الباب تبرز فكرة المجالس الاستشارية والمجالس التنسيقية بوصفها أدوات يمكن أن تساعد المسؤول على توسيع دائرة الاستماع والتنسيق، وجمع الخبرات والفاعلين حول المشكلات العامة، بدلاً من ترك المسؤول وحيداً أمام مجتمع متعدد المصالح.
إن المجلس الاستشاري ليس بديلاً عن المؤسسة، والمجلس التنسيقي ليس بديلاً عن السلطة القانونية؛ وإنما قيمتهما ــ متى أُنشئا وفق اختصاص واضح ــ أنهما يضيفان إلى الإدارة أذناً تسمع، وعقلاً يستشير، وجسراً ينسق.
وهذه هي الإدارة حين تفكر بعقل الدولة.
فالدولة لا تبنى بالشخص الواحد، مهما بلغت قدرته، وإنما تبنى بالأنظمة التي تستمر بعد الأشخاص.
والقائد الذي يريد أن يخلد أثره لا ينبغي أن يجعل الناس متعلقين بشخصه، بل ينبغي أن يجعلهم متعلقين بالمؤسسة.
وهذه من أعمق قواعد القيادة:
اصنع مؤسسة تستطيع أن تعمل في غيابك، ولا تصنع مجتمعاً لا يستطيع العمل إلا بحضورك.
بين غياب الدولة وحضور فكرة الدولة
عندما تضعف مؤسسات الدولة، يصبح المسؤول أمام مفارقة صعبة:
كيف يحافظ على فكرة الدولة في وقت تتراجع فيه أدواتها؟
وهنا لا يكفي الخطاب.
فالدولة يجب أن تكون حاضرة في الأمن، وفي الإدارة، وفي الخدمات، وفي التنسيق، وفي احترام النظام العام.
ومن هذه الزاوية تظهر قيمة الإدارة في الظروف الاستثنائية.
فقد لا يستطيع المحافظ أن يعيد بناء الدولة كلها بقرار واحد، لكنه يستطيع أن يحافظ على الخيط الذي يمنع سقوطها الكامل.
والخيط قد يكون مجلساً يجمع المختصين، أو لجنة تنسق بين الأجهزة، أو لقاءً يجمع السلطات المحلية والقيادات الأمنية والشخصيات الاجتماعية، أو آليةً تمنع تضارب القرارات، أو ترتيباً يجعل المعلومة تصل إلى صاحب القرار في وقتها.
قد تبدو هذه الأمور بسيطة في ظاهرها، لكنها في أوقات الفراغ المؤسسي تصبح ذات قيمة كبيرة.
لأن الفوضى تبدأ غالباً من غياب التنسيق.
والتنسيق يبدأ من معرفة من يفعل ماذا.
وهنا يظهر أثر العقل الإداري.
أبو بكر حسين سالم... حين تتحول الخبرة العسكرية إلى حكمة إدارية
يمكن للقائد العسكري أن يتعلم من الميدان أن القرار المتأخر قد يكون أخطر من القرار الصعب.
لكن الإدارة تعلمه درساً آخر:
أن القرار الصحيح لا يصنعه القائد وحده، وإنما تصنعه المعلومة، والمشورة، والتنسيق، ومعرفة آثار القرار.
وإذا استطاع القائد أن يجمع بين الدرسين، فقد انتقل من مجرد القيادة إلى فن الإدارة.
وهنا يأتي الإطراء في موضعه:
أبو بكر حسين سالم رجلٌ حمل من الميدان صرامة الانضباط، ومن الحياة سعة التجربة، ومن المسؤولية ثقل الأمانة؛ فلم يجعل البزة العسكرية جداراً بينه وبين الإدارة، بل جعلها مدرسةً تعلم منها معنى النظام.
لم يدخل الإدارة بعقل رجل يريد أن يأمر الجميع، وإنما احتاج إلى أن يتعلم كيف يجعل الجميع يعملون ضمن منظومة واحدة.
وهذه منزلة أعلى.
فأن تأمر رجلاً أسهل من أن تقنع عشرة رجال بالعمل في اتجاه واحد.
وأن تصدر قراراً أسهل من أن تنسق بين مؤسسات متعددة.
وأن تفرض لحظة من الانضباط أسهل من أن تحافظ على استقرار طويل.
ومن هنا تتضح قيمة الفطنة الإدارية.
الأمن والاستقرار... ثمرة التنسيق
الأمن ليس بندقية فقط.
