متى يكون الوطن للجميع؟



يا موطنًا في القلبِ أنتَ حكايةٌ

وبكلِّ شبرٍ منك نبضٌ يُسمَعُ


لا المجدُ مجدُ الغالبينَ وإن علتْ

راياتُهم، فمصيرُ كلِّ علوٍّ يَخْضَعُ


إنَّ الوطنْ لا يستقيمُ على هوى

فردٍ، ولا بالظلمِ فيهِ يُصنَعُ


بل بالعدالةِ حين تسكنُ أرضَهُ

وبها المساواةُ بيننا تتربَّعُ


متى يصبح الوطن وطنًا للجميع؟


ليس السؤال عن الأرض وحدها، فالأرض لا تُقصي أحدًا، ولا الجبال تسأل العابرين عن أسمائهم، ولا الأنهار تفتش في وجوه الساكنين عن تاريخ انتصارهم أو هزيمتهم.


السؤال أعمق من ذلك:


متى يشعر الإنسان أن هذا الوطن وطنه حقًا؟


متى لا يكون انتماؤه مرهونًا بقربه من مركز القوة، ولا بانتسابه إلى جماعة نافذة، ولا بكونه من أبناء المرحلة المنتصرة في صراعٍ مضى؟


فالوطن الذي يُقسَّم إلى منتصرين ومهزومين، وإلى مقرَّبين ومبعدين، وإلى أصحاب نفوذ وأصحاب انتظار، يظل وطنًا في الجغرافيا، لكنه لم يكتمل بعدُ في معنى المواطنة.


إن أخطر ما تتركه الصراعات السياسية في ذاكرة الشعوب ليس صوت الرصاص وحده، ولا خراب البيوت وحده، وإنما تلك الثقافة الخفية التي تجعل الإنسان يحمل خصومة الماضي إلى مستقبل أبنائه، فيرث الجيل الجديد أسماء الخصوم قبل أن يرث أحلام الوطن.


وهنا تكمن المأساة.


فكم من مرحلةٍ سياسية انتهت، ولكن آثارها بقيت في النفوس!


وكم من منتصرٍ ظن أن انتصاره سيخلد، فإذا بعجلة التاريخ تدور، فتتبدل المواقع، وتتغير موازين القوة، ويصبح من كان في المقدمة خلف الصفوف، ومن كان خلف الصفوف في مقدمة المشهد.


ولهذا فإن الوطن الذي يُبنى على غلبة فريقٍ لا يأمن الغد؛ لأن الغلبة السياسية عابرة، أما الوطن فباقٍ.


وقد عرف جنوب اليمن، كما عرفت سائر البلاد، مراحل تاريخية وسياسية متعاقبة؛ من السلطنات والمشيخات، إلى الاستعمار البريطاني، ثم قيام دولة الجنوب، ثم التحولات السياسية التي تلت ذلك.


تبدلت الأنظمة، وتغيرت النخب، وصعدت قوى وتراجعت أخرى، وكتب التاريخ صفحات من الانتصار والانكسار.



لكن التاريخ لا ينبغي أن يكون سيفًا مسلطًا على رقاب الأحياء.


فليس المطلوب أن نمحو الماضي، ولا أن نزيف حقائقه، ولا أن نطلب من الناس أن ينسوا آلامهم؛ وإنما المطلوب أن نفهم الماضي دون أن نتحول إلى أسرى له.


فالأوطان لا تنهض حين يصبح التاريخ دفترًا للثأر، وإنما تنهض حين يصبح التاريخ مدرسةً للعبرة.


إن الوطن الحقيقي ليس وطن المنتصر وحده، ولا وطن المهزوم وحده؛ بل وطن الإنسان.


وطن الذي اختلف ولم يُقصَ.


وطن الذي أخطأ ولم يُحكم عليه بالموت السياسي إلى الأبد.


وطن الذي خسر معركةً ولم يخسر حقه في الكرامة.


وطن الذي لم يكن له ظهرٌ يحميه، فوجد القانون يحميه.


وهنا يبدأ المعنى الحقيقي للدولة.


