مأساة اليمن و فوضى الاستراتيجيات والموت المجاني - من المستفيد ؟.باسم المذحجي



اليمن كحالة فريدة في الفشل المُدار.

اليمن لم يعد دولة فاشلة بالمعنى التقليدي في أدبيات مؤشر الدول الهشة Fragile States Index .. اليمن تحول إلى "نموذج للفشل المُدار" .. فوضى استراتيجيات تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية، ويُدار فيها عدم الاستقرار كأداة سياسية واقتصادية .. أداة تبيع السلاح، وتؤجر الحماية، وتمنع قيام تحالفات إقليمية كبرى.

السؤال المركزي ليس: هل اليمن دولة فاشلة؟ .. بل: من المستفيد من إبقاء اليمن في هذه المنطقة الرمادية بين الدولة واللادولة؟

لفهم مصير اليمن، لا نعتمد التخمين، بل نعتمد منهجًا استشرافياً من أربع مراحل:

1. مرحلة المسح البيئي Horizon Scanning - نموذج STEEP:

- المسار الاجتماعي Social: اليمن يملك طفرة شبابية خطيرة .. 70% من السكان تحت 30 سنة .. مع انهيار التعليم والصحة منذ 2015 .. هجرة داخلية وخارجية .. تحول 90% من سكان اليمن خصوصًا الحجرية وتعز والوسط والجنوب والمناطق الحيوية إلى مهجر في الخليج ومصر وأمريكا وأوروبا .. هذا ليس نزوحًا، هذا تفريغ للعقل اليمني.

- المسار التكنولوجي Technological: بينما العالم يتجه للذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، اليمن يُعاد إلى ثقافة الموت .. جيل 17 سنة اليوم بلا مهارات لغوية أو علمية .. صفر تعليم .. يُعبأ أيديولوجيًا ليكون صاروخًا بشريًا رخيصًا.

- المسار الاقتصادي Economic: اقتصاد منهار، عملة منقسمة، موارد معطلة، باب المندب الذي كان يمكن أن يكون" سنغافورة العرب" يتحول إلى نقطة ابتزاز .. الموت المجاني يعبر عن غياب القيمة للحياة البشرية في اقتصاد حرب.وضع تحتها خطين.


- المسار البيئي Environmental: شح المياه، أمن غذائي منهار، تغير مناخي يضرب الزراعة .. عوامل تزيد من قابلية التجنيد الرخيص.

- المسار السياسي Political: غياب توافق وطني منذ عقود، تصارع مراكز النفوذ القبلية والعسكرية والحزبية، هشاشة مؤسسات الدولة، وولاءات ضيقة بدل دولة.

2. تحليل الدوافع والموانع Drivers & Inhibitors:

- محركات التغيير: الطفرة الشبابية، موقع باب المندب الاستراتيجي - 12% من تجارة العالم - وجود حاضنة شعبية 90% رافضة للمشروع الطائفي في مثلث ذوباب - الحجرية - المضاربة...الخ.

- الكوابح Inhibitors: البيروقراطية، المساعدات الخارجية المستمرة التي تبقي الفشل حيًا، فوضى الاستراتيجيات الإقليمية التي تخدم الحوثي بشكل غير قصدي عبر استنزاف الجبهة الوطنية في صراعات جانبية.

3. بناء السيناريوهات الأربعة Scenario Planning:

- السيناريو المتفائل - النمو والازدهار: تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك 1950، إنشاء مقاطعة عربية خاصة مغلقة في ذوباب - ميون - ذوباب- الصبيحة- الحجرية، تحويل باب المندب من نقطة ابتزاز إلى أول ميناء أخضر ومركز خدمات لوجيستية عالمي.

- السيناريو المرجعي - استمرار الوضع الراهن: بقاء اليمن مقسمًا إلى مناطق نفوذ، تشكيلات مسلحة لا تخضع لسلطة مركزية، جيش وطني غائب، استنزاف الجهود في صراعات جانبية تخدم تمدد الحوثي.