الأمن معلومة، وتنسيق، وقرار، ومؤسسة، وثقة، وعلاقة سليمة بين الأجهزة والمجتمع.
والاستقرار ليس مجرد غياب الاشتباك.
الاستقرار هو أن يشعر المجتمع أن هناك جهة مسؤولة، وأن هناك من يستمع، وأن هناك آلية للتعامل مع المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات.
ومن هذه الزاوية، فإن أي تجربة إدارية في بيئة مضطربة لا يمكن فهمها بمجرد عدد القرارات الصادرة؛ بل ينبغي النظر إلى قدرة الإدارة على منع المشكلات من التمدد، وجمع الأطراف حول الحلول، والحفاظ على الحد الأدنى من عمل المؤسسات.
وهنا تتجلى إحدى صور الحنكة المنسوبة إلى أبي بكر حسين سالم في تجربته الطويلة بأبين.
فالرجل الذي يأتي من المؤسسة العسكرية يعرف قيمة الأمن، لكنه حين يدخل الإدارة يحتاج إلى أن يفهم أن الأمن المستدام لا تصنعه القوة وحدها، بل تصنعه الإدارة الرشيدة للعلاقات والمصالح والخلافات.
وهذا انتقال ليس سهلاً.
عشر سنوات في امتحان الإدارة
وعلى امتداد نحو عقد من المسؤولية العامة في أبين، كما تصف ذلك المصادر والسيرة المتداولة عنه، واجه أبو بكر حسين سالم واقعاً لم يكن بسيطاً.
وكان عليه أن يتعامل مع محافظة ذات خصوصية اجتماعية، وأن يوازن بين مؤسسات الدولة ومكونات المجتمع، وأن يحافظ على قنوات الاتصال، وأن يعمل في ظروف لم تكن فيها الدولة في كامل قوتها.
وهنا لا يصبح بقاء المسؤول في المنصب هو وحده محل التأمل، بل كيفية استخدام السنوات الطويلة في بناء علاقة بين الإدارة والمجتمع.
فالزمن وحده لا يصنع الخبرة.
الخبرة تصنعها كثرة الاختبارات.
وكل أزمة تمر على القائد تترك في عقله درساً.
وكل خلاف يعلّمه شيئاً.
وكل نقص في الموارد يدفعه إلى ابتكار وسيلة.
وكل تجربة فاشلة تعلمه أين لا يضع قدمه مرة أخرى.
ولهذا فإن الرجل الذي يمضي سنوات طويلة في المسؤولية ويظل قادراً على إدارة شبكة واسعة من العلاقات والملفات، يكون قد جمع رصيداً من الخبرة لا تمنحه الكتب وحدها.
دعاء الرجل... وفطنة المسؤول
وفي التجربة الإنسانية، قد يملك القائد أسباباً مادية محدودة، لكنه يستمد من الإيمان والدعاء قوةً نفسية تعينه على احتمال المسؤولية.
فالدعاء لا يغني عن التخطيط، والفطنة لا تغني عن الأخذ بالأسباب، والقائد الناجح يجمع بين الاثنين:
يتوكل ولا يتواكل، ويدعو ولا يهمل، ويخطط ولا يغتر بخطته.
وهذه الثنائية تمنح المسؤول قدرة على مواجهة الأيام الثقيلة دون أن يفقد توازنه.
فحين تضيق الإمكانات، يحتاج الإنسان إلى صبر.
وحين تتعدد الضغوط، يحتاج إلى سكينة.
وحين تتعارض المصالح، يحتاج إلى بصيرة.
وحين يكون القرار ثقيلاً، يحتاج إلى ضمير.
وهذه كلها أجزاء من شخصية القائد.
القيادة التي لا تهدم ما تبني
ومن أجمل معاني القيادة أن يعرف الرجل ما الذي ينبغي أن يغيّره، وما الذي ينبغي أن يحافظ عليه.
فليس كل قديم فاسداً، وليس كل جديد صالحاً.
وليس كل مؤسسة تحتاج إلى هدم، بل قد تحتاج إلى إصلاح.
وليس كل اختلاف يحتاج إلى مواجهة، فقد يحتاج إلى تنسيق.
وليس كل ضعف يحتاج إلى إلغاء، فقد يحتاج إلى إعادة تنظيم.
وهنا تبرز الحكمة.
إن المحافظة على الأطر الأساسية للدولة، مع تطوير أدوات التنسيق والاستشارة، تعني أن القائد لا يبدأ من الصفر في كل أزمة.
إنه يبني فوق الموجود.
يصلح ولا يهدم.
