هيكل واليمن.. عندما تعيد الوقائع كتابة التنبؤات (2)
عمر الحار
ربما غابت عن مخيلة الكاتب الكبير، محمد حسنين هيكل، توصيف معركة الشعب اليمني مع الاماميين الجدد، لا مع المملكة العربية السعودية، التي هبت عن بكرة ابيها لانقاذهم من الانقلاب، ومساعدتهم على استعادة الدولة و النظام.
فهناك تعسف فكري في اسقاط أطروحة هيكل عن الحرب في اليمن تتطلب اعادة قراءتها من جديد، لا الاخذ المطلق بها، او الاستسلام القسري باغلاق فوهات البنادق والعقول للقبول بتحقيقها.
ولهذا فإن السؤال عن «هزيمة السعودية في اليمن» يحتاج قبل إطلاقه إلى تحديد معنى الهزيمة نفسها.
هل هي الهزيمة العسكرية؟
أم عدم تحقيق كل الأهداف السياسية؟
أم طول أمد الحرب؟
أم الكلفة الإنسانية والسياسية؟
أم عدم قدرة أي طرف على فرض تسوية نهائية؟
ام غياب قراءة ملامح المشروع الدولي في الحرب اليمنية، عن ذهنية الاستاذ هيكل؟
هذه أسئلة مختلفة، وإجاباتها ليست واحدة.
ثم هناك عامل آخر لا يجوز إغفاله في قراءة الموقف الشعبي اليمني.
فاليمنيون ليسوا كتلة سياسية واحدة، ولم يكن موقفهم من المملكة أو من الحوثيين موحدًا. لكن وجود قطاعات واسعة من اليمنيين التي رأت في التدخل السعودي إسنادًا لمعركة استعادة الدولة ومواجهة مشروع الحوثيين، يجعل من الصعب اختزال الموقف اليمني في صورة شعب يقف في مواجهة المملكة.
وهنا تبرز مفارقة تاريخية تستحق التأمل.
فكما وقفت مصر عبد الناصر في ستينيات القرن الماضي إلى جانب الثورة اليمنية في مواجهة الإمامة والاستعمار، فإن قطاعات يمنية واسعة في المرحلة الحديثة رأت في التحرك العربي بقيادة المملكة سندًا لمواجهة عودة مشروع الإمامة في ثوب جديد.
وبين التجربتين مسافة زمنية هائلة، لكن هناك سؤالًا واحدًا يطل من خلفهما:
ماذا يحدث عندما يتحول اليمن من قضية وطنية الى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الاقليمية؟
لقد علّمنا هيكل أن الصحفي لا ينبغي أن يكتفي بما يظهر على سطح الأحداث، وأن السياسة لا تُقرأ من بياناتها الرسمية وحدها، بل لابد من اقحام العقل فيما بين السطور، والمشاركة في استخراج النتائج، او الاستدال عليها.
واليوم ربما حان الوقت لأن نطبق هذه القاعدة على هيكل نفسه.
نقرأه، ونختلف معه، ونراجع استنتاجاته، ونضعها أمام ما جاءت به السنوات التالية.
فالكاتب الكبير ليس من يملك دائمًا الإجابة الأخيرة، وإنما من يفتح للأجيال باب السؤال.
وهيكل فتح أبوابًا كثيرة.
لكن اليمن، على ما يبدو، ظل واحدًا من أكثر أبوابه التباسًا.
وربما لم تكن المشكلة في أن هيكل أخطأ حين قرأ مستقبل الحرب في اليمن الذي ظل يتغير اسرع من قدرة اي قراءة واحدة على الاحاطة بكل تناقضاته.
وهنا يصبح الدرس الأهم من تجربة هيكل هي كيف نمتلك الشجاعة الكافية لنختلف مع قراءته عندما تفرض الوقائع قراءة جديدة لها.
فالتاريخ لايحاكم الافكار بقدم طرحها، وانما بما تكشفه الايام من حقائقها.