الدولة التي تجعل القانون فوق الأشخاص، والحق فوق النفوذ، والكفاءة فوق المحاباة، والمواطنة فوق الانتماءات الضيقة.


فحين يكون القانون ميزانًا واحدًا للجميع، لا يعود المواطن بحاجة إلى البحث عن واسطةٍ ليحصل على حقه.


وحين تصبح الكفاءة معيارًا، لا يعود المنصب مكافأةً للولاء.



وحين تصبح المواطنة أساسًا للحقوق، لا يعود الإنسان مضطرًا إلى إثبات أنه من الفريق الصحيح حتى يشعر بأنه ينتمي إلى وطنه.


إن أجمل صورة للوطن ليست أن يتشابه أبناؤه في آرائهم، وإنما أن يختلفوا وهم آمنون، ويتنافسوا وهم متساوون، ويختلفوا في السياسة دون أن يختلفوا على حق بعضهم في الوطن.


فليست المشكلة أن يكون لنا تاريخ مختلف؛ المشكلة أن نجعل اختلاف التاريخ سببًا لاختلاف الحقوق.


وليست المشكلة أن تتعدد الرؤى؛ المشكلة أن تتحول إحدى الرؤى إلى حق حصري في الوطن.


وليست المشكلة أن تتغير السلطة؛ المشكلة أن تتغير معها قيمة الإنسان.


إن الوطن للجميع عندما يستطيع ابن الأمس أن يعيش في حاضر اليوم دون أن يُعاقب على تاريخ لم يصنعه.


ويكون الوطن للجميع عندما يستطيع ابن الطرف الذي خسر بالأمس أن يقف اليوم أمام مؤسسات الدولة مرفوع الرأس، لا لأنه انتصر، بل لأنه مواطن.


ويكون الوطن للجميع عندما يستطيع ابن الطرف الذي انتصر بالأمس أن يقبل بأن الوطن أكبر من انتصاره، وأن الدولة ليست غنيمةً تُورَّث، وأن السلطة ليست ملكًا خاصًا لأحد.


فالوطن أكبر من المنتصر، وأبقى من المهزوم، وأوسع من الجميع.


يا أبناء الوطن...


دعونا لا نورث أبناءنا خرائط الخصومة.


دعونا نورثهم دولةً لا يسأل فيها القاضي عن اسم القبيلة قبل أن يسمع الدعوى، ولا يسأل الموظف عن الجهة التي تقف خلف المواطن قبل أن يؤدي واجبه، ولا يسأل المسؤول: من أنت؟ قبل أن يسأل: ما حقك؟


نريد وطنًا إذا طرق الفقير بابه وجد القانون.


وإذا اعترض الضعيف وجد العدالة.


وإذا اجتهد الكفء وجد الفرصة.


وإذا اختلف المواطن وجد مساحةً للاختلاف لا مقصلةً للإقصاء.


نريد وطنًا لا يحتاج فيه الإنسان إلى أن يكون ابن المنتصر حتى يعيش عزيزًا، ولا ابن المهزوم حتى يدفع ثمن التاريخ.


نريد وطنًا تكون فيه الدولة دولةً للجميع.


وحينها فقط نستطيع أن نقول:


لقد خرجنا من زمن الغلبة إلى زمن الدولة، ومن ثأر التاريخ إلى عدالة المستقبل، ومن وطن الجماعات إلى وطن المواطنين.


فالوطن لا يصبح للجميع بكثرة الشعارات، وإنما حين يشعر كل إنسان أن حقوقه محفوظة، وكرامته مصونة، ومستقبله لا يتوقف على اسمٍ أو منطقةٍ أو موقفٍ سياسي.


تلك هي الدولة التي تستحق أن نحلم بها.


وتلك هي المواطنة التي تستحق أن نعيش من أجلها.


وتلك هي الرسالة التي ينبغي أن يحملها كل من أحب وطنه حقًا:


لا وطنًا ينتصر فيه بعضنا على بعض، بل وطنًا ينتصر فيه الجميع بالعدل.


المستشار والأديب مختار راجح