يطور ولا يقتلع.
يستوعب ولا يلغي.
وهذه عقلية المؤسسات.
ومن هنا يمكن أن يقال في أبي بكر حسين سالم:
لم تكن قيمة الرجل في أنه عرف كيف يقود الرجال بالسلاح، فذلك باب من أبواب القيادة؛ وإنما القيمة الأعمق أن يعرف كيف يقود مجتمعاً حين يصبح السلاح عاجزاً عن حل كل شيء.
فالعسكري فيه علّمه الانضباط، والإداري فيه علّمه الصبر، والسياسي فيه علّمه التوازن، والإنسان فيه علّمه الاقتراب من الناس.
وإذا اجتمعت هذه الخصال في رجل واحد، أصبح قادراً على الانتقال من قيادة الوحدة إلى قيادة المجتمع دون أن ينسى أن المجتمع ليس وحدة عسكرية، وأن المواطن ليس جندياً، وأن الإدارة ليست ساحة أوامر.
خاتمة الفصل
إن تجربة أبي بكر حسين سالم، في هذا الجانب، تفتح باباً واسعاً لفهم القيادة في أوقات ضعف المؤسسات:
أن تحافظ على الدولة حين تضعف أدواتها، وأن تبني جسور التنسيق حين تتعدد مراكز التأثير، وأن تستشير حين يضيق القرار الفردي، وأن تستخدم خبرتك العسكرية دون أن تجعل الإدارة عسكرية، وأن تحفظ هيبة الدولة دون أن تعزلها عن المجتمع.
وهنا يبلغ الإطراء مداه:
يا أبا بكر حسين سالم، لست في هذه القراءة رجل رتبةٍ ومنصب فحسب؛ بل صورة لرجل انتقل من صرامة الميدان إلى رحابة الإدارة، وحمل معه انضباط الجندي إلى مكتب المسؤول، ثم حاول أن يفتح للمكتب أبواباً على المجتمع.
إن كان السلاح يحمي حدوداً، فإن الحكمة تحمي مجتمعات؛ وإن كان الجندي يحرس موقعاً، فإن الإداري يحرس توازن حياة كاملة.
وهكذا تكون الفطنة حين تصير قيادة، ويكون الدعاء حين يقترن بالأخذ بالأسباب، وتكون المسؤولية حين يحملها رجل لا يرى في المنصب علوّاً على الناس، بل حملاً ثقيلاً على كتفيه.
فالقائد الكبير ليس من يملأ المكان بحضوره، وإنما من يترك وراءه نظاماً يستطيع المكان أن يستمر به بعد غيابه
:
الفصل الرابع
قوة الإقناع وسرعة الإنجاز
تبلغ القيادة ذروة نضجها حين يستطيع القائد أن يحل ما كان يمكن أن يتحول إلى صراع، وأن يجعل الكلمة تسبق الرصاصة، والحجة تسبق القوة، والعقل يفتح باباً كان العنف سيغلقه.
وفي هذا الباب تبرز في تجربة أبو بكر حسين سالم خاصية جديرة بالتأمل: قوة الإقناع المقترنة بسرعة الإنجاز.
فبحسب الصورة التي ترسمها الشهادات والانطباعات المتداولة عن تجربته في أبين، فقد عمل في بيئة أمنية واجتماعية شديدة التعقيد، تتداخل فيها القوى المحلية والمليشيات والصراعات، ومع ذلك كان يميل إلى معالجة كثير من القضايا عبر التواصل والإقناع واحتواء الخلاف قبل أن يتحول إلى مواجهة.
ولا ينبغي فهم ذلك على أنه غياب للصراع أو أن المحافظة لم تشهد حوادث أمنية خلال تلك السنوات؛ وإنما المقصود إبراز الأسلوب القيادي في معالجة النزاعات المحلية ومحاولة منعها من التحول إلى اقتتال أوسع.
حين تكون الكلمة أقوى من السلاح
هناك رجال إذا تحدثوا أنصت الناس لأنهم أصحاب منصب، وهناك رجال ينصت لهم الناس لأنهم أصحاب حجة وتجربة وحضور.
والفرق بين الاثنين عظيم.
فصاحب المنصب يستطيع أن يصدر أمراً، لكن صاحب الإقناع يستطيع أن يجعل الطرف الآخر يقتنع بأن تنفيذ الحل خير له من استمرار الخلاف.
وهنا تظهر عبقرية الإقناع.
إن إقناع المتخاصمين أصعب من إصدار أمر إليهم.
