فارس بني مجيد



سوف نتحدث في حلقات عن فارس من فرسان قبيلة بني مجيد ، برز اسمه وفعله في الخمسينات والستينات والسبعينات ، من القرن المنصرم ، غير أن التاريخ قد تجاهله كثيرا ، لأسباب منها ؛ مواجهته العنيدة لجبروت قمع السلطة ، وظلمها الذي عم البلاد والعباد ؛ إذ أصبح ذكر اسم ذلك الفارس فقط جريمة ، تبلغ عقوبتها الإعدام ، كذلك حرمان أهله وأقربائه من زيارته ، أو مواراته بالثرى ،

بعد أن سقط شهيدا في مقارعة ظلم السلطة وطغيانها ، فضلا عن التوجيه القسري لأقلام النخب ، وأرباب الرواية والأخبار في البلدة ، نحو الثناء على أفعال السلطة القمعية ، واستهداف الفرسان والأبطال ، الذين واجهوا جبروت السلطة ، وأفعالها القمعية بالتقتيل والتنكيل والتهجير ،

وتشويه تاريخهم حتى بعد الموت ، وبذلك استطاعت السلطة ، ومن سار على نهجها ، وانحنى أمام عواصفها ، طمس زمان أولئك الفرسان ، وقبر مكانتهم ، وإخفاء تاريخهم ، دونما تذكير ، حتى صدّق أبناؤهم وأحفادهم ذات يوم ، أنهم كانوا امبرياليين وأرستقراطيين ورجعيين ، وقفوا ضد التقدميين من أبناء الثورة .

قبيلة بني مجيد سادت في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس الهجريين ، السهول الساحلية الواقعة في تخوم جنوب البحر الأحمر ، وباب المندب ، وخليج عدن ؛ إذ امتد نفوذها من الخوخة وموزع والمخا غربا إلى حيق عدن شرقا ، أو ما يسمى اليوم الحسوة ،

ومنها من استوطن محافظتي أبين وشبوة ، شرق شمال عدن . وأشهر شواهدنا على ذلك حصون عزان المنيعة المطلة على باب المندب ، وكذلك حصون وصهاريج في جبال خرز وشوامخها ، لم يتمكن كاتب هذه السطور من الوصول إليها بعد ( وهذا ما ورد في تاريخ المستبصر لابن المجاور ) و في ( صفة جزيرة العرب والإكليل للهمداني ) و في ( هدية الزمن لأحمد فضل العبدلي ) وغيرها من المصادر والمراجع التأريخية .

علما بأن قبيلة بني مجيد لم تعد اليوم تحمل المسمى نفسه ، ولا تسيطر على الجغرافيا ذاتها ؛ إذ أصبحت تسمى قبيلة العلقمة ، انتسابا إلى أحد أبناء مجيد ، الذي سمي علقمة . أما الجغرافيا الحالية ، فقد انحسرت جغرافية قبيلة العلقمة ، وأصبح تواجدها يقتصر على المضاربة السفلى ،

والمضاربة العليا ، وسلسلة جبال مبدار المنيعة ، ووادي أتب ، والخليج - بفتح الخاء واللام وسكون الياء - والدمدم - بتضعيف الدال وفتحه وسكون الميم وفتح الدال - وشريرة العليا ، وشريرة السفلى ، وصولا إلى بندح وجبال جردد ، وكذلك الطيب والكاذية والخبل والجردهة وجبل نمان ، واللصبة ، وجبل امدارة .

ولد فارس بني مجيد في الأربعينات من القرن المنصرم ، في طور الفياح الشامخ ، الذي يطل على عشرات الهكتارات من الأرض الزراعية ، التي تسمى ضاربة الفياح ، أو أرض العلقمة ، والفياح هو الحقل الأكبر في هذه الأرض الزراعية .

عندما شعر الشيخ حسن راجح بدنو أجله ، دعا أولاده الذكور الثلاثة ، وفي أثناء سرده الوصية عليهم ، طلب أكبرهم منه أن يوصي له بالمشيخة ، وأن يطلب من القوم الوقوف بجانبه ، والتفاني معه لخدمة القبيلة ، والحفاظ على مكانتها وسيادتها وقوتها من بعده ، وكذلك طلب منه أن يختصه بقطعة خصبة من الأرض الزراعية ، فوق ما يرثه ؛ لتكون وقفا بيده ينفق من عائداتها على الفقراء والمساكين وابن السبيل ، لكن أوسطهم لم يطلب إلا خنجر والده الشيخ ، المرصع بالذهب والفضة .

أحبتي القراء انتظروني في السردية القادمة ...