ماذا بقي للشرعية بعد فقدان باب المندب؟.. وماذا قدمت للسعودية بعد سنوات من الدعم؟.. وهل أصبح اقتصاد المنطقة تحت تهديد إيران.. ؟ (تقرير)
تقرير – عين عدن – خاص:
لم يعد الحديث عن التطورات العسكرية في الساحل الغربي مجرد نقاش حول خسارة مواقع أو انسحاب قوات من جبهة إلى أخرى بل باتت القضية مرتبطة بأحد أهم الممرات البحرية في العالم وبالأمن القومي لدول المنطقة بعد أن عززت مليشيا الحوثي المدعومة من إيران وجودها على الساحل الغربي وأصبحت تمتلك نفوذا مباشرا على مناطق وجزر استراتيجية مرتبطة بباب المندب.
وما حدث يفتح بابا واسعا من الأسئلة حول حصيلة سنوات طويلة من الدعم الذي قدمه التحالف العربي للشرعية اليمنية ومؤسساتها العسكرية والسياسية بهدف استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب وتأمين اليمن ومنع المشروع الإيراني من الوصول إلى مواقع استراتيجية يمكن استخدامها لتهديد أمن المنطقة.
وبعد سنوات من الحرب أصبح السؤال أكثر إلحاحا ماذا بقي للشرعية بعد خسارة مناطق استراتيجية على الساحل الغربي ووصول الحوثيين إلى مواقع تمنحهم قدرة أكبر على تهديد باب المندب وماذا قدمت هذه القيادات للتحالف العربي مقابل ما حصلت عليه من دعم سياسي وعسكري واقتصادي طوال السنوات الماضية.
فالتحالف لم يدخل الحرب من أجل إدارة أزمة يمنية مفتوحة إلى ما لا نهاية بل جاء تدخله في الأساس ضمن أهداف تتعلق باستعادة مؤسسات الدولة ومنع تمدد الجماعة الحوثية وحماية أمن دول المنطقة من النفوذ الإيراني غير أن الخريطة العسكرية اليوم تفرض مراجعة جادة للنتائج التي تحققت مقارنة بحجم الإمكانات والدعم الذي قدم.
وتزداد خطورة المشهد عندما ننظر إلى الخريطة الإقليمية بصورة أوسع فمضيق هرمز يمثل واحدا من أهم شرايين الطاقة في العالم فيما يشكل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والطريق البحري المؤدي إلى قناة السويس وأي تهديد متزامن للممرين يرفع المخاطر أمام حركة الطاقة والتجارة الدولية ويمنح إيران وحلفاءها أوراق ضغط استراتيجية شديدة الحساسية.
وهنا لم تعد القضية مرتبطة بخلافات بين أطراف يمنية أو صراعات سياسية بين مكونات الشرعية بل أصبحت مرتبطة مباشرة بأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية ومصالح دول المنطقة وفي مقدمتها دول التحالف العربي التي أنفقت الكثير من أجل منع وصول التهديد الإيراني إلى هذه المرحلة.
والسؤال الذي يطرح نفسه أمام التحالف العربي اليوم هو هل ما يزال التمسك بقيادات أخفقت في حماية مواقع بهذه الأهمية خيارا قابلا للاستمرار أم أن التطورات الأخيرة أصبحت تستوجب مراجعة حقيقية وشاملة لبنية القيادة السياسية والعسكرية وطريقة إدارة المعركة.
لقد قدم التحالف العربي الكثير للشرعية طوال سنوات الحرب وفتح أمامها أبواب الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي ومنح مؤسساتها فرصة لاستعادة الدولة وبناء قوات قادرة على مواجهة الحوثيين ولذلك أصبح من المشروع اليوم طرح السؤال المعاكس ماذا قدمت الشرعية للتحالف العربي بعد كل هذا الدعم.
هل استطاعت حماية المناطق المحررة وتثبيت الجبهات ومنع الحوثيين من التوسع أم أن سنوات الحرب انتهت بوصول الجماعة المدعومة من إيران إلى مواقع أكثر حساسية وخطورة على أمن المنطقة والملاحة الدولية.
إن خطورة باب المندب لا تقاس بمساحته الجغرافية فقط فهو ممر استراتيجي ترتبط به حركة السفن بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس وقد أظهرت هجمات الحوثيين السابقة على السفن كيف يمكن لأي اضطراب أمني في هذه المنطقة أن يدفع شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها وتحمل تكاليف ومسافات إضافية.