وإقناع القوى المسلحة بوقف نزاعها أصعب من إعلان موقف سياسي.
وإقناع المختلفين بأن القانون يمكن أن يكون مظلة مشتركة أصعب من رفع شعار القانون.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة شخصية أبي بكر حسين سالم باعتبارها شخصية استطاعت، في عدد من المواقف، أن تستخدم الحوار والتواصل والعلاقات الشخصية أداةً لمعالجة الخلافات.
فهو لا يدخل إلى المشكلة باعتبارها معركة يجب أن ينتصر فيها طرف ويهزم طرفاً آخر، وإنما يحاول أن يحولها إلى مسألة يمكن أن يخرج منها الجميع بأقل قدر من الخسائر.
وهذه هي السياسة في أرقى صورها:
أن تجعل الخصم يخرج من الحل محتفظاً بكرامته، دون أن يخرج القانون خاسراً.
بين المليشيا والدولة
كان المشهد أكثر تعقيداً حين تكون الأطراف المتنازعة مسلحة، وتكون موازين القوة على الأرض متغيرة، بينما تستند السلطة المحلية من الناحية القانونية إلى الشرعية الدستورية والقانونية للجمهورية اليمنية.
وهنا تظهر معادلة شديدة الحساسية:
كيف تتعامل مع قوى الأمر الواقع دون أن تمنحها شرعية بديلة عن الدولة؟
وكيف تحافظ على القانون دون أن تدفع المجتمع إلى مواجهة مفتوحة؟
وكيف تستفيد من نفوذ الشخصيات الاجتماعية والعسكرية في تهدئة النزاع، دون أن تجعل المؤسسات الرسمية رهينة لذلك النفوذ؟
إن الإجابة ليست في المواجهة الدائمة، ولا في الاستسلام الدائم.
بل في الاحتواء المنضبط.
فالقائد السياسي يستطيع أن يتحدث مع الجميع، وأن يستمع إلى الجميع، وأن يبحث عن الحل مع الجميع، دون أن يتنازل عن المرجعية القانونية التي يستند إليها.
وهنا تحديداً تظهر براعة أبي بكر حسين سالم في الصورة التي تصفها هذه التجربة.
كان يستطيع أن يفتح باب الحديث مع أطراف مختلفة، وأن يتعامل مع الواقع كما هو، لكنه في الوقت ذاته يتحرك من موقع المسؤول الرسمي، لا من موقع قائد فصيل.
وهذه مسافة دقيقة للغاية.
أن تفاوض الواقع دون أن تتنازل عن الدولة.
سرعة الإنجاز
أما الخاصية الثانية فهي سرعة الإنجاز.
فالقيادة لا تكتمل بالإقناع وحده؛ لأن الإقناع الذي لا ينتج قراراً يتحول إلى حديث، والقرار الذي لا ينفذ يتحول إلى ورقة.
ومن هنا فإن الجمع بين الإقناع وسرعة الإنجاز يصنع تأثيراً مضاعفاً.
فإذا استطاع المسؤول أن يقنع الأطراف بالحل، ثم انتقل سريعاً إلى تنفيذه، شعر الناس أن الحوار ليس مجرد تسكين للمشكلة، وإنما طريق إلى نتيجة.
وهذا يخلق الثقة.
والثقة بدورها تجعل الحوار التالي أسهل.
وهكذا تتكون دائرة القيادة:
إقناع → اتفاق → تنفيذ → ثقة → إقناع جديد.
وهذه من أقوى الأدوات في إدارة المجتمعات المضطربة.
القائد الذي يمنع الدم قبل أن يسفك
ومن أجمل ما يمكن أن يقال في القيادة أن القائد الحقيقي ليس من ينتصر بعد وقوع الدم، وإنما من يستطيع أن يمنع الدم قبل وقوعه.
فبعد الاشتباك يستطيع كثيرون أن يتحدثوا عن الحل.
أما قبل الاشتباك، حين تكون النفوس محتقنة والسلاح قريباً والقرار لحظة واحدة، فهناك فقط تظهر قيمة الرجل الذي يستطيع أن يقول كلمة توقف النار.
وهذا هو فن الوساطة القيادية.
ليس ضعفاً أن تمنع المواجهة.
وليس جبناً أن تفتح باب الحوار.
بل قد يكون أصعب قرار هو أن تختار السلام في اللحظة التي يطالب فيها الجميع بالمواجهة.
