سامي ديان... حين يهزم الموقف سوء الظن
المحامي مختار راجح
بعض الرجال لا تعرفهم من كلامهم، بل تعرفهم حين يتكلم الرصاص.
ففي ساعة الفتنة، لا تكشف المواقف معدن الرجال فحسب، بل تكشف أيضًا خطأ ظنوننا فيهم.
كنت أنظر إلى الشاب سامي ديان، على حداثة سنه، فأراه منطقيًا هادئًا، بعيدًا عن العصبية، وفي حديثه شيء من روح الوطن. ومع ذلك، بقي في نفسي شيء من سوء الظن.
ثم جاءت لحظة الاختبار.
في سوق القات بمدينة جعار، وعلى خلفية قضية مقتل الشاب باسل الصبيحي وما رافقها من توتر وثأر قبلي، اقتحم عدد من أقارب القتيل السوق، وارتفعت الأسلحة وانطلق الرصاص.
كنت أريد توثيق المشهد، فرفعت هاتفي، فإذا بي أرى شابًا يافعًا ثابت الخطوة، يتقدم نحو المسلحين، ويمنعهم من إطلاق النار، قائلًا:
تضربون على من الرصاص؟
سألته: من أنت؟
فقال:
أنا الشيخ سامي ديان.
كانت المفاجأة أنني كنت على تواصل معه من قبل، ولم أكن أعرف أن هذا الشاب هو الرجل نفسه.
وبعد نحو ساعة اتصل بي، وكان حديثه أشبه بماء بارد على نار في القلب. قال إن أحدًا لا يستطيع أن يحوّل قضية شخصية إلى قضية يافع أو الفضلي، فقد تقاربت القبائل، وتشابكت الأنساب والمصاهرات، وأصبح بين أبناء أبين من صلات القربى ما يجعل كل طرف قريبًا للآخر؛ فلا يعقل أن يُدفع الناس إلى قتال أخوالهم وأقاربهم وأهلهم.
عندها سقط سوء ظني.
وأدركت أن الرجال لا تقاس أعمارهم، ولا تُعرف معادنهم بالكلام، وإنما تكشفهم المواقف حين تضيق اللحظة.
لقد كان يستطيع أن يقف متفرجًا، لكنه اختار أن يقف بين الرصاص والناس.
ومن هنا، فإنني لا أرى في موقف سامي ديان مجرد موقف عابر، بل أرى فيه فكرة تستحق أن تُشاع في أبين:
أن تكون المشيخة حماية لا عصبية، وجمعًا لا تفريقًا، وإطفاءً للفتنة لا وقودًا لها.
يا شيخ سامي، إن أردت أن تجعل من مشيختك رسالة، فلا تختزل الوطن في قبيلة، ولا تجعل القبيلة خندقًا؛ اجعلها جسرًا إلى الوطن.
فأبين لا تحتاج إلى من يزيد عدد البنادق، بل إلى من يخفضها.
ولا تحتاج إلى من يحشد الناس للخصومة، بل إلى من يجمعهم على الحكمة والقانون وصلة الرحم.
فليس أعظم الشيوخ من يستطيع أن يجمع الرجال حول بندقية، بل من يستطيع أن يقف بينهم وبينها.
وليس أعظم الرجال من ينتصر لقبيلته على قبيلة، بل من ينتصر للإنسان على الفتنة.
لقد دخلت ذلك اليوم وأنا أحمل شيئًا من سوء الظن، وخرجت منه وأنا أحمل احترامًا لرجل علّمني أن:
الوطن أكبر من القبيلة، والرحم أقوى من الثأر، والموقف الصادق قادر على أن يهزم سنوات من الظنون.
تأليف وبحث: المستشار والباحث مختار راجح