- السيناريو التشاؤمي - التراجع والتفكك: انهيار اقتصادي كامل، اضطراب الملاحة الدولية في باب المندب، تحول اليمن إلى ورقة ضغط إقليمية مرتبطة بصراعات الطاقة.


- سيناريو البجعة السوداء Black Swan: حدث مفاجئ يغير المجرى - هجوم منظم على سفينة حاويات عملاقة في باب المندب يرفع تأمينات لويدز 300%، إعلان المنطقة غير صالحة للملاحة، خسارة قناة السويس 30% من إيراداتها فورًا. " جاري الترتيب له من قبل الحرس الثوري الإيراني".

4. النمذجة الكمية والذكاء الاصطناعي:

تغذية أنظمة المحاكاة ببيانات التجنيد الأيديولوجي 2015-2026 تكشف عن نقطة تحول Tipping Point في 2027-2028: وصول الجيل المعبأ إلى سن 19 سنة - 500 ألف مقاتل - ينتشر في اليمن والقرن الأفريقي وهلمجرا.

ثانيًا: سؤال المليون - هل اليمن دولة فاشلة؟ وما نسب بقائها؟

《وفق مؤشر الدول الهشة، اليمن ليس دولة فاشلة بالمطلق .. اليمن "دولة مُفشلة بفعل فاعل".وضع تحتها خطين.》

نسب البقاء:

- إذا بقي الفراغ: نسبة بقاء اليمن كدولة موحدة أقل من 20% بحلول 2028. السيناريو الأرجح: 3 كانتونات طائفية، بؤرة صراع إقليمي مفتوحة، كيان تديره ميليشيات مستقلة.

- إذا تم ملء الفراغ بمشروع عربي صرف: نسبة بقائه ترتفع إلى 80%. الحل ليس عسكريًا فقط، بل هو تحصين ضد التمرد والانقلاب Coup-proofing بمفهومه الشامل.

ثالثًا: إشكالية التحصين ضد التمرد - لماذا فشلت كل الحلول؟


مفهوم التحصين Coup-proofing يقوم على ثلاثة مسارات:

1. المسارات الأمنية والعسكرية:تعدد الأجهزة الأمنية، عقيدة عسكرية صارمة، رقابة وسيطرة، الاستعانة بحلفاء خارجيين. اليمن فشل في هذا لأنه اعتمد على ولاءات ضيقة بدل مؤسسة.

2. المسارات السياسية والمؤسسية: دمج وشراء ولاءات، إعادة هيكلة وتطهير دوري، بناء شرعية دستورية. غابت العدالة.

3. المسارات الاجتماعية والاقتصادية:وهذا هو الأخطر .. معالجة الأسباب الجذرية للتمرد - الفقر، التهميش، البطالة - عبر الحوار والتنمية. وهنا يأتي *نموذج التنمية البشرية وتطوير البلدان*: تعليم، لغات، مواطنة، رقي، بدل ثقافة الموت. الجيل الذي حُرم من التعليم 10 سنوات لا يمكن تحصينه بالسلاح، بل بالعلم.

رابعًا: من المستفيد من سقوط الدولة؟ - فوضى الاستراتيجيات.

《الاستفادة ليست نظرية مؤامرة، بل اقتصاد سياسي》:

- دول الخوف تشتري السلاح: عدم الاستقرار يجعل الدول الخائفة تشتري السلاح.

- الدول الضعيفة تطلب الحماية: اليمن كدولة ضعيفة يطلب الحماية، فيؤجر قراره.

- الدول المنقسمة لا تشكل تحالفات: اليمن المنقسم لا يستطيع أن يشكل تحالفًا مع مصر والخليج ليكون قوة إقليمية.إلاإذا صانع القرار العربي هو من قرر صنع التحالف بناء استراتيجية أمن قومي استباقية لبلده.وضع تحتها خطين.