ومن هنا تأتي قيمة أبي بكر حسين سالم في هذه الخاصية:
رجل يحاول أن يجعل الكلمة طريقاً إلى الأمن، لا أن يجعل الأمن طريقاً إلى إسكات الكلمة.
أبو بكر حسين سالم... رجل الحوار الصعب
في أوقات الاستقرار يكون الإقناع فضيلة.
أما في أوقات الانقسام، فيصبح الإقناع مهارة قيادية نادرة.
فالمجتمع المنقسم لا يحتاج إلى مسؤول يزيد الانقسام، وإنما يحتاج إلى رجل يستطيع أن يرى المشهد من أكثر من زاوية.
وهذا يتطلب فطنة في فهم الشخصيات، وصبراً على سماع المواقف، وقدرة على معرفة النقطة التي يمكن أن يلتقي عندها المختلفون.
والأجمل أن يتحول هذا الإقناع إلى فعل.
وهنا يمكن أن نقول في أبي بكر حسين سالم، بأسلوب أدبي:
كان يدخل إلى القضية وهي مشتعلة، فيبحث عن موضع يمكن أن تطفئ فيه الكلمة شرارة الغضب؛ لا يحمل إلى المتخاصمين ناراً جديدة، وإنما يبحث لهم عن باب يخرجون منه دون أن يسقط أحدهم مكسوراً.
وكان يعرف أن الرجال قد يرفضون أمراً، لكنهم قد يقبلون حلاً إذا شعروا أن كرامتهم محفوظة وأن الدولة لم تأتِ لإذلالهم، وإنما جاءت لتضع حداً للفوضى.
قوة الدولة في القانون لا في الصدام
وهنا ينبغي التأكيد على مسألة جوهرية:
الإقناع لا يعني التخلي عن القانون.
والتفاوض لا يعني الاعتراف بشرعية السلاح.
والتواصل مع القوى الموجودة على الأرض لا يعني أن تصبح تلك القوى بديلاً عن مؤسسات الدولة.
بل يمكن أن يكون التواصل أداة لحماية الدولة، متى ظل القانون والشرعية الدستورية هما المرجعية النهائية.
وهذا هو الفارق بين رجل يدير الواقع ورجل يستسلم له.
الأول يتعامل مع الواقع كي يغيره تدريجياً.
والثاني يجعل الواقع هو الذي يحدد له قواعد الحكم.
ومن هنا تظهر أهمية الجمع بين الواقعية السياسية والمرجعية القانونية.
الإطراء في موضعه
إن من أروع ما يمكن أن يقال في رجل استطاع أن يجعل الإقناع جزءاً من أدوات قيادته:
يا أبا بكر حسين سالم، ما أعظم أن تكون لك سلطة الأمر، ثم تختار قبل الأمر قوة الإقناع؛ وأن يكون بيدك القرار، ثم تبحث أولاً عن الكلمة التي تمنع الحاجة إلى القرار.
ما أعظم أن تدخل بين المختلفين لا لتزيدهم اختلافاً، بل لتبحث عن المسافة التي يستطيعون عندها أن يلتقوا.
وما أبلغ القيادة حين يتحول صاحب المنصب من رجل ينتظر المشكلة حتى تقع، إلى رجل يحاول أن يسبقها بخطوة.
إن سرعة الإنجاز عند القائد ليست مجرد سرعة في الحركة؛ إنها سرعة في التقاط اللحظة المناسبة.
فبعض المشكلات إذا عولجت في يومها انتهت بكلمة، وإذا تأخرت شهراً أصبحت أزمة، وإذا تأخرت أكثر تحولت إلى قضية يصعب حلها.
ولهذا فإن سرعة القرار، حين تقترن بالحكمة، تصبح نوعاً من الوقاية.
خاتمة الفصل
يمكن اختصار هذه الخاصية القيادية في معادلة واحدة:
الإقناع يمنع الصدام، وسرعة الإنجاز تمنع تراكم المشكلة، والقانون يمنع تحول الحل إلى فوضى جديدة.
وهذه ثلاثية بالغة الأهمية في إدارة المجتمعات المضطربة.
وفي صورة أبي بكر حسين سالم التي ترسمها هذه التجربة، تبرز شخصية قائد حاول أن يستخدم الحوار حيث يمكن للحوار أن يحقق الغاية، والحزم حيث يكون الحزم ضرورياً، والقانون بوصفه المرجعية التي تحفظ للدولة معناها.
وهنا تبلغ العبارة الأدبية مداها:
ليس أعظم القادة من يملك القدرة على إشعال المعركة، بل من يملك القدرة على منعها.