كما أن السعودية تمتلك مصلحة استراتيجية مباشرة في استقرار البحر الأحمر إذ يشكل ساحله وموانئه جزءا مهما من منظومة تصدير الطاقة السعودية إضافة إلى خط أنابيب الشرق والغرب الذي يسمح بنقل النفط من مناطق الإنتاج شرقا إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بعيدا عن مضيق هرمز.
ولهذا فإن ازدياد التهديد الحوثي في باب المندب بالتزامن مع المخاطر المحيطة بمضيق هرمز لا يمثل مشكلة يمنية داخلية بل معادلة إقليمية يمكن أن تضغط على أسواق الطاقة والملاحة والتجارة وتضع المنطقة أمام تحديات أمنية واقتصادية أكبر.
ومن هنا يصبح تقييم أداء الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي ضرورة وليس ترفا سياسيا فالمعيار الحقيقي لأي قيادة في زمن الحرب هو ما تحققه على الأرض ومدى قدرتها على حماية الجغرافيا الاستراتيجية والحفاظ على المصالح التي يفترض أنها تقاتل من أجلها.
ولا يمكن بعد سنوات طويلة من الحرب الاكتفاء بالبيانات والاجتماعات والوعود بينما تتغير الخريطة العسكرية ويصل الخصم إلى مواقع تمثل ثقلا استراتيجيا يتجاوز اليمن نفسه.
إن خسارة موقع عسكري يمكن تعويضها وخسارة منطقة يمكن أن تتغير في جولة أخرى من الحرب لكن وصول جماعة مرتبطة بإيران إلى مواقع تمنحها قدرة على التأثير في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم يجب ألا يعامل باعتباره مجرد انتكاسة عسكرية عابرة.
وهنا يظهر السؤال الأصعب أمام التحالف العربي هل يمكن مواصلة إدارة الملف اليمني بالعقلية والأدوات والقيادات نفسها بعد النتائج التي وصلت إليها المعركة أم أن أمن المنطقة أصبح يتطلب تغييرا في الاستراتيجية ومحاسبة حقيقية للأخطاء وإعادة تقييم لمن يمتلك القدرة الفعلية على تحقيق نتائج عسكرية على الأرض.
إن حجم الدعم الذي قدم خلال السنوات الماضية كان يفترض أن يقود إلى بناء مؤسسات وقوات قادرة على حماية المناطق الاستراتيجية وليس إلى مشهد تصبح فيه الممرات البحرية أكثر عرضة لتهديد الجماعة الحوثية ونفوذ إيران.
والتحالف العربي اليوم أمام لحظة مراجعة مهمة فالقضية لم تعد تتعلق بمن ينتصر في خلاف سياسي داخل الشرعية ولا بمن يحصل على منصب أو حصة أكبر داخل مؤسسات الدولة بل بمن يستطيع حماية الأرض والممرات البحرية ومنع المشروع الإيراني من تحويل الجغرافيا اليمنية إلى ورقة ضغط على المنطقة.
لقد قدم التحالف الكثير للشرعية لكن السؤال الذي سيظل مطروحا بعد التطورات الأخيرة هو ماذا قدمت الشرعية للتحالف وهل كانت حصيلة سنوات الدعم بناء قوة تحمي أمن اليمن والمنطقة أم الوصول إلى مرحلة أصبح فيها باب المندب نفسه مصدر قلق استراتيجي.
وفي النهاية فإن النظر إلى مضيق هرمز شرقا وباب المندب غربا يكشف حجم المعادلة التي تواجه المنطقة وأي قدرة إيرانية مباشرة أو عبر حلفائها على ممارسة الضغط في الممرين ستضاعف المخاطر على أمن الطاقة والتجارة والملاحة الدولية.
ولهذا لم يعد السؤال فقط من المسؤول عن سقوط جبهة أو خسارة منطقة بل ماذا بقي للشرعية بعد كل هذه السنوات وماذا بقي من أهداف الحرب التي أنفق التحالف العربي من أجلها الكثير وهل سيستمر الرهان على القيادات والاستراتيجية نفسها أم أن باب المندب سيكون اللحظة التي تفرض مراجعة شاملة قبل أن تصبح كلفة الأخطاء أكبر بكثير من كلفة تصحيحها.