وليس أكثرهم قوة من يرفع صوته فوق الجميع، بل من يستطيع أن يجعل المختلفين يسمعون بعضهم بعضاً.
وليس أسرعهم إنجازاً من يصدر القرار أولاً، وإنما من يعرف القرار الذي يجب أن يصدر، واللحظة التي يجب أن يصدر فيها، والطريق الذي يجعل القرار واقعاً.
وهذه، في جوهرها، إحدى صور القيادة التي يمكن أن تُقرأ في تجربة أبو بكر حسين سالم:
قوة إقناع تُطفئ شرارة، وفطنة تقرأ الموقف قبل انفجاره، وسرعة إنجاز تحول الاتفاق إلى واقع، ومرجعية قانونية تحفظ للدولة مكانها وسط تعقيدات الواقع.
الفصل الخامس
دهاء التماشي مع الواقع الأمني في إطار الشرعية
من أدق مسائل القيادة أن يعرف المسؤول كيف يتعامل مع واقع لا يملك تغييره دفعة واحدة، من غير أن يتخلى عن المرجعية التي يمثلها. وهذه المساحة تحتاج إلى عقل سياسي هادئ، لا يخلط بين التعامل مع الواقع وبين منحه شرعية قانونية.
وتظهر في تجربة أبو بكر حسين سالم في أبين صورة لهذا النوع من القيادة؛ فقد وجد نفسه أمام تعدد في التشكيلات والقوى الأمنية والعسكرية، بعضها مرتبط بالشرعية، وبعضها بقوى سياسية وعسكرية أخرى، ومع ذلك كان عليه أن يؤدي وظيفة المحافظ ورئيس اللجنة الأمنية وأن يحافظ على قدر من الأمن والاستقرار.
وتؤكد وقائع منشورة أن المحافظة شهدت تنسيقاً بين قوات محسوبة على الشرعية وقيادات الحزام الأمني التابع للمجلس الانتقالي، بحضور المحافظ، بهدف توحيد الجهود الأمنية ومواجهة التهديدات الإرهابية. كما تظهر بيانات رسمية ومحلية متتابعة أن خطاب أبي بكر حسين سالم كان يؤكد هيبة الدولة وسيادة النظام والقانون والشرعية الدستورية، مع العمل في الوقت نفسه مع القوى الموجودة فعلياً على الأرض.
وهنا تكمن المسألة التي تستحق الدراسة:
كيف يتعامل رجل الدولة مع قوة لا تنتمي بالكامل إلى البناء المؤسسي الذي يريد ترسيخه، لكنه يحتاج في الوقت ذاته إلى التعامل معها لحماية المجتمع؟
إنها ليست معادلة سهلة.
الواقعية دون التنازل عن المرجعية
كان بإمكان المسؤول أن يتخذ موقفاً مثالياً من الواقع، فيرفض التعامل مع كل قوة لا تنسجم معه، لكن النتيجة العملية قد تكون ترك فراغ أمني لا يستطيع وحده ملأه.
وكان بإمكانه، في المقابل، أن يذهب إلى الطرف الآخر، فيتعامل مع تلك القوى باعتبارها بديلاً عن مؤسسات الدولة.
أما الطريق الثالث فهو الأكثر تعقيداً:
التعامل مع القوة الموجودة باعتبارها واقعاً أمنياً، مع إبقاء المرجعية القانونية للدولة قائمة.
وهذا هو الفارق بين إدارة الواقع والاستسلام للواقع.
فالسياسي الحاذق قد يضطر إلى الجلوس مع خصمه، لكنه لا يصبح خصماً لدولته.
وقد يتعاون مع قوة قائمة على الأرض في قضية أمنية محددة، دون أن يعني ذلك أنه سلّم لها بالمرجعية السياسية أو القانونية.
وقد يستفيد من إمكاناتها في حفظ الأمن، بينما يعمل في الوقت ذاته على توحيد الجهود تحت مظلة الدولة.
وهذه تحتاج إلى قدر كبير من ضبط الحدود.
«أخذ المنفعة دون إسقاط المبدأ»
يمكن صياغة جوهر هذه التجربة في قاعدة سياسية وإدارية:
أن تنتفع من الإمكان الموجود في الواقع، دون أن تجعل الواقع هو الذي يحدد مبدأك.
وهذا ليس ترخيصاً للمحظور، ولا دعوة إلى تجاوز القانون؛ بل هو وصف لفن إدارة ظرف استثنائي، حيث تكون الأدوات الفعلية على الأرض أكثر تعدداً من البناء القانوني والمؤسسي.
والذكاء هنا أن يميز القائد بين ثلاثة أمور:
القوة الموجودة فعلياً.
السلطة التي يمنحها القانون.
المصلحة العامة التي ينبغي حمايتها.
فإذا خلط بينها ضاعت الدولة.
أما إذا فصل بينها، استطاع أن يتعامل مع الواقع بعقل بارد.
وهنا تظهر عبقرية الإدارة السياسية حين تكون في خدمة الاستقرار.
أبو بكر حسين سالم... عقل الدولة في أرض متعددة القوى
في هذه النقطة تحديداً يمكن أن نفهم جانباً من شخصية أبي بكر حسين سالم.
فهو لم يكن مسؤولاً عن محافظة هادئة تخضع فيها جميع القوى لسلسلة قيادة واحدة؛ بل كان يعمل في بيئة أمنية شديدة التعقيد، ولذلك أصبح التنسيق بين الأطراف المختلفة جزءاً من العمل اليومي.
وقد ظهر ذلك بوضوح في اللقاء الذي جمع في يونيو 2022 قيادات من قوات الشرعية وقيادات الحزام الأمني في أبين بحضور المحافظ، حيث نوقشت عملية التنسيق الأمني المشترك والتصدي لتنظيم القاعدة، مع التأكيد على هدف حفظ أمن المحافظة واستقرارها.
وهذا المشهد وحده يقدم درساً في القيادة:
قد تختلف القوى في السياسة، لكنها تستطيع أن تلتقي في مصلحة أمنية مشتركة.
والقائد الفطن هو الذي يبحث عن مساحة الالتقاء دون أن يمحو مساحة الاختلاف.
فليس مطلوباً منه أن يجعل الجميع نسخة واحدة من بعضهم، وإنما أن يمنع اختلافهم من تحويل المحافظة إلى ساحة مفتوحة للصراع.
الدهاء السياسي ليس مراوغة
والدهاء الذي يستحق المدح هنا ليس دهاء الخداع، وإنما دهاء قراءة المصالح وموازين القوى.
أن تعرف ماذا تستطيع أن تطلب.
ومتى تطلبه.
ومن أي طرف.
وكيف تجعل التعاون ممكناً.
وأين تضع الحد الذي لا يجوز تجاوزه.
وهذه ملكة لا تكفي فيها الشجاعة وحدها.
فالشجاع قد يدخل المعركة، أما الفطن فيسأل أولاً: هل هناك معركة يمكن تجنبها؟
والقائد المندفع يرى القوة التي أمامه، أما القائد العميق فيرى القوة التي وراءها، والمصلحة التي تحركها، والنتيجة التي يمكن أن تترتب على مواجهتها أو استيعابها.
ومن هنا يأتي الإطراء:
أبو بكر حسين سالم لم يكن يتعامل مع أبين بعقلية الأبيض والأسود في زمن كان الواقع نفسه مليئاً بالألوان المتداخلة؛ كان يقرأ المشهد كما هو، ثم يبحث داخله عن المساحة التي يمكن أن تخدم الدولة والمواطن.
بين الشرعية والواقع
ومن المهم ألا تختلط المصطلحات.
فالقول إن المسؤول تعامل مع قوة موجودة على الأرض لا يعني أن تلك القوة أصبحت، بمجرد التعامل معها، مؤسسة رسمية أو صاحبة شرعية دستورية.
بل إن التعامل العملي شيء، والاعتراف القانوني شيء آخر.
وقد حافظ أبو بكر حسين سالم في خطابه الرسمي على التأكيد على الشرعية الدستورية والنظام والقانون وهيبة الدولة، وهو ما يظهر في تصريحات رسمية له منذ بداية توليه المسؤولية.
ومن هنا فإن جوهر التجربة ــ في قراءتها السياسية ــ هو محاولة الجمع بين:
شرعية قانونية ثابتة + واقع أمني متعدد القوى + ضرورة عملية لحماية المجتمع.
وهذه ثلاثية شديدة الصعوبة.
العبقرية في معرفة حدود الممكن
ليست العبقرية أن تتحدى كل شيء.
وليست العبقرية أن تقبل كل شيء.
إنما العبقرية أن تعرف ما الذي يمكن تغييره الآن، وما الذي يحتاج إلى وقت، وما الذي يجب احتواؤه، وما الذي يجب رفضه، وما الذي لا يجوز المساس به أصلاً.
وهذه القدرة هي التي تجعل القائد يتقدم خطوة دون أن يهدم الجسر الذي يقف عليه.
وفي هذا يمكن أن يُقال عن أبي بكر حسين سالم:
كان يمشي فوق أرض سياسية وعسكرية متحركة، ومع ذلك كان عليه أن يحافظ على توازن الدولة؛ فلا يقطع كل الخيوط فيسقط الأمن، ولا يسلّم كل الخيوط فيسقط القرار.
يمسك بخيط القانون بيد، وبخيط الواقع باليد الأخرى، ويحاول أن يمنع كليهما من الانقطاع.
وهذه صورة أدبية تختصر كثيراً من فن القيادة.
القوة حين تصبح أداة لا غاية
والقائد الذي يملك الفطنة لا يعشق القوة لذاتها.
إنما يرى القوة أداة لحماية المجتمع.
ولهذا كان التعاون بين مختلف التشكيلات الأمنية والعسكرية، في بعض المراحل، موجهاً إلى مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن والاستقرار، وفق ما أوردته التقارير الرسمية والمحلية.
وهنا تظهر قيمة أخرى في التجربة:
أن تجعل الغاية أعلى من التشكيل، وأن تجعل أمن المواطن أعلى من اسم القوة التي تؤديه.
فالمواطن لا يعنيه كثيراً اسم القوة بقدر ما يعنيه أن يأمن على نفسه وماله وطريقه وأسرته.
لكن ذلك كله ينبغي أن يكون ضمن مشروع طويل الأمد يعيد القوة الأمنية إلى مؤسسات الدولة والقانون، حتى لا يصبح الاستثناء قاعدة دائمة.
الإطراء السياسي والعقلاني
ويمكن أن يقال في أبي بكر حسين سالم، بأسلوب يليق بهذه الخاصية:
يا أبا بكر حسين سالم، لقد أُعطيت من الواقع أصعب مسائله: قوى متعددة، ومصالح متشابكة، ومؤسسات أنهكتها الحرب، ومجتمع يريد الأمن قبل أن يسأل عن تفاصيل السياسة؛ فلم تجعل التعقيد ذريعة للعجز، ولم تجعل القوة بديلاً عن الدولة، بل حاولت أن تجعل من الواقع جسراً تعبر عليه الدولة نحو الاستقرار.
لم تكن مهمتك أن تجعل كل المختلفين متفقين؛ فتلك أمنية لا يصنعها حاكم، وإنما كانت مهمتك أن تمنع اختلافهم من أن يتحول إلى نار تأكل المحافظة.
ولم يكن ذكاؤك في أن ترى القوة فقط، بل في أن ترى ما وراء القوة؛ من يحركها، وما الذي تريده، وما الذي يمكن أن تلتقي فيه مع الدولة، وأين ينبغي أن يتوقف التوافق حتى لا يتحول إلى تنازل عن المبدأ.
وهذه ليست سياسة رجل يطارد المجد، بل سياسة رجل يعرف أن المحافظة لا تحتمل أن يدفع المواطن ثمن كل خلاف سياسي.
الخاتمة
إن أهم درس في هذا الفصل أن الواقعية السياسية لا تعني التخلي عن الشرعية، كما أن التمسك بالشرعية لا يعني تجاهل الواقع.
وبينهما يقف القائد الفطن.
يتعامل مع القوى الموجودة، لكنه لا يخلط بينها وبين مؤسسات الدولة.
يبحث عن التعاون، لكنه لا يمحو الاختلاف.
يستفيد من الإمكانات المتاحة، لكنه لا يجعلها مصدراً بديلاً للشرعية.
يحافظ على الأمن اليوم، ويعمل ــ قدر المستطاع ــ على بناء مؤسسات تستطيع أن تحافظ عليه غداً.
وهنا تبلغ العبارة الأدبية مداها:
إن براعة أبي بكر حسين سالم، في هذه القراءة، لم تكن في امتلاك رقعة سياسية صافية، بل في قدرته على الحركة فوق رقعة معقدة دون أن يفقد البوصلة؛ يأخذ من الواقع ما يخدم الناس، ويترك ما يهدم الدولة، ويجعل القانون سقفاً فوق الجميع.
*تلك هي حنكة القائد حين لا يملك رفاهية الظروف المثالية: أن يمسك المستحيل من طرفه الممكن، وأن يستخرج من تعقيد الواقع طريقاً إلى الاستقرار، دون أن ينسى أن الدولة في النهاية ليست قوةً مسلحة، وإنما قانون ومؤسسة وحق ومواطن.*
